مفاوضات حرب أم حرب مفاوضات؟

المَنطِقةُ على"شَفا جُرُفٍ هارٍ". تذكِّرنا بذلك "سورةُ التوبة". الأميركيُّونَ لن يتوبُوا من سياسةِ الفسادِ والإفسادِ، والإيرانيونَ لن يخضعُوا لهم وَفْقاً لِتصوُّراتِ دونالد ترامب. بابُ المفاوضاتِ وبابُ الحربِ مفتوحانِ. وكلٌّ منهما مُشرع ٌعلى حافَةِ الهاوية. القوَّةُ والإراداةُ هُما العامِلانِ الحاسِمانِ.

المسألةُ في العمقِ لم تعدُ في درسِ احتماليَّةِ الحرب، فالحربُ واقعةٌ حاليَّاً بما هي صراعُ إراداتٍ، وحِمايةُ هُويَّاتٍ، وصونُ مستقبلٍ، وصَوْغُ مجتمعٍ دوليٍّ جديد، ورسمُ خرائطَ في منطِقتِنا، تريدُها واشنطن وتل أبيب أداةً للهيْمنةِ واستمرارِ الاستعمارِ والتفتيت. هل ينتقلُ صراعُ الإراداتِ من ضجيجِ الخُطَطِ إلى أَجيجِ النارِ؟ الأمرُ مرَجَّحٌ جدَّاً، وربَّما هو الآتي عاجلاً أو آجلاً. أمَّا تُوقـُّعُ غيرِ ذلك فممكنٌ لكنَّهُ مُجرَّدُ بَصيصٍ.

الدولةُ العميقة ُخلفَ الإدارةِ الأميركيَّةِ تدفعُ نحوَ الحربِ. والصهيونيةُ تقودُ هذه الدولةَ العميقةَ في المجمَّعِ الصناعيِّ العسكريِّ، ومراكز المالِ، ومؤسساتِ الأبحاثِ والإعلام. أمَّا ترامب الذي يُشاركُها هذه الأهدافَ فيَخشى ألَّا يَتحمَّلَ هو وحزبُهُ الجمهوريُّ تداعياتِ الحربِ وهُمْ على أبوابِ انتخاباتٍ نِصفيَّةٍ قريبةٍ. الرئيسُ الأميركيُّ لن يُغيِّرَ قناعاتِهِ. إنهُ راهناً أبرزُ رمزٍ كولونياليٍّ للرأسماليَّةِِ المتوحّشةِ وفسادِها وإفسادِها. وعندما استقبلَ بنيامين نتنياهو مؤخَّراً [في 11 شباط/فبراير2026] كانَ يُنَفِّذُ ما طلبتْهُ منه الدولةُ العميقةُ كي يتمكَّنَ رئيسُ وزراءِ الاحتلالِ الإسرائيلي من أنْ يرسُمَ ما يريدُهُ في ملفِّ المفاوضاتِ معَ إيرانَ التي تبدو حتى الآنَ بلا أفقٍ، وكي يشدَُّ على يدِ ترامب ليُسرِّعَ قرارَ العُدوانِ على الجُمهوريَّةِ الإسلاميَّة. وإذا كان ترامب قد صرَّحَ بعد لقاء نتنياهو بأنَّ المفاوضاتِ ستستمِرُّ، فإنَّهُ لمْ يُقدِّمْ أيَّ مُعطَىً جديدٍ على مستوى مضمونِ المفاوضاتِ. ما يعني بوضوحٍ أنَّهُ سيبقى مُصِرَّاً على محاولةِ إخضاعِ إيرانِ كي تقبلَ بإنهاءِ مشروعِها النوويِّ حتى بصيغتِهِ السلميَّة، وتَرضى بتعديلِ نظامِها الصاروخيِّ وتقليصِ دورِها الإقليميِّ، وموقعِها في الساحةِ الدوْليَّةِ إلى جانبِ الصينِ وروسيا.

الـْ“أرمادا” الأميركيَّةُ موجودةٌ في البحرِ الأحمرِ، وفي مداخلِ المحيطِ الهندي، وحولَ البحرِ المتوسط، وعلى مقرُبَةٍ من مضيقِ هرمز وباب المندَبِ وفي قواعِدِها الممتدَّةِ من قطر إلى الإماراتِ، إلى الأردن، ومن السعوديَّةِ إلى البحرين، ما يجدِّدُ الدليل على أنَّ واشنطن تريدُ مفاوضـاتٍ تحـت ظـلالِ  الـْ”أرمادا”، وهذا ما يجعلُ الأفقَ أكثرَ انسداداً، ولا سيَّما أنَّ أذربيجان وتركمانستان على الحدود المباشِرة مع إيران في شمالِها، وهما دوْلتانِ مَفتوحتانِ أمام الولاياتِ المتحدةِ وإسرائيل، ونزَلتْ فيهما قوَّاتٌ أميركيَّةٌ. وهكذا، فإنَّ واشنطن تدخلُ في مفاوضاتِ حربٍ لا في حربِ مفاوضاتٍ، ولو لم يكن ذلك على هذا النحو لما كان ترامب قد جدَّد معنى الـْ“أرمادا” [تدلُّ في الأصلِ الإسباني على الأسطولِ الكبيرِ المسلَّح بكثافة] التي نفَّذها أوَّلَ مرَّةٍ الملك الإسباني فيليب الثاني عندما أرسل حشْداً هائلاً من السفن لغزو إنكلترا عام 1588، فتحوَّلتْ خطوتُهُ إلى رمزٍ لعنجهيَّةِ القوةِ ضدَّ الآخر. وباتتْ مصطلحاً عسكريَّاً مشحوناً بإرادةٍ سياسيَّةٍ لقهر الخصم.

