بحر الصين الجنوبي.. الجغرافيا تعيد تشكيل موازين القوة الدولية

لم يعد الصراع في بحر الصين الجنوبي مجرّد نزاع بحري تقليدي تدور رحاه حول خلافات حدودية بين دول متجاورة، بل تحوّل خلال العقدين الأخيرين إلى إحدى أكثر ساحات التنافس حساسية في بنية النظام الدولي المعاصر. ففي هذا الحيّز البحري تتقاطع اعتبارات الطاقة والتجارة العالمية مع حسابات الأمن القومي وإعادة توزيع القوة، ما يجعل هذا البحر مرآةً للتحوّلات الجيوسياسية الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدّمتها صعود الصين، في مقابل سعي الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها القيادي الذي بات يواجه تحدّيات متزايدة من قوى صاعدة أكثر قدرة وجرأة.

تنبع أهمية بحر الصين الجنوبي من موقعه الجغرافي الاستثنائي بوصفه حلقة وصل مركزية بين المحيطين الهندي والهادئ، ومن جواره لمضائق استراتيجية حيوية، وعلى رأسها مضيق ملقا. ويمرُ عبر هذا البحر جزءٌ كبيرٌ من التجارة البحرية العالمية، ولا سيما شحنات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط وأفريقيا نحو اقتصادات شرق آسيا الصناعية. ومن هنا، يتحوّل أي توتر فيه إلى مسألة دولية تتجاوز نطاق الدول المشاطئة، إذ إن التأثير المحتمل لأي اضطراب في الملاحة لا يقتصر على الأطراف الإقليمية، بل يطال الاقتصاد العالمي بأسره.

إلى جانب ذلك، تزداد أهمية البحر بفعل ما يُعتقد أنه يحتويه من احتياطات نفطية وغازية وثروات بحرية. وبرغم تضارب التقديرات حول حجم هذه الموارد، فإن مجرد احتمال وجودها يضفي على النزاع بعدًا اقتصاديًا إضافيًا، حيث تتحوّل السيادة البحرية إلى شرط أساسي للتحكّم بالثروة واستثمارها، ما يعمّق تشابك الاقتصاد مع الجغرافيا السياسية.

نزاع سيادة أم صراع نفوذ؟

من الناحية الظاهرية، يتمحور النزاع حول مطالبات متداخلة بالسيادة البحرية بين الصين وعدد من دول جنوب شرق آسيا، أبرزها الفيلبين وفيتنام وماليزيا وبروناي، إضافة إلى تايوان. غير أن الصين تبقى الطرف الأكثر توسّعًا في مطالبه، عبر ما يُعرف بـ«خط النقاط التسع»، الذي يشمل مساحات واسعة من البحر. وتقدّم بكين هذه المطالب بوصفها امتدادًا لحقوق تاريخية متراكمة، مستندة إلى روايات تاريخية وقرائن جغرافية وأثرية.

في المقابل، ترى الدول الأخرى في هذه المطالب تهديدًا مباشرًا لمناطقها الاقتصادية الخالصة وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وقد شكّل لجوء الفيلبين عام 2013 إلى محكمة التحكيم الدائمة نقطة تحوّل مفصلية، إذ صدر عام 2016 حكم اعتبر أن الادعاءات الصينية بالحقوق التاريخية لا تستند إلى أساس قانوني دولي. غير أن رفض الصين الاعتراف بالحكم كشف محدودية قدرة القانون الدولي على فرض نفسه عندما يتعارض مع اعتبارات القوة والوقائع الميدانية.

الواقعية والليبرالية.. مقاربتان لفهم الصراع

يمكن فهم النزاع في بحر الصين الجنوبي من خلال مقاربتين نظريتين أساسيتين في العلاقات الدولية. فمن منظور المدرسة الواقعية، يعكس الصراع مواجهة تقليدية بين قوة صاعدة تسعى إلى توسيع نفوذها وتأمين عمقها الاستراتيجي وخطوط إمدادها، وقوة مهيمنة تحاول منع اختلال ميزان القوى. ووفق هذا المنطق، يزداد خطر التوتر مع تنامي قدرات الصين وارتفاع سقف طموحاتها في منطقة حيوية لأمنها القومي.

أما المدرسة الليبرالية، فتشدّد على عوامل الكبح، مثل الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وكلفة النزاع على التجارة وسلاسل التوريد، وانخراط الصين في المؤسسات الدولية. ووفق هذا التصوّر، تميل الأطراف إلى إدارة الصراع بدل تفجيره، لأن الحرب في هذا المسرح لا تهدّد مصالح دولة بعينها فحسب، بل تضرب استقرار الاقتصاد العالمي.

