ترامب المتحوّل وإيران: غموض استراتيجي وتورّط متجدد

تعالوا نتابع السلوك المتحوّل لدونالد ترامب في الشؤون الخارجية، لعل ذلك يساعدنا في فهم تناقضات إمبراطورية لا تنفك تحاول استعادة عظمتها المفقودة ولو فوق أرض مفككة بتفكك الكتلة الأطلسية واندفاع قوى أوروبية رئيسية إلى طلب التعاون مع الصين، القوة الصاعدة المنافسة!

تنطوي إدارة الصراع الأميركي مع إيران على تجربة مثيرة للاهتمام كون الأخيرة تمثل قاعدة ارتكاز جيوسياسي لكل من روسيا والصين، وخسارتها تُهدّد توازن القوى العالمي نظراً لتداعياتها على مصالح روسيا والصين.

في الثالث عشر من كانون الثاني/يناير الماضي، أعلن الرئيس الأميركي تأييده لحركة الاحتجاج التي أطلقها تجار البازار في طهران، متعهداً بتقديم مساعدة ليس معروفاً ما إذا كانت قد عرفت ترجمة في الميدان. بعد أيام ثلاثة على ذلك، شكر ترامب السلطات الإيرانية لتراجعها، حسب اعتقاده، عن إعدام المئات من المتظاهرين المعتقلين.

في السابع والعشرين من كانون الثاني/يناير الماضي، راح ترامب يُفاخر بتوجه أسطول عسكري “بصورة رائعة” نحو إيران المُهدّدة بضربات أميركية، إلّا أنه حرص، في الوقت نفسه، على دعوة النظام الإيراني إلى التفاوض على اتفاق “عادل ومنصف”، في إشارة إلى البرنامج النووي الإيراني الذي كان أكد في وقت سابق أنه تم تدميره كلياً بالقنابل الأميركية خلال “حرب الـ 12 يوماً” التي شنّتها إسرائيل على الجمهورية الإسلامية في حزيران/ يونيو 2025. علماً أن حملة جديدة من القصف على إيران، على غرار ما حصل في مطلع الصيف الماضي، وإن كانت دوافعها تتصل بالأوضاع الداخلية المضطربة في الولايات المتحدة ولا سيما مشكلة المهاجرين والعنف الفدرالي واحتمال خسارة إدارة ترامب انتخابات الكونغرس النصفية في الخريف المقبل؛ هكذا حملة من شأنها تعزيز “الغموض الاستراتيجي” لمصلحة إيران.

إيران قوة كبرى مناهضة للهيمنة ولها استراتيجية إقليمية، وتُحيطها أميركا بالعديد من القواعد العسكرية، التي هي في آنٍ معاً بمثابة أهداف للصواريخ الإيرانية الباليستية، كما أن هذه الصواريخ قد تُهدّد حلفاء واشنطن وتضغط على أسعار النفط عالمياً. ومع ذلك فإن تصريحات ترامب تثير تساؤلات في شأن أهداف التدخل العسكري في إيران: تعديل سلوك النظام؟ تغيير النظام بالقوة؟ استراتيجية حصار تستهدف قدرات الإيذاء الإيرانية؟ استعراض قوة للتفاوض من موقع القوة؟

أميركا تتورط في المنطقة بدل الابتعاد عنها

في الوقت نفسه، تعكس التصريحات المتناقضة للرئيس الأميركي، صعوبة التزام الإدارة الأميركية بمبدأ “الأولوية الاستراتيجية” الذي يفرض التركيز على الداخل الأميركي وآسيا الباسيفيك من دون التورط في حروب لا تنتهي في الشرق الأوسط. ويبدو أنه ليس سهلاً على ترامب أن يكون الرئيس الأميركي الذي يفشل في إعادة توجيه الاستراتيجية الدفاعية! ولا يضير في ذلك أن يكون الرؤساء الذين سبقوه حاولوا وفشلوا في الاستدارة نحو آسيا (الصين). وحتى في الولاية الأولى لترامب، تعهد المسؤولون في إدارته بالتركيز على “التنافس بين القوى الكبرى” لكنهم ما لبثوا أن عادوا وتورطوا في الشرق الأوسط من خلال شن حملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق (داعش).

وفي هذا السياق، جاءت “استراتيجية الأمن القومي” الصادرة في كانون الأول/ديسمبر 2025، لتعلن انتهاء الالتزام الأميركي في الشرق الأوسط “ليس لكون الشرق الأوسط فقد الأهمية، بل لأنه لم يعد مصدراً للاحتكاك وكارثة وشيكة كما كان سابقاً (…). إنه يظهر بالأحرى مكاناً للمشاركة والصداقة والاستثمار، وهو اتجاه يجب أن يُرحّب به ويُشجّع”.

الحد من التورط العسكري في الشرق الأوسط، كان هو أيضاً هدف “استراتيجية الدفاع الوطني” الصادرة عن البنتاغون في 24 كانون الثاني/ يناير الماضي. الوثيقة تعتبر هذا الهدف ممكن التحقيق لأن “شركاء الولايات المتحدة” في المنطقة “هم أكثر استعداداً وقدرة على العمل أكثر لتأمين دفاعهم ضد إيران والجماعات المتحالفة معها”، غير أن الوقائع تثبت عكس ذلك.

