يُثير الدهشة أولئك الذين يُردّدون بغضب أن ما يجري حالياً داخل أروقة “حزب الحمامة” قد أفسد الحياة السياسية، وكأننا نتحدث عن تنظيم نبت في تربة النضال الشعبي أو خرج من رحم الحركات المطلبية. الحقيقة التي يغفلها الكثيرون هي أن هذا الحزب ولد وبقي وسيبقى ابناً باراً لأحضان المخزن العتيد، ولا يمكن لعقود من الزمن أن تمنحه عذرية نضالية لم يملكها يوماً.

ومن هنا تتجلى عبثية الكلام عن التعيين والتنصيب كبديل لديموقراطية الانتخاب داخل هذا التنظيم، فهو في الأصل خرج من جراب بهلوان مخادع، ومن منديل أزرق بين يدين مغلفتين بقفاز أبيض أخرج للجمهور “حمامة” بيضاء ترفرف بجناحين.. وهو البهلوان نفسه الذي لا يفتأ يبهر النظارة بمفاجآته وإخراج العجب العجاب، تارة من طاقيته وقبعته، وتارة من ثنايا معطفه وجلبابه، ليبقى المشهد الحزبي مجرد عرض للسيرك، لا مجالاً لممارسة السياسة.
قبل أربعة أعوام، دخل عزيز أخنوش غمار الحملة الانتخابية ممتطياً صهوة شعار برّاق: “تستاهلو ما أحسن”. واليوم، يكتشف المغاربة ماهية هذا “الأحسن”، فإذا كان الحزب قد أوفى بوعوده فعلاً، فإن الوفاء تجلى في الارتفاع الصاروخي للأسعار وتآكل القدرة الشرائية، حتى صار الوعد مجرد سراب يطارده المواطن المنهك. وفي غمرة هذا المشهد، يبدو أن ذاكرة رئيس البرلمان، رشيد الطالبي العلمي، أصابها انتقاء عجيب، إذ نسي يوم طالب المغاربة بكل ثقة أن “يرجموا حزبه بالحجر” إذا لم يفِ بوعوده.
وبدلاً من الاعتراف بالخيبة، يطوف “المايسترو” أخنوش اليوم المهرجانات ملوحاً بكتيب سريالي عنوانه: “مسار الإنجازات”. وكأننا إزاء شعبين في بلد واحد، شعب يعيش المعاناة، وشعب “تجمع الأحرار” الذي يرى الإنجازات في بريق الصور. أما الفتوى السياسية اليوم، فهي أن أخنوش ومحازبيه هم من يملكون الحق في رجمنا بالحجر جزاءً لنا على جحودنا، ففي منطقهم، المواطن هو المخطئ لأنه لم يدرك عبقرية الإنجاز خلف دخان الأزمات، ولأنه لا يزال ينتظر ديموقراطية حقيقية في زمن البهلوان الذي يخرج من جرابه حمامة ريشها مليء بالوعود، لكن خلف قفازه الأبيض الأنيق تختبئ مرارة الواقع.
ولا يمكن قراءة حالة حزب التجمع الوطني للأحرار خارج السجل الوراثي لأحزاب المختبر الإداري، تلك التنظيمات التي وُلدت بقرار فوقي، وشُكّلت نواتها الصلبة من تحالف هجين يجمع بين الأعيان صانعي الخرائط الانتخابية، والنخب المالية الباحثة عن مظلة سياسية. لقد بدأت القصة بـ “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” (الفديك)، التي أسسها في ستينيات القرن الماضي المستشار الملكي أحمد رضا أكديرة، وهي الجبهة التي تعتبر اليوم الأم البيولوجية لكل الأحزاب الإدارية التي تلتها.
يعود بنا شريط الذاكرة إلى عامي 1976 و1977، وهي المرحلة التي أرّخت لما سُمي “المسلسل الديموقراطي”. حينها، كان النظام السياسي بحاجة إلى “كوماندو” انتخابي لمواجهة الأحزاب الوطنية التقليدية. هكذا ظهرت جماعة “المستقلين” في مشهد سريالي؛ مرشحون من خارج الأحزاب، حيث مُنح هؤلاء اللون الأبيض في أوراق التصويت، لا كاختيار جمالي، بل كاستراتيجية سيكولوجية تدفع الناخب العفوي لإلقاء الورقة تفاؤلاً وتيمناً بالبياض وطلباً لـ”البركة”.
