ذهب الإيرانيون والأميركيون إلى مسقط، بمواقف متناقضة، تحت قرع طبول الحرب. بيد أن الطرفين يعيان تماماً أن الحوار من الآن فصاعداً، تحكمه قواعد جديدة، غير تلك التي كانت سائدة في الجولات الخمس التي انعقدت العام الماضي، ونسفت جولتها السادسة التي كانت مقررة في مسقط نفسها، الحرب الإسرائيلية-الأميركية التي استمرت 12 يوماً.
النظام في إيران، يدرك تماماً مخاطر التعرض لحرب جديدة، قد لا تقتصر على 12 يوماً، وقد تكون أكثر اتساعاً من حيث الأهداف والتدمير. من الممكن أن ينجم عن حرب كهذه، مزيد من الانهاك الداخلي يفتح الباب لتجدد الاحتجاجات في الشارع، وفقدان المزيد من الثقة بين الحكومة والشعب. العودة إلى التفاوض في هذه الحال، أقل كلفة من الدخول في نزاع يقود إلى المجهول.
في حزيران/يونيو 2025، نشبت الحرب في الوقت الذي كان ترامب يحاور إيران. فما الذي يمنع الآن تكرار الأمر. ولذلك، شدّدت إيران هذه المرة على ضرورة الحصول على ضمانات في أن لا تتعرض للهجوم خلال التفاوض. وفي المقابل، يحرص ترامب على ألا يجعل المدى الزمني للمحادثات مفتوحاً. وفي نهاية المطاف، لا شيء يضمن عدم اندلاع الحريق مجدداً، سوى التوصل إلى اتفاق
ولترامب، حساباته أيضاً التي جعلته يقبل بالخيار الديبلوماسي، تحت غطاء “السلام المبني على القوة”، الذي طالما تغنى به في ولايته الأولى والثانية. تنطلق هذه الحسابات، من أن أميركا قادرة على أن تضرب بقوة في البداية. لكنه يحاذر الانجرار إلى تورط طويل الأمد في حال لم يسقط النظام في إيران بسرعة. وإذا كان ترامب لا يملك حتى الآن، خطة لليوم التالي في فنزويلا، التي أطاح برئيسها نيكولاس مادورو في زمن قياسي، فهل يملك خطة لليوم التالي في إيران؟ حرب تمتد لأسابيع أو لأشهر، ستترك تأثيراتها السلبية على تأييد الرئيس في الداخل في سنة الانتخابات النصفية.
في كل مرة كان يتغزل ترامب بـ”الأسطول الجميل” الذي أرسله إلى قبالة إيران، أرفق ذلك بتمنٍ في أن لا يضطر إلى استخدامه. وهو لا يساوره الوهم بأن النيل من قادة النظام الإيراني بضربة “خاطفة وحاسمة”، قد يحدث التحول الذي ينشده في إيران، ومن ثم “إعلان النصر”. لا يملك ترامب أن يفعل في إيران، ما فعله بيل كلينتون في تسعينيات القرن الماضي، عندما أجبرت الضربات الأميركية المقاتلين الصرب على فك الحصار عن مدينة سراييفو، ولا يستطيع تقليد تجربة رونالد ريغان في غرينادا عام 1983.
قد يكون ترامب أقرب إلى جورج دبليو بوش في أفغانستان والعراق، الذي حقّق نصراً سريعاً، ما لبث أن تحول إلى ورطة امتدت سنوات، ودفعت أميركا ثمناً باهظاً، بشرياً ومادياً. لكن هذه المخاطر، لا تردع الرئيس الـ47 للولايات المتحدة عن التفكير بأنه الوحيد القادر على استعادة إيران، وهو توجه باللوم مراراً لأسلافه، وخصوصاً جيمي كارتر، لأنهم لم يعرفوا، في نظره، كيف يتبنون سياسة حازمة إزاء النظام هناك.
ومع ذلك، فإن مخاطر الدخول في عملية لتغيير نظام عمره عشرات السنين، يختلف عن عملية اغتيال قاسم سليماني في بغداد مطلع العام 2020، وحتى تختلف عن عملية “مطرقة منتصف الليل”، التي استهدفت بضربات خاطفة، المنشآت النووية في فوردو ونطنز وأصفهان، في حزيران/يونيو 2025، وردّت عليها إيران رداً محسوباً استهدف قاعدة العديد العسكرية الأميركية في قطر.
النظام الإيراني الذي يقاتل من أجل البقاء، يُهدّد بلسان مرشده السيد علي خامنئي بإشعال حرب إقليمية رداً على أي هجوم عسكري أميركي ولو كان رمزياً بهدف حفظ ماء الوجه، كأن يستهدف ثكنة للحرس الثوري بعد إخلائها. يقود هذا إلى التساؤلات التي تتردد بكثرة على ألسنة المحللين والصحافيين الغربيين، لماذا مرّ أكثر من شهر ولم يفِ ترامب بوعد قطعه في 2 كانون الثاني/يناير بمساعدة المتظاهرين الإيرانيين. لا بل إنه لم يعد يأتِ على ذكرهم في تصريحاته، وفضّل الجلوس مع النظام.
