المعنى شرط الدولة والسلطة.. انكشاف أزمة الشرعية في العالم العربي

ينطلق هذا المقال من مقاربة ترى في أزمة الدولة في العالم العربي أزمةً بنيوية في المعنى الجامع، قبل أن تكون خللًا إداريًا أو فشلًا سياسيًا عابرًا. فالدولة لا تقوم على القوّة أو على انتظام المؤسّسات وحدها، بل على قدرتها على إنتاج معنى مشترك يمنح السلطة شرعيتها، ويحوّل الطاعة من خضوع قسري إلى قبول واعٍ، والانتماء من رابطة مفروضة إلى خيار جماعي قابل للتبرير.

يُفكّك المقال مسار تحوّل الدولة العربية الحديثة من مشروع سياسي يُفترض أن يجسّد أفقًا مشتركًا، إلى جهاز ضبط منفصل عن المجتمع، يعوّض غياب المعنى بالعنف الرمزي والمادي، وما ترتّب على ذلك من صعود السلطوية، وتآكل الحياة الوطنية المشتركة، وتحويل المواطنة إلى امتثال سلبي.

هنا، لا يقدّم النص وصفات جاهزة، بل يعيد ترتيب السؤال الجذري: ليس كيف نُصلح الدولة العربية، بل أي دولة نريد، وباسم أي معنى جامع يمكن للسياسة أن تستعيد وظيفتها بوصفها فعلًا جماعيًا لا إدارة بلا روح.

***

لا يُمكن مقاربة الأزمات المتراكمة التي تعيشها المجتمعات العربية بوصفها مجرّد اختلالات اقتصادية، أو أزمات حكم، أو أعطاب أخلاقية طارئة، كما لا يصحّ ردّها إلى حالات نفسية جماعية من الإحباط أو القلق أو الاغتراب؛ فهذه المقاربات، على أهميتها الجزئية، تُقارب الأزمة من مستوى ظاهري، متجاوزةً بنيتها الأعمق. ما نواجهه، في العمق، هو أزمة معنى بنيوية تمسّ الأساس الذي تقوم عليه فكرة الدولة ذاتها، لا أعراضها الظاهرة فقط.

المعنى هنا لا يُفهم بوصفه عنصرًا ثقافيًا إضافيًا أو خطابًا أيديولوجيًا يمكن استبداله بآخر، بل باعتباره الشرط الوجودي الذي يجعل الدولة ممكنة بوصفها إطارًا قابلًا للانتماء. فالدولة لا تقوم على الإكراه في فرض القانون، بل على صناعة الهيبة وترسيخ الطاعة بوصفها منطقًا عامًّا، وعلى قدرتها على جعل السلطة مفهومة، والانتماء معقولًا، دون حاجة دائمة إلى القسر.

والمقصود بهذا المعنى الوجودي ليس توافقًا نفعيًا عابرًا، ولا إجماع مصالح قد يستقرّ حول السلطة ولو خلا من أي مضمون أخلاقي، بل ذلك الأفق الذي يسمح للفرد أن يرى في الدولة امتدادًا لوجوده العام، أي إطار اعتراف وكرامة ومصير مشترك، لا مجرّد جهاز ينظّم الحياة من خارجها أو قوّة قائمة فوق الأفراد. وحين يغيب هذا الأفق، لا تنهار الدولة فورًا، لكنها تفقد معناها تدريجيًا، وتتحوّل من مشروع سياسي جامع إلى جهاز ضبط يعمل بذاته، يعيش على الاستمرارية الإدارية لا على المشروعية الرمزية.

من هنا، تصبح أزمة المعنى مسألة دولة بامتياز، لا حالة نفسية يمكن علاجها بالخطاب التحفيزي أو التنمية الاقتصادية وحدها. فالاغتراب الفردي، وفقدان الثقة، والانكفاء الاجتماعي، ليست أسباب الأزمة بل نتائجها؛ تعبيرات ذاتية عن خلل سياسي – رمزي أعمق يتجلّى حين تفقد الدولة قدرتها على تمثيل ذاتها بوصفها إطارًا للعيش المشترك، لا مجرّد جهاز حكم.

