“الفوضى”، بالصورة العامة بائنة، وبالصورة الجزئية لا يختلف المشهد بل تتبين التناقضات بشكل أوضح، وبالصور “الميكروية” يصبح الواقع سوريالياً عصياً عن الإصلاح أو حتى عن “الترقيع”.
تصريحات، بيانات، خطابات، سلوكيات.. تُصدّح من كل حدب وصوب؛ الكلُّ يُهدّد ويتوعد. الكلُّ يُفتي ويمضي. كلامٌ أكبر من قدرة صاحبه. مواقف صعبة التحقيق أكبر من قدرة مطلقيها. عصفوريةٌ يتداخل فيها الضد بالضد والعجز بالفشل؛ بقلة الحيلة وصولاً إلى قلة الحياء.. فتتحول إلى سيرك-ملهاة يعجز الوصف عن شرحه.
هي فوضى تضرب بداية في العقول فلا تهتدي إلى صوغ جملة مفيدة. هي فوضى تضرب بالسلوك فتراه متبدلاً بين صبحة وعشيّة. هي فوضى ترتزق من مناهل الشاشات والمراكز الرسمية أو غيرها ما يروي عطشها الأبدي؛ فتأتي المواقف مقفرة وممجوجة ومتناقضة؛ فكيف للمرء أن يُبدّل مواقفه أكثر من تبديل ملابسه؟
هي عصفورية الولايات اللبنانية غير المتحدة؛ اللياقة والإطناب والحشو والتكرار والتناقض. كلها مصطلحات تجد ترجمتها الفورية يومياً؛ فبين الفينة وأختها تجد الناقض والمنقوض. الناقل والمنقول. القاتل والمقتول. يمشي هؤلاء سوية. قناصل تجول بين المقرات الرسمية، تأمر وتنهي وتنصح وتبلغ وتتكلم وتبتسم.. وتمضي، وأولياء الأمور يسمعون ويسمعون ويهزون الرؤوس ويبتسمون ويشكرون. لا تعرف ماذا جرى وما يجري فلا ضرورة لذلك. لا تعرف ما المطلوب لأن ذلك لا يُبحث معك البتة: فأصحاب القرار والقول والفعل ليسوا في المشهد الظاهر، بل في فعل الفعل المعلن وعلى رؤوس الأشهاد.
***
“الحرب أو الفتنة”، هما الخياران المتاحان أمام الشعب اللبناني في هذه الأيام. هذا ما يريده الغرب وبعض العرب وبعض الداخل اللبناني. هذا ما يريده العدو الإسرائيلي ويسعى إليه. فهل ثمة مراهنات على العدوان لتغيير موازين قوى الداخل؟
الاستنجاد بالعدوان الإسرائيلي لتعديل الواقع الداخلي القائم، هو استجابة لأهداف أصبحت واضحة في المنطقة. هو فعل انتحار أكيد لمن ينادي به. إنها مقامرة سياسية نتائجها بائنة قبل أن تبدأ. التاريخ الذي لم تمحه الذاكرة حتى اليوم قال كلمته؛ لقد أدار أرييل شارون معركة اسقاط العاصمة اللبنانية من العاصمة نفسها أو لنقل من ضواحيها اللصيقة. وتوّهم البعض بأن كرسيّ الحكم باتت أبديّة له؛ فسقط الاتفاق وسقط الرهان وسقط العدو وانتصرت المقاومة. واليوم، التاريخ يُعاد نسجه من الموقع نفسه والقوى ذاتها، وإن تبدّلت الأسماء وتعقدت الظروف وازدادت صعوبة، لكن المحرك واحدٌ.
***
“منطقة الرمال المتحركة”. الأميركي يدير المنطقة بشكل كامل وشامل، والسيطرة له كما الولاء. الصهيوني يعتلي صهوة الإنجازات من قمة جبل الشيخ: صوب التنف شرقاً وقناة السويس غرباً. التطبيع يدق أبواب العواصم والأنظمة، المُركّبة أو المتوارثة. تعميم الهزيمة أصبح خطاب الإعلام المملوك لحفنة من الأموال والاسترزاق من أصحاب الحسابات المصرفية الخيالية. هي فوضى، حروب، فتن. هو عجزٌ.. يُراد تعميم ثقافته كما لو أنه قدرٌ إلهيٌ لا ردّ لمشيئته. هو تواطؤٌ مموهٌ بكذبة العين التي لا تقاوم المخرز فهذه سنّة الواقع..
