أزمة المثقف العربي: نحو استعادة المعنى والفعل التاريخي

يتقصّى هذا المقال أزمة المثقف العربي كفقدان القدرة على تحويل المعرفة إلى فعل مؤثر، وانهيار الوساطة بين الفكر والمجتمع. ليست الأزمة مجرد قمع سياسي أو تبعية اقتصادية، بل تآكل معنى الفعل ذاته: كيف يتحول النقد إلى خطاب رمزي بلا أثر، والوعي إلى تأمل عقيم، والمثقف العضوي إلى امتثال صامت أو انكفاء.

لم تعد أزمة المثقف العربي سؤالًا عن الحرية السياسية أو القمع وحده، ولا حتى عن هشاشة المجال العام، برغم أن هذه العوامل حقيقية ومؤثرة؛ وتحويلها إلى تفسير شامل يمنح راحة تفسيرية زائفة، إذ يُختزل المأزق في عوامل خارجية ويُبقي الذات الثقافية في موقع المتلقي لا الفاعل. السؤال الحقيقي هنا: لماذا لم تتحول المعرفة العربية، بكل ما راكمته من نقد وتحليل، إلى قوة تاريخية قادرة على كسر الانحدار وإعادة توجيه البوصلة؟

المأزق ليس في غياب التحليل أو الوعي بحجم الكارثة، فالمؤلفات والمؤتمرات قائمة والنقد حاضر، بل المأزق في الفجوة بين المعرفة والمسؤولية، بين الوعي والفعل، وبين الخطاب والكلفة. فالمعرفة التي لا تتحول إلى قوة ضغط أو مشروع مؤسسي تبقى معلّقة، تؤدّي وظيفة تفسيرية أكثر منها تغييرية.

لقد اعتدنا أن نفسر الأزمة بردها إلى الاستبداد أو الهيمنة الخارجية، وهما عاملان بنيويان لا يمكن إنكارهما، لكن تحويلهما إلى تفسير كامل يُنتج وهمَ البراءة الثقافية: القول إن السلطة تقمع والهيمنة تفرض شروطها لا يُعفي النخبة من السؤال: ماذا فعلت بكل ما تعرفه؟ أين تحوّل النقد إلى قوة اجتماعية؟ وأين بُنيت شبكات معرفية قادرة على تراكم الفعل؟

جزءٌ كبيرٌ من المأزق يتشكّل في المنطقة الرمادية بين المعارضة الخطابية والفعل التاريخي، حيث تتوزّع الأدوار صامتة: سلطة داخلية تدير الاستقرار، هيمنة خارجية تعيد إنتاج التبعية، ونخبة ثقافية تكتب وتنتقد لكنها نادرًا ما تبني مشروعًا طويل النفس أو تتحمل كلفة القطيعة. هنا تصبح الأزمة نتيجة تفاعل بنيوي بين هذه العناصر، بعجز الإرادة التاريخية لدى من يُفترض أنهم حراس المعنى. السؤال الأكثر مباشرة: هل اختار المثقف العربي السلامة على المواجهة؟ كم مرة جرى تبرير الصمت باسم الواقعية السياسية أو الاكتفاء بالتحليل العميق دون الانخراط في البديل؟ القوة الرمزية والمعنوية للموقع الثقافي لا تعني شيئًا إذا لم تتحمل الكلمة تبعاتها. المأساة ليست في إعادة إنتاج التبعية فحسب، بل في تعامل جزء من النخبة مع الواقع بوصفه قدرًا يُحلل لا بنية تُكسر، فالنقد تحول أحيانًا إلى مساحة آمنة للتعبير، لا مدخل لبناء مشروع. وهكذا، تضخم الخطاب وتراجع الالتزام، واتسعت المسافة بين ما يُكتب وما يُخاطر به.

غياب العلاقة العضوية بين النقد وبناء الأثر

المقال لا يسعى إلى جلد الذات، بل إلى تفكيك البنية التي جعلت المعرفة عاجزة عن التحول إلى قوة تغيير.

والأزمة ليست في نقص العقول، ولا في فقر التحليل، بل في غياب المشروع الجامع الذي يربط الوعي بالمسؤولية، ويحوّل النقد إلى مسار مؤسسي. بدون مواجهة هذا السؤال بصرامة، ستستمر شروط الأزمة في إعادة إنتاج نفسها.

الأزمة لا تكمن فقط في تراجع المثقف عن موقعه، بل في تحوّل المعنى من قوة محرِّكة إلى مفهوم معلّق لا يُختبر. والمعنى ليس فكرة مجردة، بل علاقة حيّة بين الوعي والالتزام: إدراك الخلل إما دعوة للفعل أو تمرين ذهني يظل في حدود التحليل.