***

في أصلها الفلسفي، لم تُفهم الدولة يومًا بوصفها جهاز قسر محض، بل بوصفها وعدًا تاريخيًا بتنظيم العيش المشترك ضمن أفق عام من المعنى. ففي التصوّرات الكلاسيكية، لا تنفصل السلطة عن الاعتراف، ولا ينفصل الحكم عن فكرة الخير العام أو العقل أو التاريخ. فالدولة المستقرّة لا تقوم فقط لأنها تملك أدوات الإكراه، بل لأنها تنجح في جعل هذا الإكراه مفهومًا ومقبولًا ضمن سردية أوسع تمنحه دلالة تتجاوز العنف العاري.

غير أنّ الدولة العربية الحديثة نشأت، في معظم تجاربها، دون أن تحسم هذه الإشكالية التأسيسية. فقد غلب فيها منطق السيطرة على منطق المعنى، ومنطق الضبط على منطق التمثيل. وبدل أن تُبنى بوصفها تعبيرًا عن مشروع جماعي تاريخي، بُنيت غالبًا كإطار فوقي يفرض النظام دون أن ينتج دلالته الخاصة. وحين تُختزل الدولة في قدرتها على السيطرة الأمنية أو الإدارية، وتفشل في إنتاج سردية جامعة تتجاوز الخوف والمصلحة، فإنها تفقد مبرّر وجودها الأخلاقي والسياسي. عندها لا يعود السؤال: لماذا نعارض الدولة؟ بل يصبح السؤال الأعمق والأخطر: لماذا ننتمي إليها أصلًا؟

وهنا يظهر البعد الدفاعي للفكر: لا يقلّ اختزال أزمة الدولة في بعدها الرمزي عن اختزالها في بعدها المادي وحده. فالفكر المادي الذي أسّسه ماركس، على أهميته التاريخية والنقدية، لم يعد صالحًا- بعد أكثر من قرن ونصف- لأن يُستعاد بصيغته الأصلية بوصفه مفتاحًا تفسيريًا مكتفيًا بذاته. فالتاريخ لم يتوقّف عند لحظة التأسيس، ولا التجربة الاجتماعية ظلّت أسيرة الشروط التي أنتجت نقد الرأسمالية في القرن التاسع عشر.

لقد أظهرت تجارب دول ومجتمعات حديثة أن التقدّم والعدالة الاجتماعية لم يتحقّقا عبر استعادة مذهب واحد، بل عبر تزاوج نقدي بين التحليل المادي من جهة، ومقاربات فلسفية أعمق للشرعية والعقلانية والمعنى، كما نجدها- على اختلاف السياقات- لدى هيغل في تصوّره للدولة، ولدى ماكس فيبر في تحليله للشرعية، أو لدى بول ريكور في فهمه للرمز والاعتراف من جهة ثانية. ولم يكن نجاح هذه التجارب نتاج إخلاص لعقيدة، بل نتيجة تجاوزها الخلّاق.

وليس من المجازفة القول إن ماركس نفسه، لو شهد إخفاق التجارب الاشتراكية المغلقة من جهة، ونجاح الصيغ الهجينة من جهة أخرى، لكان أوّل من راجع أدواته المفهومية. فالفكر النقدي لا يقدّس لحظته التأسيسية، بل يُعيد اختبار نفسه على ضوء التجربة، وإلّا تحوّل من أداة تحليل إلى أيديولوجيا جامدة.

غير أن المقاربة التي تشتغل على المعنى والشرعية والقبول السياسي ليست مثالية، إلّا إذا افترضنا أن الوعي ينشأ في فراغ، وأن الرموز لا وظيفة لها في تنظيم السلطة والطاعة والانتماء. علمًا أن المعنى، في التجربة التاريخية، ليس نقيضًا للبنية المادية، بل أحد شروط اشتغالها واستدامتها. فالسلطة لا تقوم على الإكراه في فرض القانون، بل على صناعة الهيبة وترسيخ الطاعة بوصفها منطقًا عامًا، وعلى تحويل الامتثال إلى سلوك يبدو عقلانيًا داخل الوعي الجمعي.