وإذا كان ترامب ومَنْ خَلْفَهُ مِنَ الصهاينةِ مُصابينَ بالغرورِ، وملوَّثينَ بعبادةِ النهبِ والقتلِ والمالِ وبالنظرةِ التَلموديَّةِ إلى مَنْ يُسمُّونهُمُ “الأغيار”، وبعبادةِ الشيطانِ وَفقاً للمُصطلحِ الديني، فإنَّ ما سيُسقِطُهم لاحقاً، وربَّما قريباً، أنَّهم يُسقِطـُونَ أنفسَهم على التاريخ، ويتعثَّرونَ في الجغرافيا. إيرانُ دولةُ التسعينَ مليوناً، والحدود البريَّةِ التي تبلغُ ستةَ آلافِ كيلومترٍ مع سبعِ دولٍ مجاورة، والشريطِ الساحليِّ الذي يصلُ إلى نحو ألفينِ وخمسِمئةِ كيلومترٍ على الخليج ِالعربي وبحرِ عُمانَ وبحر قزوين – إيرانُ، هذه الجغرافيا الواسعة ُ- ليستْ لقمةً سائغةً في الفمِ الأميركي، بلْ على العكس قد تكونُ السفنُ الأميركيَّةُ لقمةً تسوغُ في فمِها إذا دفعتْها الظروفُ إلى دفاعٍ وجوديٍّ. وهي تعرفُ تَماماً أنَّ واشنطن لن تَتَخلَّى عن فكرةِ العدوانِ، مثلما تعرفُ أنَّ الإمبراطوريَّةَ الأميركيَّةَ ستدفعُ ثمناً باهظاً وجارحاً، عندما تخوضُ حرباً مع دولةٍ ذاتِ عمقٍ جغرافي إستراتيجي، وذاتِ تاريخٍ لا يتقبَّلُ الاعتداءَ على السيادة، ولا الخضوع لمطالبَ إذلاليَّةٍ.

طهرانُ تستخدمُ الذكاءَ السياسيَّ لا الذكاءَ الاصطناعيَّ فحسْبُ. كسِبتْ الرأي العامَّ عندما استجابتْ لطلبِ التفاوُضِ، وكانتْ قد نهضتْ بقوَّةٍ سريعةٍ بعد عدوانِ حزيران/يونيو 2025. والآنَ إذا استمرَّتِ المفاوضات فلن تكونَ خضوعاً للشروطِ الأميركيَّة، ولكنْ مَنْ سيعملُ على تعطيلِها خُصوصاً بعدما أعلنَ ترامب في الأيَّام القليلةِ الماضية أنَّهُ “إذا فشِلتِ الدبلوماسيَّةُ فسيكونُ لديه خِيارٌ آخرُ”؟

الواضحُ قطعاً هو أنَّ واشنطن تخافُ من تبعاتِ الحربِ لكنَّها ترغبُ دوماً في مراعاةِ كيانِ الاحتلالِ الإسرائيلي واللوبي الصهيوني. ومن هنا ينفُذُ نتنياهو إلى قلبِ اللعبةِ الناريَّةِ. ترامب منغمسٌ أصلاً في لُجَج ِهذا اللوبي، ولهذا احتاجَ إلى الخديعةِ التي حاكَها مع نتنياهو الذي أعلن بعد لقائِهما أنَّ الرئيسَ الأميركيَّ ما زالَ يُحاوِلُ في المفاوضاتِ، فيما كانتْ حاملةُ الطائراتِ “جيرالد فورد” قد تلقَّتِ الأوامرَ الترامبيَّة بالانتقالِ من البحر الكاريبي إلى “الشرق الأوسط” لِتنضمَّ إلى الحاملةِ ” أبراهام لنكولن” في عرضِ البحرِ الأحمر.

إذاً، الاحتمالاتُ الحربيَّةُ ما زالتْ قائمةً، والمَنطِقةُ كلـُّها مهدَّدةٌ باشتعالِ النارِ منَ الماءِ إلى الماءِ. الولاياتُ المتحدةُ هذه المرَّةَ ليستْ حرَّةً مثلما كانتْ في العُدوانِ السابق. ستُضطَرُّ إلى أن تأخذَ في الحُسبانِ الدورينِ الروسي والصيني، والاستعدادَ الإيرانيَّ بعد أنْ سقطَ عاملُ المفاجأةِ العسكريَّة. وهكذا يتأكَّدُ أنَّ إيرانَ تستطيعُ أنْ تُحوِّلَ مفاوضاتِ الحربِ إلى حربِ مفاوضات، مثلما تستطيعُ أن تحاربَ. وهذا ما يُقلِقُ ترامب الذي يبتزُّهُ نتنياهو بملفِّ فضائحِ إبستين.

إقرأ على موقع 180  بوتين الروسي.. ونافالني السوفياتي

 

Print Friendly, PDF & Email
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  رائحة البارود فى أزمة السد الإثيوبي