هذا سؤال ضروري يتجاوز بكثير تأسيس معهد يحمل اسمه مقرونًا بالسلام «معهد ترامب للسلام» في واشنطن، أو ترديد نداءات السلام بغير سياسات تسندها ومواقف يُعتدّ بها في إنهاء الحروب بالفعل لا بالادعاء.
لم يُخفِ ضجره من مستوى التمثيل وغياب الحلفاء الأوروبيين، قائلًا: «هناك قادة لا نرغب في مشاركتهم!».
لا يعني طلبه بإلحاح الحصول على جائزة «نوبل للسلام» أنه يستحقها فعلًا.
في كلمته الافتتاحية بصفته رئيسًا لمجلس السلام والمهيمن على جدول أعماله، تطرّق مجددًا، دون مقتضٍ، إلى جائزة «نوبل للسلام» وأحقيته بها، لكن بأسباب جديدة أكثر انضباطًا: «أريد إنقاذ الحياة».
أسهب في كيل المديح لنفسه بمبالغات مطوّلة، كرجل أوقف الحروب في كل مكان، فيما سيناريوهات تفجير الشرق الأوسط، لا إيران وحدها، ماثلة ومنذرة.
القوة ركن جوهري في مفهومه للسلام.
إنه «سلام القوة»، بصياغة واضحة لا يكفّ عن ترديدها.
هذا جوهر استراتيجيته في إدارة الأزمة الإيرانية.
يتفاوض بالسلاح طلبًا لفرض إرادته وأجندته على الطرف الآخر.
يطلب صفقة مع الإيرانيين تستجيب بالكامل لما يريد.
إذا ما تمكّن بالمفاوضات من تحقيق أهدافه، فإنها صفقة «الانضمام إلينا»، بمعنى استعادة أدوارها القديمة كشرطي في المنطقة لصالح الاستراتيجيات الغربية.
ما البديل؟
الحرب، ولا شيء غير الحرب، لتحقيق نفس الأهداف الاستراتيجية.
مشكلته الرئيسية أنه لا يمتلك أية إجابة عن سؤال اليوم التالي.
جميع القوى الإقليمية، باستثناء إسرائيل، تتحسّب من سيناريوهات الخطر والفوضى التي لا يمكن التحكم فيها، وهو نفسه لا يعرف ما قد يحدث.
برغم التحريض الإسرائيلي المتصل على الحرب، إلا أنها تخشى، في الوقت نفسه، من ردّات الفعل الإيرانية، التي أسمتها صحيفة «يديعوت آحرونوت» بالسيناريوهات الكابوسية، مدفوعة بذكريات حرب الاثني عشر يومًا وشلّ الجبهة الداخلية تمامًا.
«سنرى أين تصل الأمور بين إسرائيل وإيران».
بدت تلك العبارة الترامبية كاشفةً بذاتها لحقيقة الأزمة، وأطرافها الرئيسيين وأبعادها الوجودية.
إنها أزمة إسرائيلية قبل أن تكون أمريكية.
المعنى، بوضوح، أنه إذا استجابت إيران للشروط الإسرائيلية فإن هناك صفقة ما، وإذا ما مانعت فإن الحرب سوف تكون مرجّحة.
حسب سير مفاوضات مسقط، التي نُقلت جولتها الأخيرة إلى جنيف، فهناك تقدم كبير، كما يؤكد الإيرانيون، لكنه مشكوك فيه، كما يقول الإسرائيليون.
المشروع النووي فقط هو ما يُجرى التفاوض عليه.. أما المشروع الصاروخي الباليستي ودعم وتمويل الحلفاء الإقليميين فهما خارج أي تفاوض.
ألبون شاسع بين الموقفين الإيراني والإسرائيلي.
المفارقة الجوهرية هنا أن «ترامب» أكد لمرات عديدة أنه نجح في ضرب المشروع النووي الإيراني، فما موضوع التفاوض إذن؟
لا شيء غير اكتساب الوقت اللازم قبل توجيه الضربة العسكرية المزمعة.
الإلحاح على تقليص المشروع الصاروخي الباليستي يترافق مع ضغوط متزامنة لنزع أسلحة الجماعات التي تناهض إسرائيل في فلسطين المحتلة ولبنان واليمن.
«إذا لم تُسلّم حماس سلاحها كما وعدتني فسوف يتم مواجهتها بقسوة بالغة».
كان ذلك تصريحًا ترامبيًا آخر ينذر بتقويض وقف إطلاق النار الهش في غزة، ومشروع «ترامب» كله، الذي تأسس على خطته ذات العشرين نقطة.
من يتولى مهمة نزع سلاح «حماس»؟
لا توجد دولة واحدة من التي أعلنت استعدادها للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية، التي تأخر تشكيلها حتى نيسان/إبريل المقبل، مستعدة لأن تتولى هذه المهمة الملغّمة.
حسب تصريح إندونيسي لافت للانتباه: «لن نرسل قوات قتالية إلى غزة ولن نشارك في نزع سلاح حماس».
التصريح يكتسب أهميته من اندفاع إندونيسيا، أكثر من أية دولة عربية أو إسلامية أخرى، في دعم خطة «ترامب».
حسب تصريح المدير التنفيذي لمجلس السلام في غزة: «لا خيار لنا سوى نزع سلاح حماس».
وهو توجه لا تشاركه فيه أي دولة عربية عضو في ذلك المجلس.
هناك اقتراحات وبدائل أخرى لأزمة السلاح، مصرية وتركية بالذات، تستبعد سيناريو نزعه بالقوة.
موقف «ترامب» يتراوح بين استخدام القوة والتهديد بها وبين التفهّم للحلول البديلة، قبل أن يعود إلى الخيار الإسرائيلي في كل مرة.
«السلام في الشرق الأوسط ليس مستحيلًا».
كان ذلك تصريحًا آخر لـ«ترامب»، لكنه مبهم ولا يقف على أية أرض صلبة، فجوهر الصراع هو حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وقضيتهم بالأساس هي التحرر الوطني.
الأفدح أنه لم يُدن بحرف واحد الخروقات الإسرائيلية، تقتيلًا وتجويعًا لمواطني غزة، في الوقت الذي خصّ الفلسطينيين وحدهم بالوعيد، محمّلًا إياهم مسؤولية تفشّي الكراهية والإرهاب!
كان ذلك إجحافًا بالحقائق التاريخية الثابتة.
معضلة سلام «ترامب» هي نفي طبيعة الصراع، والفصل بين غزة والضفة الغربية، التي تتعرض الآن لأخطر موجة من الاستيطان والتهويد بفرض السيادة الإسرائيلية عليها.
هذا النوع من السلام لا يمكن أن يمر.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
عبدالله السناوي
كاتب عربي من مصر