دونالد ترامب اعتمد الضربات بالصواريخ والمسيرات أكثر من سلفه في البيت الأبيض، والقسم الأعظم من هذه الضربات استهدف دولاً في الشرق الأوسط: العراق وسوريا واليمن وإيران. بل إن الجمهورية الإسلامية كانت هدفاً لموجة قصف كثيفة فضلاً عن تحريك “أرمادا” لا مثيل لها في العالم. وإذا كان ثمة دروس من السابقة الفنزويلية، فإن نشر مثل هذه القوة الجوية البحرية يمثل في ذاته تحريضاً على استخدام هذه القوة النارية الهائلة!

وماذا عن أوجه التباين بين الحالتين، الإيرانية والفنزويلية؟

إيران قوة كبرى مناهضة للهيمنة ولها استراتيجية إقليمية، وتُحيطها أميركا بالعديد من القواعد العسكرية، التي هي في آنٍ معاً بمثابة أهداف للصواريخ الإيرانية الباليستية، كما أن هذه الصواريخ قد تُهدّد حلفاء واشنطن وتضغط على أسعار النفط عالمياً. ومع ذلك فإن تصريحات ترامب تثير تساؤلات في شأن أهداف التدخل العسكري في إيران: تعديل سلوك النظام؟ تغيير النظام بالقوة؟ استراتيجية حصار تستهدف قدرات الإيذاء الإيرانية؟ استعراض قوة للتفاوض من موقع القوة؟

وجه الاختلاف الآخر مع فنزويلا أن البيت الأبيض تمكن من تحويل صراعه مع كاراكاس إلى أزمة سياسية داخلية أميركية عبر ربطه بحملة بلاده لمكافحة تجارة المخدرات التي تتفشى في المجتمع الأميركي، بينما القاعدة الانتخابية للرئيس ترامب (MAGA) ترفض أي تدخل أميركي في الشرق الأوسط انطلاقاً من شعار “أميركا أولاً”. الانتقادات التي انهالت على ترامب خلال “حرب الـ12 يوماً” ضد إيران، أثبتت أن قاعدته الشعبية (MAGA) لا ترى أن مصالح أميركا هي المعنية أو المُهدّدة، بل إن واشنطن تقاتل من أجل حماية إسرائيل. وليس هناك ما يشير إلى أن هذه الصورة قد تبدلت حتى الآن.

إقرأ على موقع 180  برّاك استغل غياب مُنتظر الزيّدي.. فأذلته سيّدات الجنوب

المشهد المرعب للدمار والأطفال الجوعى في قطاع غزة، ثم تدهور العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج العربية، أطلقا العنان لحالة مكبوتة داخل اليمين الأميركي. قبل اغتياله بوقت قليل، تجرأ المؤثر الأميركي تشارلي كيرك على وصف بنيامين نتنياهو بأنه “عميل الخراب”. وراح أعضاء في الكونغرس من الجمهوريين ومؤثرون في حركة الـ (MAGA) ومنهم ستيف بانون وتاكر كارلسون يصدرون دعوات إلى إعادة النظر في التحالف مع إسرائيل التي اعتبروا أنها تجرّ أميركا خلافاً لمصالحها إلى نزاعات خارجية تُكبّد واشنطن مليارات الدولارات سنوياً، بينما يكون من الأفضل أن تُصرف هذه الأموال لمصلحة أولويات وطنية.

جيل أميركي يبتعد عن إسرائيل

وتُبيّن استطلاعات الرأي أن 32% من الأميركيين يعتبرون الرد الإسرائيلي على حركة “حماس” أمراً مشروعاً، لكن نحو 30% أو أكثر قليلاً يرغبون في الحد من المساعدة العسكرية لإسرائيل. أما التأييد لإسرائيل على النطاق القومي الأميركي، فإنه يسجل تراجعاً (53% ضد 42% مع في العام 2022). 18% من الذين هم دون الـ 30 سنة، يميلون إلى التعاطف مع إسرائيل، في مقابل 41% يتعاطفون مع الفلسطينيين. إنه اتجاه عميق في المجتمع الأميركي لم تفعل سياسة حكومة نتنياهو سوى تسريعه ليس في صفوف الديموقراطيين فحسب، بل لدى الجمهوريين ولا سيما منهم فئة الشباب، وحتى في أوساط الإنجيليين الذين يراهن عليهم نتنياهو. تأييد إسرائيل تراجع 35 نقطة منذ 2021 لدى الفئة الأقل من 30 سنة، وهذا الواقع يشي أن الأصوات المؤيدة لإسرائيل لدى الجمهوريين الأميركيين، بات تقتصر على الذين تجاوزوا سن الخمسين سنة، في حين أن الجيل المقبل المدعو إلى قيادة البلاد يبتعد كلياً عن إسرائيل.

تأييد الـ (MAGA) أو القاعدة الشعبية لترامب، لا يزال عاملاً أساسياً بالنسبة إلى الرئيس الأميركي، خصوصاً أنه فقد بسبب إدارته الهوجاء لشؤون الدولة الفيدرالية قطاعاً من تحالف الـ (MAGA) الذي سمح له بالعودة إلى البيت الأبيض.

الغرق في وحول الشرق الأوسط، كما تريد إسرائيل، وتراجع طاقات الحشد لدى الـ(MAGA)، من شأنهما أن يضمنا انتكاسة في انتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل فضلاً عن سنتين من الكآبة الخريفية حتى انتهاء الولاية الثانية لترامب!

Print Friendly, PDF & Email
ميشال نوفل

كاتب وصحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  فورين أفيرز: السعودية لا تدعم إستراتيجية أميركا الكبرى (1)