“باخرة السيد” الدقيقة.. و”منظومة شيا” النظرية!

لم يكن إعلان الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله عن انطلاق اول باخرة محروقات إيرانية الى لبنان مفاجئاً لاحد، فهو كان قد اعلن مراراً ان الحزب سيلجأ الى هذا الخيار اذا استمرت ازمة المحروقات تعصف بلبنان.

المستجد في الإعلان هو التوقيت. لحظة أميركية قاتلة. يأتي الإعلان غداة هزيمة الولايات المتحدة على أيدي حركة “طالبان” في افغانستان بعد غزو أميركي استمر عشرين عاما. سقوط هيبة الامبراطورية الحديثة بعد حرب هي الاطول والاكثر تكلفة في تاريخها.

لم تتحرك الباخرة الإيرانية من ميناء بندر عباس الإيراني إلا إستناداً إلى تحليل مفاده ان ادارة جو بايدن عاجزة عن القيام باية خطوة عسكرية ضدها. كما يأتي الإعلان بعد اسابيع قليلة من أعادة تثبيت حزب الله قواعد اشتباكه مع العدو الصهيوني اثر القصف/الرد الذي نفذه المقاومون من خراج بلدة شويا الجنوبية بإتجاه مزارع شبعا اللبنانية المحتلة، اي بعد تيقن الحزب من عجز ادارة العدو ايضا عن القيام باية مغامرة عسكرية ضد الباخرة ـ “الأرض اللبنانية”، كما أعلن نصرالله.

ان العقل السياسي لحزب الله وحليفته إيران، والذي درس بتمعن على مدى الاشهر القليلة المنصرمة كل ابعاد خطوة استيراد المحروقات الى لبنان، اختار التوقيت المناسب لتنفيذ الامر، ولا شك ايضا ان هذا العقل يعي جيدا ان هذه الخطوة تشكل في الداخل اللبناني ضربة قاسية لمنظومة الاحتكار النفطي التاريخية في البلاد وخلافا لكل القوانين الناظمة لاحتكارها بحماية من السلطات المتعاقبة وبرعاية الحلفاء الاقليميين والدوليين لهذه المنظومة من الشرق والغرب على حد سواء، وبالتالي لا بد ان يكون هذا العقل قد اعد خطة تفصيلية لعملية توزيع المحروقات بطريقة تحول دون احتكار هذه المادة من اي طرف، وتضمن وصولها الى المستهلك وليس الى التجار الفجار والمهربين والمحتكرين لان ذلك يمثل فشلا ذريعا لكل الابعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذه العملية، ومن شأن نجاحها ان يطاول سلعا حيوية اخرى ليس اقلها الدواء الذي يخضع بدوره الى منظومة احتكارية شبيهة بمنظومة النفط ايضا. وتجنبا للاحكام المسبقة على هذا الامر لا بد من الانتظار لرؤية كيف ستتم عملية التوزيع وبعدها للامر صلة.

ولا بد من الاشارة هنا الى ان المحروقات التي ستصل من إيران لن توزع في لبنان مجانا لاحد، بل سيتم بيعها باسعار مدروسة، وبالاشارة الى الاسعار لا بد ايضا من الذكر ان المحروقات في إيران تباع للمستهلك باسعار مدعومة من الدولة، ويبلغ مثلا سعر صفيحة البنزين في السوق المحلي في إيران ما يوازي 2.3 دولار فيما تتولى الدولة الإيرانية تغطية فارق السعر العالمي، ولا يتجاوز العشرة دولارات.

واذا كانت السوق اللبنانية تحتاج الى فاتورة محروقات تساوي ثلاثة مليارات دولار سنويا فان إيران وبالرغم من كل ازمتها الاقتصادية الناجمة عن الحصار الأميركي لها تستطيع ان تتحمل دعما محدودا للمحروقات المرسلة الى لبنان لا تتجاوز الدولارين على الصفيحة لان حجم الاستهلاك اللبناني لا يساوي اكثر من ثلث حجم الاستهلاك لمدينة طهران وحدها البالغ عدد سكانها حوالي 15 مليون نسمة. لذلك فان من يراهن على عجز طهران على دعم محروقاتها في لبنان يكون مخطئاً في الحساب.

