دولة المصارف في لبنان.. خصخصة الأرباح وتعميم الخسائر

لا يمكن مقاربة الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي في لبنان بوصفه حدثاً طارئاً، ولا باعتباره نتيجة أخطاء تقنية في السياسات النقدية أو سوء إدارة.

الانهيار المالي في لبنان هو التعبير التاريخي الأكثر كثافة عن طبيعة التشكيلة الاقتصادية–الاجتماعية اللبنانية، وعن الوظيفة البنيوية للدولة داخل نمط رأسمالي تابع، ريعي، وكومبرادوري. إن الدولة ليست جهازاً محايداً، بل هي أداة طبقية تاريخية، «لجنة لإدارة الشؤون المشتركة للبرجوازية». وتكتسب هذه المقاربة أهمية مضاعفة في لحظات الأزمات الكبرى، حيث تنكشف الوظيفة الفعلية للدولة بعيداً عن الخطاب الليبرالي الذي يصوّرها كضامن للمصلحة العامة. ما نعيشه ليس أزمة سيولة أو ثقة، بل لحظة انكشاف نهائية لمنطق تراكم قام، منذ عقود، على نقل الثروة من المجتمع إلى مركز مالي–سياسي ضيق، تحت غطاء الاستقرار والنمو الوهمي.

في الخطاب اللبناني السائد حالياً، تُقدَّم الدولة اللبنانية بوصفها وسيطاً بين المصارف والمودعين، وكأنها تقف على مسافة واحدة من الطرفين. غير أن هذا التصوير يخفي حقيقة أساسية: الدولة ليست خارج الصراع، بل هي أحد أركانه البنيوية. الدولة هي نتاج ميزان قوى طبقي محدّد، وتجسيد مؤسساتي لعلاقات الإنتاج السائدة. في الحالة اللبنانية، لا نتحدث عن دولة برجوازية صناعية نشأت لتنظيم الإنتاج وتراكم القيمة، بل عن دولة برجوازية كومبرادورية، وظيفتها ليست إدارة التنمية، بل إدارة الوساطة: استجلاب الدولار عبر التحويلات والاستدانة والفوائد المرتفعة، ثم إعادة توزيعه داخل تحالف السلطة–المال. العلاقة بين الدولة والمصارف ليست علاقة انحراف أو «فساد»، بل علاقة تطابق وظيفي. فالدولة تؤمّن الإطار القانوني والسياسي للتراكم المالي، فيما تؤمّن المصارف التمويل اللازم لاستمرار النظام السياسي–الزبائني واستقراره..

ما يُطرح اليوم تحت عناوين «معالجة الأزمة» أو «توزيع الخسائر» لا يشكّل مسعىً للخروج من الانهيار، بل محاولة لإدارته سياسياً، أي إعادة تنظيم الهيمنة الطبقية بعد سقوط الأقنعة، وإعادة إنتاج الشروط ذاتها التي قادت إلى الانهيار، ولكن بصيغ قانونية ومؤسساتية جديدة. فالانهيار هنا لا يعني فشل النظام، بل نجاحه في أداء وظيفته حتى النهاية: خصخصة الأرباح في زمن «الازدهار»، وتعميم الخسائر في زمن الانهيار.

في هذا السياق، تكتسب ما سُمّي “الهندسات المالية” معناها الحقيقي. فهي لم تكن مجرد أدوات نقدية استثنائية، بل كانت آلية مركزية لإعادة توزيع الثروة صعوداً. عبرها، جرى استخدام ودائع الناس لتمويل عجز الدولة، ومنح المصارف أرباحا استثنائية شبه مضمونة، فيما استُنزفت احتياطات المصرف المركزي. المال لم يختفِ، بل انتقل من جيوب المودعين إلى شبكة متكاملة من المصارف والنخب السياسية والاقتصادية. تحويل هذا المسار إلى مسألة محاسبية هو فعل أيديولوجي بامتياز، هدفه فصل الأرقام عن السياسة، والخسائر عن المسؤوليات.