الاستراتيجية الصينية.. تثبيت النفوذ

تتعامل الصين مع بحر الصين الجنوبي باعتباره فضاءً حيويًا لأمنها القومي والاقتصادي، وخط دفاع متقدّمًا عن ساحلها الشرقي حيث يتركّز ثقلها الصناعي والتجاري. ويعزّز هذا الإدراك قلق بكين من أي احتمال لتعطيل خطوط إمداد الطاقة أو فرض حصار بحري محتمل. لذلك تعتمد الصين مقاربة تقوم على تثبيت الأمر الواقع تدريجيًا، عبر دوريات بحرية مكثّفة، وتعزيز دور خفر السواحل، وبناء منشآت على جزر وشعاب متنازع عليها، في إطار سياسة تهدف إلى ترسيخ السيطرة من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

ويتكامل هذا التوجّه مع المشروع الصيني الأوسع، ولا سيما مبادرة «الحزام والطريق» وطريق الحرير البحري، حيث يصبح النفوذ البحري امتدادًا طبيعيًا للنفوذ الاقتصادي، وتغدو حماية الممرّات شرطًا لنجاح إعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية العالمية.

أميركا.. حرية الملاحة واحتواء الصعود

في المقابل، لا تطرح الولايات المتحدة نفسها طرفًا سياديًا في النزاع، لكنها تتعامل معه باعتباره اختبارًا لمبدأ دولي مركزي هو حرية الملاحة. ومن منظور واشنطن، فإن السماح للصين بفرض قواعد أحادية في بحر يمرّ عبره جزء كبير من التجارة العالمية يهدّد النظام الدولي القائم على القواعد ويقوّض القدرة الأميركية على التحرّك في منطقة الهندي–الهادئ.

وعليه، ترتكز المقاربة الأميركية على ثلاث أدوات رئيسية: تنفيذ عمليات حرية الملاحة لرفض المطالب البحرية المفرطة؛ تعزيز شبكة التحالفات والشراكات الإقليمية، ولا سيما مع الفيلبين واليابان وأستراليا، واستخدام الردع العسكري والضغط الدبلوماسي وأدوات الاقتصاد والتكنولوجيا للحد من هامش المناورة الصينية.

وتعكس وثيقة الأمن القومي الأميركي للعام 2025 تحوّلًا بنيويًا في الرؤية الأميركية تجاه الصين، إذ تُعرَّف بوصفها خصمًا مركّبًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا وعسكريًا، ويُقرّ بفشل رهان إدماجها في النظام القائم على القواعد. ويُترجم هذا التحوّل إلى منطق «حرب النظم» طويلة الأمد، حيث يصبح التنافس منصبًّا على العولمة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والمال، أكثر من المواجهة العسكرية التقليدية.

إقرأ على موقع 180  "الترويكا" الأوروبية تُصعّد.. إلى أين يتجه الملف الإيراني؟

وينعكس هذا المنطق في بحر الصين الجنوبي عبر إدارة الصراع ضمن ديناميات «المنطقة الرمادية»، أي من خلال ردع مضبوط، وتحالفات متينة، والاحتكام إلى القانون الدولي، مع إدراك أن الاحتكاكات المتكرّرة تظل قابلة للتدرّج من دون بلوغ عتبة الحرب الشاملة. وفي هذا السياق، يمكن استشراف ثلاثة مسارات محتملة: استمرار الوضع القائم عبر إدارة التوتر دون حسم، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا؛ تسوية قانونية أو جغرافية محدودة، تبقى ضعيفة الاحتمال؛ أو مواجهة مباشرة، وهي الأقل احتمالًا لكنها الأخطر بسبب كلفتها الاقتصادية والسياسية الباهظة.

خاتمة

لا يكشف الصراع في بحر الصين الجنوبي عن نزاع على جزر أو شعاب بحرية فحسب، بل عن تحوّل أعمق في بنية النظام الدولي ذاته. فالمنطقة باتت ساحة اختبار لقدرة القوى الكبرى على فرض القواعد وتنظيم التنافس في مرحلة انتقالية يتراجع فيها منطق الهيمنة الأحادية لمصلحة نظام أكثر تنازعًا. تسعى الصين إلى تثبيت نفوذها عبر مزيج من التاريخ والقوة والاقتصاد، فيما تحاول الولايات المتحدة إبطاء هذا التحوّل والحفاظ على توازن استراتيجي يمنع إعادة تعريف قواعد القيادة العالمية. وبين هذين المسارين، تجد دول جنوب شرق آسيا نفسها محكومة بمعادلة دقيقة: موازنة الاعتماد الاقتصادي على الصين مع الحاجة المستمرة إلى المظلّة الأمنية الأميركية، في انتظار ما ستؤول إليه ملامح النظام الدولي القادم.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

كاتب، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  أوكرانيا.. معركة بين الحروب الصينية-الأميركية