وعلى رغم ذلك، تفصل فجوة واسعة بين الطرحين الأميركي والإيراني، بحيث لن تكون جولات الحوار المقبلة سهلة أبداً، لا سيما إذا تمسك ترامب بأن تشمل المفاوضات، إلى القضية النووية، البرنامج الصاروخي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران، فيما تتمسك طهران بالمسألة النووية بنداً وحيداً على طاولة المفاوضات. ومن بين العوامل التي حدت بإيران إلى الإصرار على نقل المفاوضات من اسطنبول إلى مسقط، هو اقتراح تركي بفتح مفاوضات متعددة الأطراف، تشارك فيها دول إقليمية وتتناول مسألتي الصواريخ والنفوذ الإقليمي، فضلاً عن ارتياح الإيرانيين لتجارب المفاوضات التي خاضوها سابقاً، سواء في زمن باراك أوباما (2012) أو في زمن ترامب وسلفه جو بايدن، في مسقط، واتسمت بمهنية عالية وسرية أعلى من جانب سلطنة عُمان.
ويرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن عدم الاتفاق، في حال لم يصر إلى معالجة القضايا الثلاث معاً، سيكون أفضل من اتفاق يقتصر على النووي. وهو لا يني يؤكد بأن الصواريخ الإيرانية تمثل خطراً “وجودياً” على إسرائيل، شأنها شأن تخصيب اليورانيوم.
وهناك قلق إسرائيلي جدي من أن يكتفي ترامب بتسوية نووية. وتحدث مقال في صحيفة “يديعوت أحرونوت” الأربعاء عن احتمال أن “يلين” الأميركيون ويتنازلوا عن الشرطين الآخرين.
ويُشير محلل الشؤون الإيرانية في معهد جنيف للدراسات العليا بسويسرا فرزان ثابت في تصريح لصحيفة “النيويورك تايمز”، إلى أنه إذا تخلت إيران فعلياً عن برنامجها النووي، يُمكن لترامب تسويق ذلك على أنه “انتصار كبير”.
يُحذر الأستاذ المشارك في العلوم الحكومية في كلية دارتموث بولاية نيوهامبشير الأميركية جيفري أ. فريدمان في مقال بمجلة “فورين أفيرز” الأميركية، من أن “لا ضمانة بأن التدخلات العسكرية في المستقبل، ستؤتي ثمارها، على صعيد السرعة والأثمان القليلة المدفوعة”
ومع ذلك، ليس من الحكمة بشيء، التنبؤ بما ستؤول إليه المفاوضات، نجاحاً أو فشلاً. ومن حول المواجهة الدائرة حالياً بكل أشكالها بين الجانبين “يتشكل الشرق الأوسط لأجيال مقبلة”، وفق ما ذهبت إليه مجلة “الإيكونوميست” البريطانية، فيما يذهب آخرون إلى حد القول إن النظام الدولي الجديد سيبدأ بالتشكل عندما تكتمل ملامح ما يُسمى “الشرق الأوسط الجديد”.
السؤال المطروح، هل يعود الأسطول الأميركي حاملاً الاتفاق بين ترامب وإيران من دون إطلاق رصاصة، أم أنه سيكون عنواناً لفصل جديد من التورط في نزاع جديد بالمنطقة؟
هنا، يُحذر الأستاذ المشارك في العلوم الحكومية في كلية دارتموث بولاية نيوهامبشير الأميركية جيفري أ. فريدمان في مقال بمجلة “فورين أفيرز” الأميركية، من أن “لا ضمانة بأن التدخلات العسكرية في المستقبل، ستؤتي ثمارها، على صعيد السرعة والأثمان القليلة المدفوعة”.
وبحسب الباحث في معهد الأمن العالمي والوطني التابع لجامعة جنوب فلوريدا أرمان محموديان، فإن “أي هجوم أميركي شامل على إيران.. ستجد واشنطن صعوبة كبيرة في احتوائه”.
في حزيران/يونيو 2025، نشبت الحرب في الوقت الذي كان ترامب يحاور إيران. فما الذي يمنع الآن تكرار الأمر. ولذلك، شدّدت إيران هذه المرة على ضرورة الحصول على ضمانات في أن لا تتعرض للهجوم خلال التفاوض. وفي المقابل، يحرص ترامب على ألا يجعل المدى الزمني للمحادثات مفتوحاً. وفي نهاية المطاف، لا شيء يضمن عدم اندلاع الحريق مجدداً، سوى التوصل إلى اتفاق.