لا بد من التوقف قليلا امام المدة الزمنية غير المعروفة التي ستستغرقها عملية اقناع المصريين بتصدير الغاز واقناع الاردنيين بتقوية تغذيتهم بالطاقة لارسالها الى لبنان، كما المدة التي ستستغرقها عملية اصلاح شبكات الكهرباء في سوريا، هذا اذا وافقت الحكومة السورية على الامر من دون قيد او شرط على الأميركيين او على الحكومة اللبنانية

لا شك ان خطوة حزب الله احرجت الاصوات والقوى التي تعتبر نفسها “سيادية” في لبنان، فهي، وعلى مدى سنتين من عمر الأزمة الإقتصادية المالية الإجتماعية، لم تقدم حلولا بل تراوحت مواقفها بين التفرج على تعمق الازمة وانتظار “جثة الخصم على ضفة النهر” (على حد تعبير سمير جعجع) وبين تلك التي واصلت عملها على تعميق الازمة عبر سرقة الدعم الرسمي للمحروقات ولغيرها من السلع الحيوية واحتكار هذه السلع وبيعها في السوق السوداء باسعار خيالية او تهريبها الى سوريا.

من هنا جاء الرد الأميركي الذي اعلنته السفيرة دوروثي شيا على اعلان نصرالله بعد ساعات قليلة منه بقرار الادارة الأميركية دعم استجرار الطاقة الكهربائية الى لبنان برا من الاردن بالغاز المصري وبتمويل من البنك الدولي، وفي هذا القرار استخفاف كبير بعقول الناس، ناهيك عن انه يشكل انتهاكا صارخا لسيادة اربع دول (مصر والاردن  وسوريا ولبنان)، وان كان “السياديون” في لبنان يعيبون على حزب الله وهو حزب لبناني انه انتهك سيادة الدولة فانهم احرجوا ايضا بالرد الأميركي. فكيف لواشنطن ان تقرر فجأة استجرار الطاقة بهذه الطريقة قبل التشاور مع الدول المعنية؟ وكيف لها ان تحسم ان البنك الدولي سيمول هذه العملية وكيف سيمولها (على شكل هبات او ديون لا بد ان تخضع الى مفاوضات مع الدولة اللبنانية بكل الاحوال)؟ هذا اذا لم نقل ان القرار الأميركي يشكل انتهاكا فاضحا لـ”قانون قيصر” الذي اقره الكونجرس الأميركي في العام الماضي والذي يحظر اي تعاملات اقتصادية مع النظام في سوريا، فكيف ستتم عملية اصلاح شبكات الكهرباء السورية التي سيتم عبرها استجرار الطاقة الى لبنان من دون تنسيق مع الحكومة السورية، ان كان من قبل الأميركيين او من قبل الحكومة اللبنانية بغض نظر أميركي عن الموضوع.

إقرأ على موقع 180  وحيد حامد.. ونبوءته السياسية

بالرغم من كل ذلك لا بد من التوقف قليلا امام المدة الزمنية غير المعروفة التي ستستغرقها عملية اقناع المصريين بتصدير الغاز واقناع الاردنيين بتقوية تغذيتهم بالطاقة لارسالها الى لبنان (هذا اذا كانت الشبكات الاردنية تتحمل الاحمال الجديدة عليها وليست بحاجة لعملية تأهيل لهذا الامر) كما المدة التي ستستغرقها عملية اصلاح شبكات الكهرباء في سوريا لتصبح صالحة لنقل الطاقة الى لبنان وهي التي تعاني من اضرار جسيمة بعد حرب ضروس على سوريا استمرت اكثر من عقد من الزمن ولم تنته بعد، هذا اذا وافقت الحكومة السورية على الامر من دون قيد او شرط على الأميركيين او على الحكومة اللبنانية، وهنا لا احد يملك جوابا شافيا على سؤال متى سيستفيد لبنان من القرار الأميركي في استجرار الطاقة لا بل ان غيوما كثيفة من الشك تظلل تنفيذ هذا القرار وتشير الى انه مجرد رد انفعالي أميركي عاجز وهو غير قابل للتنفيذ في مدى منظور للاسباب الواردة اعلاه.

استنتاجا، ان الاسراع بوصول باخرة المازوت الإيرانية الدقيقة (بالإذن من النائب حسن فضل الله) الى لبنان وتوزيعها بشكل سليم كي تصل الى المستهلك من شأنه ان يشكل صفعة قوية لسياسة الحصار الأميركي على لبنان اشد من تلك التي تسبب بها اعلان القرار على لسان السيد نصرالله، وليس امام الادارة الأميركية حلولا لرد الصفعة الا اذا اعادت احياء منظومة الفساد الحليفة لها في الداخل اللبناني عبر مدها بسبل الحياة وبشريان نفطي ما، وهي تعرف جيدا انه لن يصل الى المواطن اللبناني منه الا النذر القليل فيما جله سيذهب بارباح خيالية للحسابات المصرفية لهذه المنظومة في الخارج.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  وحيد حامد.. ونبوءته السياسية