***

إن اختزال أزمة الدولة في علاقات الإنتاج والصراع الطبقي فقط، يغفل أن الدولة الحديثة- حتى في أكثر أشكالها تبعية- لا تعمل كآلة اقتصادية صمّاء، بل كجهاز رمزي يعيد تعريف الممكن، ويضبط حدود الفعل، ويمنح الهيمنة شكلها المقبول؛ ومن دون فهم هذا البعد، يصبح التحليل المادي نفسه قاصرًا عن تفسير لماذا تستمر أنماط السيطرة حتى حين تتآكل شروطها الاقتصادية.

إقرأ على موقع 180  تغريدة جنبلاط المحذوفة… ما قيل قد قيل

عليه، فإن سؤال المعنى لا يستبدل الصراع الاجتماعي، ولا يعلّق الأزمة على الأخلاق، بل يكشف الشروط التي تجعل الصراع ممكنًا أو معطّلًا، ذا أفق سياسي أو مجرّد انفجارات معزولة. فليست المشكلة في غياب الصراع، بل في غياب المعنى الذي يمنحه اتجاهًا جامعًا، ويحوّله من احتجاجات متفرّقة إلى فعل تاريخي.

هذا السياق الدفاعي يندمج بسلاسة مع تشخيص المقال: لا تنهار الدولة العربية ككيان، بل تفقد معناها تدريجيًا، وتتحوّل من مشروع سياسي جامع إلى جهاز ضبط يعمل بذاته. تتراجع السياسة بوصفها مجالًا للفعل والدلالة، وتتقدّم الإدارة بوصفها تقنية للضبط. لا تفقد السلطة بعدها الأخلاقي لأنها تصبح شريرة، بل لأنها تصبح لا – معنوية. فالجهاز لا يحتاج إلى اعتراف رمزي أو شرعية تاريخية؛ يكفيه أن يعمل. معيار نجاحه ليس القبول الاجتماعي، بل الكفاءة التقنية والاستمرارية.

يمكن هنا استدعاء تمييز حنّة آرندت بين “السلطة والقوة”: فالقوة يمكن أن تُمارَس دون معنى، أمّا السلطة فلا تقوم إلا به. وحين تُختزل السلطة في أدوات الضبط، تتحوّل السياسة إلى إدارة خوف، ويتحوّل المواطن إلى موضوع مراقبة لا شريك في الحياة الوطنية المشتركة.

لا يمكن فهم هذا المسار دون التوقّف عند الخلل التاريخي الذي رافق نشأة الدولة العربية الحديثة: وراثة السلطة دون وراثة الدولة. فمع لحظات الاستقلال، لم تُبنَ الدولة بوصفها قطيعة مفهومية مع أنماط الحكم السابقة، بل جرى استبدال النخب الحاكمة مع الإبقاء على منطق السلطة ذاته. ورثت الدول أدوات السيطرة- الجيش، الأمن، الإدارة- لكنها لم ترث الدولة بوصفها عقدًا اجتماعيًا جديدًا أو تمثيلًا لإرادة عامة حديثة.

بهذا المعنى، لم تكن الدولة الوطنية ثمرة مسار تاريخي داخلي ناضج، بل إطارًا سياسيًا استعجل الظهور قبل اكتمال شروطه الرمزية. لذلك بدت، في الوعي الاجتماعي، امتدادًا لسلطات سابقة أكثر مما هي مشروعًا جماعيًا جديدًا. وحين لا تُؤسَّس الدولة بوصفها معنى مشتركًا، تُقرأ دائمًا كغلبة لا كضرورة، وهو ما يفسّر هشاشة الانتماء الوطني وسهولة انزلاق الولاءات نحو بدائل ما قبل – دولتية.

يتّصل ذلك مباشرة بإشكالية استيراد الدولة الحديثة. ففي معظم التجارب العربية، جرى استيراد الشكل: دستور، برلمان، مؤسسات، إدارة مركزية، دون استيعاب فلسفي واجتماعي لشروط الدولة الحديثة. فنتج كيان هجين: دولة حديثة في بنيتها، تقليدية في ممارستها، ومتناقضة في خطابها. السيادة تُعلَن، والمشاركة تُقيَّد؛ والمؤسسات تُقام، والقرار يُحتكر.