لم تأتِ الهندسات المالية من فراغ، بل شكّلت تتويجاً لمسار بدأ منذ التسعينيات مع السياسات التي أرساها رفيق الحريري. فقد أُعيد “بناء” الدولة بعد الحرب على أساس اقتصاد خدماتي–مالي، قائم على الاستدانة، وتثبيت سعر الصرف، وجذب الرساميل السريعة، لا على بناء قاعدة إنتاجية. هكذا تحوّلت الدولة إلى مدين دائم، والمصرف المركزي إلى حارس لوهم الاستقرار، والمصارف إلى شريك فعلي في الحكم. لم يكن هذا خياراً تقنياً، بل مشروعاً سياسياً أعاد تعريف وظيفة الدولة: من أداة تنمية إلى ضامن للريع.

في هذا الإطار، أدى رياض سلامة دور المنفّذ المثالي لهذا النموذج. لم يكن مبتدعا له بقدر ما كان مهندس استدامته الوهمية. حوّل المصرف المركزي من سلطة نقدية إلى ذراع لإدارة التدفقات، وفصل النقد عن الاقتصاد الحقيقي، وألغى الخطر عن المصارف، ما شجّعها على المزيد من التوظيفات الخطرة بلا محاسبة. هكذا جرى تأجيل الانفجار مرارا، لا عبر معالجة أسبابه، بل عبر تضخيمه، إلى أن بلغ حجمه الذي نعرفه اليوم.

كما لا يمكن فهم تضخم الدين العام اللبناني ومسار الاستدانة بمعزل عن دور المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة، التي لم تكن طرفاً محايداً في «مساعدة» لبنان، بل شريكاً في تكريس نموذجه الريعي–المالي. فقد شكّلت مؤتمرات باريس، ومن بعدها آليات الدعم المشروط، إطاراً لإعادة إنتاج التبعية تحت خطاب «الإصلاح» و«الاستقرار». لم تُوجَّه القروض التي أُتيحت عبر هذه المؤتمرات إلى بناء قاعدة إنتاجية أو إعادة هيكلة الاقتصاد، بل خُصّصت لـخدمة الدين القائم، وتثبيت سعر الصرف، وحماية النظام المصرفي، وتمديد عمر نموذج اقتصادي مأزوم.

المؤسسات المالية الدولية إذن، كانت شريكاً في نموذج يقوم على تحويل الدين إلى أداة ضبط سياسي واجتماعي. فالدين هنا ليس علاقة مالية محايدة، بل علاقة سلطة: وسيلة لإخضاع الدولة، وتقييد خياراتها، وإعادة توجيه سياساتها بما يخدم اندماجها التابع في السوق الرأسمالية العالمية. وبالتالي، يمكن قراءة هذه العلاقة بوصفها شكلاً من أشكال الإمبريالية المالية، حيث تُفرض الهيمنة لا عبر الاحتلال المباشر، بل عبر الدين وشروطه.

خصخصة الأربح وتعميم الخسائر

في التشكيلة اللبنانية تمثّل المصارف أعلى درجات تركّز رأس المال. لم يقتصر دورها في الأزمة (والتي ساهمت في خلقها) على تعطيش السوق المحلي بالسيولة وتحويل الرساميل إلى الخارج بصورة عامة، بل اتّخذ هذا المسار طابعاً انتقائياً يعكس البنية الطبقية للنظام. فبينما فُرضت قيود قاسية على الغالبية الساحقة من المودعين، إلى حد حرمانهم من سحب مبالغ زهيدة من الدولارات، استمرت عمليات تحويل الأموال إلى الخارج لصالح فئات محدّدة من داخل الكتلة الحاكمة.

ففي مرحلة أولى، وبإيعاز خارجي، جرى تحويل أموال أصحاب المصارف وأعضاء مجالس إدارتها الى الخارج، بما يشكّل نقلاً استباقياً للرساميل من فضاء الأزمة إلى فضاء الأمان. وفي مرحلة لاحقة، استمر هذا المسار ليشمل تحويل أموال تعود لقيادات سياسية ودينية وأمنية وقضائية، أي لمفاصل السلطة الأساسية، في حين تُرك المودعون العاديون رهائن للقيود التعسفية، وللانهيار النقدي، ولتآكل كامل قيمة مدّخراتهم.