التراث النقدي الحديث يرى المثقف بوصفه موقعًا داخل صراع الهيمنة وإعادة تشكيل الوعي، كما عند أنطونيو غرامشي، حيث يرتبط المعنى ببناء إرادة جمعية قادرة على الفعل. حين يتحول الوعي إلى ممارسة تفسيرية معزولة، يفقد بعده التاريخي ويتحول إلى نشاط رمزي. الفارق بين الإنتاج المعرفي والوظيفة التاريخية: معرفة تشرّح العالم ومعرفة تسعى لإعادة تشكيله. الأولى دقيقة وعميقة لكنها ضمن أفق التأمل؛ الثانية تدخل المخاطرة لأنها تعني تحمل تبعات المعرفة.

المعنى عبء، ليس زينة فكرية؛ كل معرفة حقيقية تضع صاحبها أمام سؤال: ماذا يترتب على هذا الفهم؟ حنَّه أرنديت ترى الفعلَ كظهور في المجال العام يخلقُ واقعًا جديدًا ويكسر منطق التكرار. القول الذي لا يتحوّل إلى فعل يظل تداولًا رمزيًا؛ وهنا يتحول المجال الثقافي إلى فضاء تحليل دائم، تتكاثر فيه القراءات دون الوقائع الجديدة.

جوهر الأزمة هو غياب العلاقة العضوية بين النقد وبناء الأثر. الخطاب يصبح بديلاً عن المشروع، والكتابة غاية في ذاتها، ويتضخّم الوعي النظري بينما يضمر الحضور الفعلي. المعنى حين يُفصل عن الفعل يفقد طاقته التحويلية، والمثقف قد يعرف أكثر لكنه يؤثر أقل. استعادة العلاقة بين المعنى والفعل تعني إعادة تعريف وظيفة المعرفة: كشف الخلل ليس كافيًا، بل الالتزام بإعادة تشكيل شروطه. إذا لم يتحول الوعي إلى إرادة منظمة، ستظل الأزمة قائمة مهما بلغ التشخيص عمقًا.

أزمة المثقف العربي لا تُفهم بمعزل عن السياق البنيوي الذي تتشكل فيه الدولة والمجال العام والاقتصاد؛ المعنى لا يتحرك في فراغ، بل داخل منظومة قوى تُحدّد إمكاناته وحدوده.

العلاقة بين السلطة التابعة والهيمنة الإمبريالية

الحديث عن الهيمنة الخارجية لا ينبغي أن يُختزل في خطاب شكوى، بل يجب أن يُفهم بوصفه تحليلًا لبنية تاريخية تتداخل فيها المصالح الدولية مع أنماط الحكم المحلية بشكل معقد. الهيمنة، كما صاغها أنطونيو غرامشي، لا تقوم فقط على السيطرة العسكرية أو السياسية، بل على إنتاج قبول ثقافي يجعل الخضوع يبدو طبيعيًا وعقلانيًا، وتتحول رؤيتها إلى أفق بديهي، وتشكّل النخب داخل شروطها دون أن تعي دائمًا حدودها. بهذا المعنى، الهيمنة لا تُمارس من الخارج فحسب، بل تُعاد صياغتها من الداخل عبر طبقات حاكمة تعتمد على ارتباطها بالبنية الدولية لضمان استمرارها.

في كثير من التجارب العربية، تشكلت سلطات تعتمد اقتصاديًا على الريع أو دعم خارجي، وتعيد إنتاج استقرارها عبر ضبط المجال العام لا توسيعه. الهدف هنا ليس إطلاق إمكانات جديدة، بل منع الانفجار. السياسي يُختزل في الحفاظ على النظام، الاقتصادي في توزيع المنافع، والثقافي في ضبط السقف الرمزي المقبول. العلاقة بين السلطة التابعة والهيمنة الإمبريالية ليست تبعية ميكانيكية، بل علاقة مصلحة متبادلة، تتغذى من اقتصاد غير منتج ومن غياب قاعدة اجتماعية منظمة قادرة على فرض مشروع مستقل. المجال العام محكوم بسقف غير مرئي يُعاد إنتاجه عبر التمويل، المؤسسات، الاعتراف الأكاديمي، وشبكات النفوذ الإقليمي والدولي.

