زمن الميتاميديا.. حين يتحوّل الواقع نفسه إلى خبر

شهد القرن العشرون صراعاً حول السيطرة على الخبر. صحف، إذاعات، قنوات، أجهزة دولة، غرف تحرير. الجميع تنافس حول من يملك الحق في تعريف الواقع. القرن الحادي والعشرون يفتح مشهداً مختلفاً تماماً: الصراع انتقل من السيطرة على الخبر إلى السيطرة على البنية التي تُنتج الواقع الإعلامي نفسه... هنا يبدأ زمن الميتاميديا.

في الماضي، كان الخبر حدثاً يصل إلى الناس. اليوم البيئة الرقمية تصنع الحدث قبل أن يراه أحد. الخوارزميات ترتب العالم وفق احتمالات الاهتمام، والمنصات تصوغ أولويات الإدراك الجماعي. ما يظهر أمام الجمهور يصبح واقعاً، وما يختفي يدخل في منطقة الغياب الاجتماعي. الإعلام هنا يتحول من ناقل للواقع إلى مهندس خفي لبنيته الإدراكية.

المشكلة الفكرية العميقة في هذا التحول تكمن في تفكك المرجعية. في الأزمنة السابقة وُجدت سلطة معرفية واضحة: صحيفة كبيرة، وكالة أنباء، مؤسسة أكاديمية. أما اليوم فتعمل المعرفة داخل شبكة موزعة من المصادر، حيث يتجاور البحث العلمي مع تعليق عابر، والمعلومة الدقيقة مع مادة مركّبة رقمياً. الفضاء الإعلامي يتحول إلى حقل كثيف من الإشارات المتنافسة والمتنافرة.

في هذه البيئة يختفي مفهوم “الخبر الكاذب” بوصفه استثناءً. التضليل يتحول إلى بنية كامنة داخل النظام نفسه. المنصة تكافئ ما ينتشر، والانتشار يحتاج إلى إثارة، والإثارة تميل إلى المبالغة. النتيجة نظام معلوماتي يملك ميلاً داخلياً نحو التشويش.

الذكاء الاصطناعي يضيف انقلاباً فلسفياً أعمق. في تاريخ الإعلام كان الإنسان هو المنتج الأول للمعنى. اليوم تدخل أنظمة حسابية قادرة على كتابة النصوص، تركيب الصور، توليد الفيديو، وإعادة توزيع المعرفة. هذه الأنظمة لا تعمل كأدوات فحسب، بل كطبقة معرفية جديدة داخل المجال العام. يمكن القول إن الإعلام يدخل مرحلة التأليف المشترك بين الإنسان والخوارزمية.

هذا التحول يفتح سؤالاً استشرافياً خطيراً:
من يملك السلطة حين يصبح إنتاج المعنى عملية موزعة بين شركات تقنية، خوارزميات، مستخدمين، وأنظمة ذكاء اصطناعي؟

السلطة الإعلامية لم تختفِ، بل انتقلت إلى مستوى أعمق. في القرن الماضي سيطرت الحكومات أو المليارديرات على الصحف. في زمن الميتاميديا تظهر سلطة مختلفة: سلطة التصميم التقني. مهندس خوارزمية ترتيب الأخبار يمتلك أثراً يفوق أحياناً تأثير رئيس تحرير تقليدي.

هنا يظهر ما يمكن تسميته “السياسة الخوارزمية”. القرارات التي تحدد ما يظهر على الشاشة، سرعة الانتشار، ترتيب الأولويات، جميعها قرارات تقنية تحمل آثاراً اجتماعية وثقافية هائلة. المجال العام يتحول تدريجياً إلى نتاج معادلات رياضية تعمل في الخلفية.

ومع تزايد قوة الذكاء الاصطناعي، يقترب العالم من مرحلة أكثر غرابة:
الخبر قد يُنتج ويُقرأ ويُعاد نشره داخل منظومات آلية قبل أن يمر بعين بشرية. شبكات من البرامج تتبادل المعلومات وتعيد تركيبها. الإعلام في هذه الحالة يتحول إلى نظام بيئي ذاتي الحركة.

هذا التطور يخلق أزمة فلسفية تتجاوز الصحافة نفسها. المجتمعات الحديثة قامت على فكرة “حقيقة مشتركة” يمكن النقاش حولها. زمن الميتاميديا يضع هذه الفكرة تحت ضغط هائل. الجمهور يعيش داخل بيئات معلوماتية مختلفة، كل بيئة تشكلها خوارزميات وتفضيلات خاصة. النتيجة تعددية في الوقائع نفسها.

المفارقة أن الحل لن يأتي من التكنولوجيا وحدها. القوانين والبروتوكولات قد تحد من الفوضى، إلا أن التحدي الحقيقي فكري وثقافي. المجتمعات تحتاج إلى تطوير حس نقدي جديد يفهم آليات المنصات والخوارزميات كما فهمت الأجيال السابقة آليات الدعاية السياسية.

بهذا المعنى يبدو زمن الميتاميديا مرحلة انتقال حضاري في تاريخ المعرفة. الإعلام لم يعد مجرد صناعة أخبار، بل أصبح بنية معقدة تصوغ إدراك البشر للعالم. ومن يفهم هذه البنية يمتلك مفتاح القوة في القرن الحادي والعشرين.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  حين تتحول المأساة السورية إلى "ستاند" ترويجي!
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  إسرائيل تخرق وقف النار.. أيُّ ردٍ للبنان، حكومة ومقاومة؟