ليس أمراً عادياً هذا الإيثار الذي مارسه إنسان لبناني اسمه أحمد ترمس في لحظات لا تحتمل التأجيل أو التسويف، عندما خيّره الإسرائيلي “هل تموت أنتَ ومَن معك… أم تموت وحدك؟”، وليس سهلاً أن يواجه المرء مصيراً بدا محسوماً على بعد ثوانٍ قليلة، فاختار والد الشهيد حسن ترمس أن ينجو كل من كان معه ويُجنّب منزل شقيق زوجته من الدمار والموت، فاستقل سيارته إلى مكان بعيد عن السكن، حتى لا يُسبّب استهدافه أذىً جسدياً أو ماديًا لأي كان.
سلوكٌ ليس غريبًا عن ثقافة المقاومين، وكثيرة هي الأحداث التي يتداولها المقاومون والتي تشبه إلى حدٍ ما ما حصل لرابط الحزب في طلوسة، بحيث يفتدي أحد المقاومين بنفسه سلامة عدد من رفاقه، كأن ينبطح على لغم أرضي أو قنبلة يصعب تجنبها، لكي تنفجر به وحده ولا يمتد أذاها إلى القريبين منه.
لكن اللافت للانتباه في حادثة ترمس، أنها تقدم نموذجاً فريداً عن روحية التضحية لدى المقاومين، الذين أخذوا على عاتقهم مواجهة العدو، وهم على علم مسبق بأن الشهادة ملازمة لهذا الخط. وكانت الحرب الأخيرة مثالاً صارخاً، عندما كان المقاوم يقتحم الجبهة، وهو على يقين بأنه لن يعود منها سالماً.
وحين يختار المرء هذا الخط، لا ينظر إلى الخلف أو إلى من حوله، إذا ما قاموا بواجبهم أم لا، وحتى أنه لا ينتظر منهم إطراء أو تكريماً. إنما جلّ همّه أن نتيجة عمله سوف تكلل بإحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة.
المقاومة ليست بارودة. هناك عنصر قوة آخر، ربما يتفوق بالأهمية على السلاح، أو بمعنى آخر، بدونه لا قيمة ولا معنى للسلاح. أقصد به روحية هذه الثلة من المقاومين على شاكلة ترمس.
فإذا ما سنحت الظروف للبنانيين بأن يتفقوا على “استراتيجية أمن وطني”، سمّها ما شئت. يجب ألا يغيب عن بالهم بأن هؤلاء الذين باعوا جماجمهم لله قد لا يقعوا على أمثالهم في كل جيوش العالم. هم جنود من نوع آخر. إنهم كنز من واجبنا أن نحافظ عليه.. وما على الرسول إلا البلاغ.