لا تحتاج الهيمنة دائمًا إلى رقابة مباشرة؛ يكفي ضبط حدود الممكن ليُعاد ضبط الخطاب. الخطورة تكمن في استبطان الهيمنة كأفق لا يمكن تجاوزه؛ التفكير في الاستقلال يتحول إلى خطاب رومانسي، والنقد يختزل في حدود إصلاحية لا تمس جذور الارتباط بالخارج. الهيمنة الناجحة لا تُسكت الأصوات فقط، بل تجعلها تتحرك ضمن إطار لا يهددها. لا يعني هذا إعفاء السلطة الداخلية من مسؤوليتها؛ جزء من استمرار الهيمنة يعود إلى استعدادها لإعادة إنتاج شروطها، وإلى اندماج مصالحها في شبكة دولية أوسع. لكن تعقيد العلاقة لا يجب أن يتحول إلى ذريعة للتكيف، بل خطوة أولى نحو مساءلتها.

إقرأ على موقع 180  تأملات 2022.. الدين والإستبداد؛ الأخلاق والضمير (1)

السؤال المركزي: هل يُكتفى بوصف هذا التشابك، أم يُفكر في كيفية كسره؟ الإجابة تحدد ما إذا كانت المعرفة ستظل حبيسة التحليل، أم تدخل في معركة إعادة تعريف الممكن، وتحويل النقد إلى فعل مؤثر، وليس مجرد تمرين ذهني.

المثقف العضوي والمثقف الوظيفي

العلاقة بين المثقف والسلطة ليست تفصيلًا عابرًا في أزمة الفضاء العربي، بل هي قلبها البنيوي. السلطة لا تحكم بالقانون والأجهزة فقط، بل عبر إنتاج الشرعية، والمثقف أحد منتجيها أو منازعيها. السؤال هنا ليس: هل يكتب المثقف؟ بل: من أي موقع يكتب؟ ومن داخل أي مسافة؟ السلطة تعيد تنظيم المجال العام بحيث تبدو حدود الممكن طبيعية، ويُعاد تعريف الواقعية كقبول بشروط اللعبة.

الامتثال لا يظهر دائمًا في صورة مديح فجّ، بل في إعادة تموضع محسوبة داخل السقف المسموح، وانتقاء موضوعات لا تمس البنية العميقة، وحدّة لفظية لا تتحول إلى أثر تاريخي. إنها علاقة مصلحة واعتراف متبادل: تمنح السلطة المكانة والاعتراف، ويمنح المثقف اللغة والغطاء الرمزي. هذه الصفقة ليست دائمًا معلنة، لكنها تتحقق عبر شبكات النفوذ والتمويل والفضاء الإعلامي.

التمييز الذي صاغه غرامشي بين المثقف العضوي والمثقف الوظيفي يظل أكثر راهنية من أي وقت مضى. العضوي منخرط في صيرورة تاريخية، يرى المعرفة فعل تأسيس ويتحمل كلفتها، أما الوظيفي فيستمد شرعيته من البنية القائمة ويضبط خطابه وفق إيقاعها، حتى مع مسافة نقدية شكلية. الفارق ليس في الذكاء أو الثقافة، بل في حدود الالتزام والاستعداد لدفع الثمن. ثمة وجه آخر للأزمة: الانكفاء. شريحة من المفكرين لم تدخل في صفقة، لكنها انسحبت من المجال العام؛ بعضهم خوفًا في بيئات تضيق بالاختلاف، وبعضهم تعبًا من صراع طويل بلا أفق، وبعضهم شعر بأن الكلمة لم تعد تُحدث فرقًا.

الانعزال لا يقل خطورة عن الامتثال؛ فهو يُفرغ الفضاء العمومي من طاقته النقدية، ويحوّل الفكر إلى نشاط خاص لا يمسّ البنية. يتآكل دور المثقف من الداخل، ليس بقرار قمعي، بل بتراجع الإيمان بجدوى الفعل. تذكّرنا حنة أرندت بأن الفعل السياسي يبدأ بالظهور في المجال العام وتحمل تبعات الكلمة، لا بالسيطرة على السلطة. ويؤكد عبدالله العروي أن الوعي التاريخي شرط لتجاوز موقع المتفرج على الزمن. بين الامتثال والانكفاء يُضيع هذا الشرط؛ إما إعادة إنتاج الشرعية كما هي، أو ترك المجال بلا مساءلة. السؤال الحاسم: هل يحتفظ المثقف بمسافة نقدية تمكنه من مساءلة شرعية السلطة؟ وهل يظل قادرًا على تخيّل بديل، حتى إن بدا مكلفًا أو بعيدًا؟ المثقف ليس موظفًا لدى الدولة، ولا ضميرًا منزّهًا؛ إنه وسيط بين الممكن والواقع. إذا تنازل عن هذه الوساطة عبر صفقة مصلحة أو انسحاب صامت، خسر المجتمع إحدى أدواته القليلة لإعادة تعريف المعنى.