هذه الانتقائية ليست سوى سياسة طبقية واعية هدفت إلى حماية نواة النظام الحاكم وضمان تماسكه في لحظة الانهيار. فالمصارف، هنا، لم تعمل فقط كوسيط مالي، بل كأداة لإعادة إنتاج التحالف السلطوي، عبر تأمين خروج منظّم للرساميل المرتبطة بالسلطة، مقابل فرض «كابيتال كونترول فعلي» وغير معلن على المجتمع.

إقرأ على موقع 180  بولتون اللبناني: إسرائيلي أكثر منه أميركي

ان حرمان المودعين من الوصول إلى ودائعهم جاء بنتيجة قرار سياسي–طبقي حدَّدَ من يملك حق الهروب من الأزمة ومن يُترك لمواجهتها. وهو ما يكشف أن الأزمة لم تُدَرْ على قاعدة حماية النظام المالي، بل على قاعدة حماية الطبقة الحاكمة ومواقعها.

وحين وقع الانهيار، عملت الدولة إلى إدارة الظهر لسنوات عديدة. ومشروع “معالجة الأزمة المالية” المطروح حالياً يأتي في هذا السياق لا كقطيعة مع النموذج، بل كإعادة تنظيم له بعد سقوطه. القانون لا يسأل من قرر ومن استفاد، بل كيف يمكن توزيع الخسارة اجتماعياً بأقل كلفة سياسية. هنا تُستعاد الوظيفة الكلاسيكية للدولة في لحظة الأزمة: حماية النظام، وإنقاذ رأس المال.

يُشكّل مفهوم «الفجوة المالية» إحدى الأدوات الأيديولوجية المركزية في التعاطي مع الانهيار. فالفجوة تُقدَّم كمعطى محاسبي محايد، يُفترض التعامل معه تقنياً عبر توزيع الخسائر، بينما هي في الواقع التعبير الحسابي عن مسار تاريخي من النهب المنظّم. فالمال الذي يُقال إنه «اختفى» لم يتبخّر، بل أُعيد توزيعه طبقيا عبر آليات الفوائد المرتفعة، والهندسات المالية، وتمويل الدين العام. الأرباح جرى خصخصتها في مرحلة «الاستقرار»، فيما يُراد اليوم تعميم الخسائر على المجتمع. تحويل هذه الحقيقة إلى فجوة حسابية يعني فصل النتيجة عن مسارها الاجتماعي والتاريخي، ومحو السؤال السياسي الجوهري: من راكم؟ من استفاد؟ ومن يُطلب منه اليوم تحمّل الكلفة؟

الواقعية المالية

اختزال الأزمة إلى أرقام هو بحد ذاته فعل أيديولوجي يهدف إلى إفراغ الصراع من محتواه الطبقي، وإعادة تعريفه بوصفه مسألة تقنية لا سياسية. وفي لحظات الانهيار البنيوي، لا يؤدي القانون وظيفة تنظيمية اعتيادية، بل يتحول إلى أداة لإدارة الاستثناء. فالقوانين المالية المطروحة اليوم تهدف إلى نزع الطابع الجرمي عن الانهيار والسياسات التي أوصلت اليه، وتعميم الخسارة بدل تحديد المسؤوليات، وإعادة إنتاج شرعية داخلية وخارجية للنظام. القانون هنا يُستخدم لتأطير الخسارة بوصفها قدراً جماعياً وضرورة وطنية، وإعادة تثبيت ميزان القوى القائم تحت خطاب الواقعية والاستقرار.

المصارف تبدو بأنها ليست موحّدة في موقفها من مشروع القانون الذي قدّمته الحكومة لمعالجة الأزمة المالية. فالانقسام القائم داخل القطاع المصرفي يعكس تباينات في حجم الخسائر، وتوزّع الرساميل، ومواقع المصارف داخل شبكة السلطة، كما يعكس اختلافاً في تقدير المخاطر السياسية والقانونية المترتبة. غير أن هذا الانقسام يبقى، في جوهره، تكتيكياً لا استراتيجياً.