وحين تعجز الدولة عن أداء وظيفتها الرمزية، لا ينهار المجتمع فورًا، بل يعيد ترتيب انتماءاته. فالمجتمع لا يحتمل الفراغ الدلالي طويلًا، وحين يغيب المعنى الجامع، تُستدعى معانٍ بديلة. صعود الطائفية أو العشائرية أو الأيديولوجيات المغلقة لا يكون تمرّدًا على الدولة بقدر ما هو علامة على انسحابها من موقعها الرمزي. هذه البدائل تحاول تأمين ما لم تعد الدولة قادرة على توفيره: الانتماء والاعتراف والحماية المعنوية، لكنها تقوم على الإقصاء لا الشمول، وعلى التمييز لا العقد العام.

في هذا السياق، لا يظهر انهيار المعنى في المجال السياسي فقط، بل يتسرّب إلى وعي الفرد نفسه. يتشكّل ما يمكن تسميته بـ“الوعي المشروخ”: انقسام دائم بين خطاب عام لا يُصدَّق، وواقع يومي لا يمكن تجاوزه. هذا الشرخ ليس اغترابًا نفسيًا فحسب، بل حالة وجودية – سياسية مركّبة، يتحوّل فيها الفعل العام إلى طقس شكلي، والزمن إلى تتابع بلا غاية.

***

أمام هذا المشهد، تبدو النخبة العربية واعية بطبيعة الأزمة، قادرة على تشخيص أعطاب الدولة، لكنها عاجزة- في معظم الأحيان- عن تحويل هذا الوعي إلى فعل سياسي ثقافي منتج للمعنى. وهنا يبرز دور الفعل الثقافي لا بوصفه ترفًا فكريًا أو تعويضًا رمزيًا عن غياب السياسة، بل بوصفه وسيطًا هشًّا بين مجتمع يبحث عن معنى ودولة فقدت قدرتها على إنتاجه. غير أنّ هذا الدور يظل محدودًا ما لم يتحوّل من نقد وصفي إلى ممارسة رمزية تُعيد وصل المعنى بالفعل العام، وتفتح أفق المشاركة بدل الاكتفاء بتفسير التفكك.

إذا كانت أزمة المعنى قد بلغت هذا العمق، فإن تجاوزها لا يمكن أن يتمّ عبر إصلاحات تقنية أو إدارة جزئية للأزمات. المطلوب هو استعادة الفعل السياسي والثقافي بوصفه إنتاجًا للمعنى، لا مجرّد استجابة ظرفية. ليس المطلوب حلولًا جاهزة، بل إعادة طرح السؤال المؤسِّس: ما الذي يجعل الدولة جديرة بالانتماء؟

إعادة التفكير في الدولة لا تعني الدعوة إلى هدمها، بل إنقاذها من الفراغ الذي يهدّدها من الداخل. فالدولة، في معناها الأعمق، ليست تجسيدًا للسلطة فحسب، بل أفقًا يُمكّن الأفراد من رؤية ذواتهم جزءًا من كلٍّ أوسع. دولة تعترف بالتعدّد دون أن تذوب فيه، وتحتضن الاختلاف دون أن تفقد وحدتها الرمزية. بهذا المعنى، لا تكون السياسة صراعًا عاريًا على السلطة، بل تفاوضًا دائمًا حول المعنى.

أزمة المعنى في العالم العربي ليست حادثًا عابرًا ولا قدرًا مغلقًا، بل تعبير عن خلل عميق في العلاقة بين الدولة والمجتمع والفرد. وما لم يُعاد طرح سؤال الدولة بوصفه سؤال معنى، ستبقى الإصلاحات جزئية، والاستقرارات هشّة، والانتماءات معلّقة. فالدولة التي لا تمنح معنى، لا تستطيع أن تطلب ولاءً، ولا أن تبني مستقبلًا مشتركًا.

السؤال الحقيقي إذًا، لا يتعلّق بكيفية إدارة الدولة، بل بكيفية إعادة جعلها جديرة بالانتماء. وهذا سؤال لا يُغلَق بنصّ.. بل يبدأ به.

Print Friendly, PDF & Email
علي العزي

كاتب، أكاديمي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  العسكرة.. دينٌ جديدٌ