هذا البياض في الأوراق قابله بياض متعمد في الوعي السياسي لتكريس سيكولوجية الناخب الزبون. ففي المغرب لا تُبنى العلاقة بين المرشح والناخب على البرامج، بل على الولائم وبورصة الأصوات، حيث تتحول دوائر الأحياء الهامشية إلى أسواق مفتوحة للمزايدة، ويستمد المرشح الإداري صوته من ملء البطون بالزرادي وقصاع الكسكس والطواجن، وبشراء الولاءات النقدية السريعة (الزَّرقَلاف). إنها هندسة إفقار تجعل من ورقة الاقتراع مجرد شيك يُصرف كل خمس سنوات، مما يفرغ الديموقراطية من محتواها.
وليس من قبيل الصدفة أن النهج ذاته استمر برعاية العرّاب أحمد رضا أكديرة عند تأسيس حزب الاتحاد الدستوري في مطلع الثمانينيات الماضية، حين بلغت الخديعة البهلوانية ذروتها في اختراع “اتحاد دستوري في مواجهة اتحاد اشتراكي”، واكتملت بوضع المعطي بوعبيد، القيادي الاتحادي السابق، على رأس الحزب- زيادة في خلط الأوراق- مع الزعيم التاريخي للمعارضة الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد.
فبعد “المسيرة الخضراء”، بلغت السريالية مداها بوضع صهر الملك أحمد عصمان على رأس حزب “الأحرار”، وتكليفه الأخير بلعب دور المعارضة حين انسحب فريق “المعارضة الاتحادية”، انطلاقاً من فلسفة الحسن الثاني بأن “المعارضة إذا لم توجد فعلينا إيجادها”. هذا المنطق هو ما جعل المغرب استثناءً لا يعرف الأزمات، لأن المهندس يملك دائماً قطع غيار جاهزة، حتى لو اقتضى الأمر تعيين “سائقه الخاص وزيراً”، كما جاء في تصريح للحسن الثاني أدلى به لوكالة الصحافة الفرنسية.
لم يتوقف المختبر عن الإنتاج، فمع العهد الجديد ظهر حزب الأصالة والمعاصرة (البام) ليصبح “رقماً صعباً” في سنوات قليلة. وحتى الإسلاموية السياسية (العدالة والتنمية) تأسست تحت إبط الدكتور عبد الكريم الخطيب، وهو من أبرز أقطاب المخزن. لتكون “ذخيرة مخبأة” استُخدمت عقب اندلاع حراك 20 شباط/فبراير 2011. والمؤلم هو الاستراتيجية الانتقامية لاختراق الأحزاب التاريخية، حتى تم مسخ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اليوم، ليسقى من نفس المغرفة الإدارية في عملية ترويض قاسية وشاملة للمشهد.
اليوم، يتداول المغاربة نكاتاً واقعية “ضحكها بكاء”، تصور تحول جلسات البرلمان من شارع محمد الخامس في العاصمة إلى ردهات الزنازن، حيث يقبع نواب من مختلف الألوان الحزبية خلف القضبان في قضايا فساد ومخدرات وتبييض أموال. وهنا يسقط توصيف الموالاة والمعارضة، فالواقع يؤكد أن “أولاد عبد الواحد كلهم واحد”، لا فرق بينهم إلا بمدى مسافة الرضا من الدوائر المتحكمة.
تأتي الولاية الحالية بقيادة “الثلاثي المرح” (الأحرار، الاستقلال، البام) لتكرس أسوأ نماذج التدبير، فضائح أزكمت الأنوف، من لغط “السيارة الكهربائية” لوزير الشباب المهدي بنسعيد، إلى صفقات وزيري الصحة والتعليم: محمد أمين التهراوي ومحمد سعد برادة، وصولاً إلى فضيحة “الفراقشية”، وتصريحات وشتائم وزير العدل عبد اللطيف وهبي، وفضيحة تسريبات فيديو المجلس الوطني للصحافة.. هذه ليست أخطاء، بل هي نتيجة طبيعية لشعور هؤلاء بأنهم معينون بموجب توازنات القوة، لا منتخبين بإرادة الشعب.