وعلى الرغم من تباين المواقف المعلنة، تتقاطع المصارف عند نقطة مركزية: السعي إلى نفي مسؤوليتها البنيوية عن الانهيار، وإعادة تعريف ذاتها بوصفها وسيطاً مالياً محايداً بين الدولة والمودعين، لا طرفاً شريكاً في نموذج التراكم الذي قاد إلى الأزمة. في هذا السياق، تضغط المصارف باتجاه تحميل الدولة كامل المسؤولية عن الخسائر، انطلاقا من كونها المستفيد الأكبر من التمويل المصرفي عبر الدين العام، ومن ثم تطرح الاستحواذ على موجودات الدولة وأصولها بوصفه «حلاً عقلانياً» لتغطية العجز. بهذا الطرح، تسعى المصارف إلى تحقيق هدف مزدوج:

أولاً، تحويل الخسارة من خسارة رأسمالية خاصة إلى خسارة عامة تُحمَّل للمجتمع عبر خصخصة الأصول العامة.
وثانياً، إعادة إنتاج ذاتها كفاعل لا ينبغي أن يتحمّل كلفة الانهيار، بل كوسيط تقني يطالب «باسترداد أمواله» من الدولة.

هذا الخطاب، الذي يُقدَّم تحت ستار الواقعية المالية، يشكّل محاولة لإعادة توزيع الخسائر داخل المجتمع لمصلحة رأس المال المالي، عبر نقلها من ميزانيات المصارف إلى الملكية العامة، أي إلى المجال الذي يفترض أنه يشكّل القاعدة المادية للحقوق الاجتماعية. وعليه، فإن الخلاف المصرفي حول القانون لا يمس جوهر النموذج، بل يتمحور حول كيفية إنقاذ رأس المال المصرفي بأقل كلفة سياسية وقانونية ممكنة، لا حول مبدأ تحمّل المسؤولية.

في قلب هذا المشهد، يُعاد إنتاج المودع بوصفه ذاتاً مغتربة. يُطلب منه أن يقبل خسارته كقدر، وأن يتماهى مع السلب بوصفه تضحية وطنية. هنا يتجلى الاغتراب (الماركسي) في أقسى صوره: حين يتبنّى الفرد خطاب جلاده. فقبول الخسارة ليس مسألة فردية، بل شرط سياسي لاستمرار الهيمنة ومنع تشكّل فاعل اجتماعي منظّم. وكما بيّن غرامشي، لا تقوم السيطرة الحديثة على القسر وحده، بل على الهيمنة: أي القدرة على فرض رؤية الطبقة الحاكمة للعالم بوصفها «العقل السليم». في لبنان، يُعاد اليوم إنتاج قبول اجتماعي بإدارة الانهيار لا بتجاوزه، عبر خطاب الواقعية والخوف من الفوضى وشيطنة أي بديل جذري.

وفي هذا السياق، تتلاقى الهيمنة الداخلية مع الهيمنة الإمبريالية لا بوصف إحداهما بديلاً عن الأخرى، بل بوصفهما مستويين متكاملين للسيطرة. فالنظام الطائفي–المالي لم يكن ضحية الخارج، بل شريكاً وظيفياً له، تماماً كما لم يكن الخارج قادراً على فرض هيمنته لولا وجود بنية داخلية قابلة لها.

الأزمة، في جوهرها، أزمة هيمنة. وما لم يُبنَ مشروع مقاومة مضاد، سياسياً، واقتصادياً، وثقافياً، يعيد تنظيم الوعي الطبقي ويكسر السردية السائدة ويعمل على تشكيل الكتلة التاريخية، ستبقى القوانين أدوات لإعادة إنتاج السيطرة، وسيبقى الانهيار حالة دائمة لا مرحلة عابرة. المطلوب ليس فقط تغيير السياسات، بل خوض معركة الهيمنة: على اللغة، على السردية، وعلى معنى الدولة والاقتصاد والعدالة.

Print Friendly, PDF & Email
طنوس شلهوب

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني مقيم في كندا

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  "هآرتس": في عالم الغاز.. لا يلعب الأغبياء!