العضوية ليست شعارًا، والامتثال ليس دائمًا تصريحًا، والانكفاء ليس حيادًا؛ إنها اختيارات تشكّل صورة المجال العام:

إما فضاء يُعاد فيه إنتاج القبول، أو ساحة يُستعاد فيها سؤال المعنى بوصفه فعلًا تاريخيًا لا ترفًا نظريًا.

برنامج أولي لاستعادة المثقف موقعه العضوي

المثقف العربي يعيش أزمة وجودية ووظيفية؛ قدرته على التأثير تتراجع ودوره العضوي في رسم المشهد الاجتماعي والسياسي يتضاءل. لذلك، يصبح من الضروري تقديم برنامج أولي يمكّنه من استعادة موقعه العضوي، وممارسة الفعل النقدي والعملي ضمن حدود الإمكان المتاحة، مع تمهيد الأرض لدور أوسع للأحزاب والمؤسسات الفكرية المستقبلية.

هذا البرنامج ليس خطة مكتملة، بل مجموعة أفكار أولية وبنود تأسيسية تتيح للمثقف أن يبدأ ممارسة دوره بوعي وفاعلية. الهدف هو إعادة إنتاج الفعل المعرفي والسياسي بطريقة متّسقة مع الواقع الاجتماعي، دون الدخول في صدام مباشر مع السلطات القائمة.

يبدأ البرنامج بإعادة بناء موقعه العضوي داخل المجتمع، كفاعل مستقل في النقاش العام وميدان الفكر، قادر على ممارسة النقد الموجّه والملتزم، بحيث يتحول النقد من خطاب إلى فعل تأسيسي يعيد إنتاج الفعل الثقافي ويقوي التأثير الرمزي للمثقف.

في إطار هذه العملية، يصبح الحوار مع المجتمع المدني والمؤسسات القائمة أداة أساسية. يمكن للمثقف بناء جسور تواصل مع المبادرات الشعبية والنقابات والجهات الفاعلة، وتطبيق أفكاره ضمن فضاءات ممكنة بعيدًا عن المواجهة المباشرة، واستخدام هذا الفعل الواقعي كقاعدة لربط المعرفة بالنتيجة العملية، وتعزيز قدرة المثقف على إحداث تأثير ملموس في النقاش العام. يشمل البرنامج أيضًا التمهيد لتأسيس أحزاب ومؤسسات فكرية جديدة، قادرة على ربط إنتاج المثقفين ونضالهم بالنتيجة العملية، وتقديم لغة وأساليب وأفكار جديدة تتناسب مع متغيرات الواقع الاجتماعي والإنساني، ومع ما حققته البشرية من تقدم علمي وتقني.

تتجاوز هذه المبادرات قيود الأحزاب التقليدية وأطر الفكر السابقة، وتخلق وسائط جديدة لفعل المثقف تحافظ على روح المبادئ الأصلية، وتؤسس لتفاعل معرفي حي بين الجيل الجديد والفعل الاجتماعي والسياسي، بحيث يُترجم كل إنتاج فكري ونقدي إلى فعل حقيقي داخل المجتمع. يسمح البرنامج أيضًا بوضع آليات للتقييم الذاتي والمراجعة المستمرة، لقياس أثر المثقف على مستوى الوعي والتحولات في النقاش العام والتأثير الرمزي في المجتمع، وموازنة ما هو ممكن اليوم مع ما يمكن تحقيقه غدًا. كل خطوة قابلة للتطبيق ضمن السياق الواقعي، وكل فكرة مستقلة بذاتها لكنها أيضًا جزء من تسلسل استراتيجي أكبر يعيد تشكيل الفعل المعرفي ويربط المعرفة بالفعل، والنقد بالممارسة، والوعي بالنتيجة العملية.

بهذه الطريقة، يتحول البرنامج إلى خارطة طريق أولية متكاملة، فلسفية وبلاغية، متسلسلة ومتدفقة، تتيح للمثقف العضوي ممارسة دوره بفعالية، مع تمهيد الأرض للأحزاب والمؤسسات الفكرية التي ستستكمل ما بدأه المثقف من موقعه، ضمن حدود الواقع السياسي والاجتماعي الحالي، مع الحفاظ على استقلالية الفعل النقدي وقوة الموقف المعرفي. إنها خطوة أولى نحو إعادة إنتاج المعنى وربط المعرفة بالعمل، وتهيئة لغة وفعل جديدين للجيل القادم، بما يجعل المثقف العضوي فاعلًا حقيقيًا لا مجرد مراقب أو ناقد بلا تأثير.

Print Friendly, PDF & Email
علي العزي

كاتب، أكاديمي، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  شرعية القيادة.. ومحاذير الإنتقال من المنافسة إلى الصراع