إن الحقيقة الصادمة هي أن الشارع بات “يتيماً” من أي تأطير حزبي، فكل الحركات الاحتجاجية من “20 فبراير” وحراك المعطلين، إلى معارك التعليم، وعنفوان “شباب حركة زد”، ولدت وتطورت خارج أسوار الأحزاب وفي مواجهة مباشرة مع رأس النظام. وهذا يطرح سؤالاً وجودياً: ما جدوى هذه الأحزاب التي تستنزف ميزانية الدولة وهي تمارس العطالة السياسية وتعجز عن دور الوسيط بين الدولة والمجتمع؟
لا شك أن القائمين على الشأن السياسي اليوم يراهنون على ذاكرة شعبية يفترضون أنها أضعف من ذاكرة الأسماك، عبر تسويق حزب أخنوش كحزب مؤسساتي وميداني. وحين يتباكون على عزوف الشباب وتشكيك الشعب في المؤسسات، فإنهم يتجاهلون أن الناس لم يعزفوا جهلاً، بل لأنهم مع التكرار فهموا اللعبة. أدرك المواطن أن الانتخابات مجرد كرنفال شكلي، وأن كوطة المقاعد تُحسم في الدهاليز والمكاتب المغلقة قبل يوم الاقتراع بشهور، وما الصناديق إلا وسيلة لتثبيت تعيينات مسبقة.
هذا الواقع يضعنا أمام سؤال وجودي حول ماهية هذه الأحزاب وجدواها، فإذا كانت عاجزة عن لعب دور “الوسيط” التاريخي بين الدولة والمجتمع، وأخفقت في استيعاب غضب الشارع وتحويله إلى مطالب سياسية مؤسساتية، فما هو معناها إذن؟ وكيف يستقيم أن تستمر في استنزاف ميزانية الدولة وتلقي التمويلات العمومية وهي تمارس “العطالة السياسية” بامتياز؟
ربما يتعين على علماء السياسة الاجتهاد لاختراع تعاريف جديدة للحزب في المغرب، فهو ليس تنظيماً جماهيرياً بل آلية إدارية لتصريف القرارات وتجميل الوجه. وهنا نستحضر بمرارة وصف ناصر الزفزافي، القابع خلف القضبان بـ 20 عاماً، حين وصفها بـ”الدكاكين السياسية”، تلك التي تُفتح في المواسم لعرض البضائع والتزكيات وتوزيع الغنائم، ثم تُغلق لتترك الشارع وجهاً لوجه أمام آلة الدولة دون وسيط.
إن الإصرار على تنظيم هذه الانتخابات وصرف المليارات لا يعكس إيماناً بالديموقراطية، بل هو “ضرورة دولية” لتأثيث الديكور أمام المؤسسات الخارجية. ما نراه من لغط حول حزب التجمع الوطني للأحرار ليس علامة عافية، بل دليل على أن “المسلسل الديموقراطي” لا يزال عالقاً في حلقته الأولى منذ السبعينيات، يعيد إنتاج الرموز بأسماء مختلفة، بينما يظل المخرج وحيداً في كتابة المشهد الختامي، ويظل المواطن مجرد كومبارس في مسرحية مملة تمتد فصولها من البرلمان وصولاً إلى سجن عكاشة وزنازين العرجات.
وبرغم كل هذا الصخب، يبدو أن المتحكمين في القرار مستمرون في استراتيجيتهم غير آبهين.. وكأن الشمس لا تشرق كل صباح وتغرب مساء. وكأننا إزاء بركة راكدة، ومعلوم أن الماء عندما لا يتحرك يأسن وتفسد طبيعته. لكن المأساة الحقيقية تكمن في أن حاسة الشم ومعها باقي الحواس، يبدو أنها قد تعطلت أو استسلمت للأمر الواقع.. ولم يعد يملك المرء إزاء هذا المشهد العبثي إلا الدعاء.
إن نهج الرواد الأوائل، من المستشار الملكي الأقوى أحمد رضا اكديرة إلى الوزير إدريس البصري صاحب “أم الوزارات”، هو النهج الذي تمشي على هديه وخطاه وهندسته فرق المختبر العتيد، التي لا تكف عن إنتاج ديموقراطية هجينة تُفصَّل على مقاسات مرسومة سلفاً.. وإذا كان الوجدان الشعبي المغربي يردد بحكمة بليغة: “الحاجة اللِّي ما تشبه مولاها حرام”، فإن السؤال الحارق الذي يفرض نفسه اليوم: هل حقاً هذه الديموقراطية المخزنية هي المرآة التي تعكس حقيقة المغاربة وصورتهم أمام الأمم في زمن الألفية الثالثة؟ أم أنها مجرد قناع مشوه وُضع قسراً على وجه شعب يطمح لكرامة حقيقية لا تُباع في دكاكين ولا تُصنع في مختبرات؟