لقد أصبحنا على ضفاف كل شيء وأمام القدر الثابت المرسوم والموصد كأبواب مقفلة أمام أي أمل لنزع الهزيمة المعششة في كل النواحي.. لبنان من هذا الواقع، لا بل في قلبه وهو على ذلك يهوج ويموج في انتظار المراسي المؤجلة.
***
“خاب من ظنّ يكسب حرباً بخسارة أخلاقه”. هي ليست مسألة قيم أو آراء بل هو مبدأ. الحروب هي حروب مهما كانت دوافعها. القتل والدمار والتهجير.. نتائج محققة في أي منازلة، فمنطقها لا يستوي إلّا بذلك. ولكن ومع ذلك دوماً للحروب أصول؛ فبين التحرر الوطني والاستعمار هناك أصول؛ وبين الاحتلال والمقاومة هناك أصول؛ وبين الأهالي أو الأفرقاء الذين يعيشون الحيز الواحد، وإن اختلفت الآراء واحتكموا للحرب، هناك أصول.. لن أطيل، فالأمثلة تشي بأجوبتها.
الرياح الآتية من جهة الغرب لم تعرف مستقراً: “الأشقر” أو “الأبيض” يُصرّح ويفتي ويُهدّد ويتوعد.. يغزو ويعتقل ويقتل ويحاصر.. ثم يحاضر بالعفة. سيرك أو لنقل حفلة جنون تستبيح المنطق والمنطلق والدول والقيم والبديهيات لمصلحة الهيمنة ولإرضاء تاريخ استعماري مليء بالدماء والدموع.. هي بلطجة مفتوحة الأفق على كل أنواع القتل والتنكيل والحظر والحجر.. تمارسها إمبريالية لم تشبع البتة من دماء الشعوب وخيراتها.
الأخلاق تجارة الخاسر، والقيم ملهاة المستكبر، الجشع ديدن الحاكم بأمر العالم والبقية يُسبّحون بحمده شاكرين نعمه متوسلين رضاه أو سكوته..
***
وتسألون ما العمل؟ وهل ثمة ما يمكن فعله؟ بالتأكيد الجواب يلزمه تمعّن؛ فتعميم منطق الهزيمة النهائية والقبول بها قائم على قدم وساق، بل أصبح نصاً مبتوتاً ومقروءاً ومعمولاً به، إن عن قصد أو عن جبر؛ ففي منطقة تقع بين المحيط والهملايا، أصبح القبول بكل من يأتي من جهة الغرب هو أمر ملزم لا بدّ من تنفيذه.. ومن منطقة، تعوم على كل شيء ولكن لا تقوى على المواجهة لوهن استوطن القلب قبل العقل، أصبحت الخيارات ضيقة وغير متاحة في الكثير من الأحيان؛ منطق الحدود انكسر لمصلحة حدود الدم المرسومة بمذابح الطوائف والكيانات الهجينة. القضايا صُغّرت على مقاس الأعراق والعائلات.. لا قضية جامعة بل النفور من القضايا الكبرى لمصلحة الاختلاف البيني. لم تُبنَ الدولة الوطنية بوظائفها بل بُنيّت نظم حدودها مصالح أصحابها ومصادرة قضايا شعوبها. هو واقعٌ موجودٌ ونحن في قلب.. قلبه.
***
وتسألون ما العمل؟ ثمة ارباك وارتباك مضافاً إليهما عجز وعدم قدرة على المبادرة. هذا حال الواقع الموجود حالياً أو لنقل المطلوب تعميمه في كثير من النواحي والقضايا والأرجاء. القضايا اختلفت والقيم اختلّت والسوق مفتوح على البيع والشراء. العجز المقرون بالقدرية أصبح المكان الآمن لمن توسل استدامة في سلطة أو نظام، أو حتى حماية. عدم اليقين هو المهيمن والعجز هو الطاغي. يلتهون بالقشور. الأهم لديهم هو نيل الرضى ممنَ له المونة والسطوة والقرار. الدائرة تدور من حولهم، تتبدل ربطات العنق أو اللهجات أو اللغات ويتبدلون معها. لياقة لبنانية كاملة في فنون الاستدارة والتموضع؛ أهي أحجية أم قلّة كرامة؟ من أفواههم ندينهم؛ يقولون ويشهدون ويعملون وعلى رؤوس الأشهاد. لكن أليس ثمة مخرج أو نقطة ضوء في نهاية هذا النفق المغلق؟
منطق التاريخ والواقع يبوحان بالإيجاب، فلنتجه صوب أفق تتغلب فيه القضايا على المصالح والوضوح على التيه؛ ثمة عدوان قائم وتواطؤ بائن وعجز يُراد تعميمه.. المقاومة خيار وقناعة وواجب.. وممارسة.
