دار حديثٌ بين صديقات اجتمَعن على إفطار رمضان في بيت إحداهن، تفاخرت أصغرهن بعباءة ابتاعتها خصيصًا للعزائم والزيارات، صيحة جديدة من الصيحات التي تظهر ليتكالب عليها الناس، ويصنعون منها ضرورة لا غنى عنها. قامت تريهن جمال النسيج والتطريز وتجيب عن تساؤلاتهن بشأن ثمنها وأماكن بيعها؛ لكن أخرى أفسدت موقف التباهي والإعجاب بتعليقها: "على إيه؟ اللقمة في بطن جائع خيرٌ من بناء ألف جامع". توتَّر الجوّ قليلًا وتحوَّلت العباءة إلى مصدر شدّ وجذب؛ فقامت المُضيفة الأكبر سنًا لتأتيَ بأطباق القطائف والكنافة وتصبَّ الشاي؛ لعل الحلوى تلطّف الأمزِجةَ وتخفّف من حِدَّة الاشتباك.

لترتيب الأولويات أهمية لا تنكر؛ فالمرء متى أدرك احتياجاته وصنفها تبعًا لمكانتها ومردودها واستبعد الزوائد، حقّق مبتغاه عبر أقصر الطرق. بعض الناس يصرفون ما في جيوبهم على مباهج تسرُّهم ويتغافلون عن أساسيات الحياة ثم يفاجأون حين يجدون أنفسهم في مأزق، فيما آخرون يحددون أهدافهم بدقة ويضعون قائمة لا يعبثون بمحتوياتها مهمًا جرى. على كل حال باتت مساحة التحرُّك ضيّقة في الآونة الأخيرة، واقتصرت الأولويات على الحدود الدنيا التي يمكن أن يحيا ضمنها إنسان.

***

الأولوياتُ المنطقية في عرفِ الحكومات الرشيدة ترتبط بانتشال الناس من براثن الفقر، وبتوفير مظلةٍ مقبولة من السَّتر والصحة والتعليم للجميع، أما بناء الجسور وتشييد الأبراج وتصميم مدن الملاهي والبحيرات، ففي جعلها على رأس القائمة ما يثير الدَّهشةَ ويستَدِر الشَّفقة ويَستجلِب السُّخط. موسوعةُ الأرقام القياسية (جينيس) لا تحسّن مَعيشةَ البشر ولا تُغنيهم من جُوع، والحالُ أن الأولويات لا ينبغي أبدًا أن تُعطى لأعمال التجمُّل والتفاخُر والتباهي، والأجدى أن تستهدفَ تحقيقَ شيءٍ من العدالة في توزيعِ الثروة.

***

يؤكد الموروث الدينيّ أن “دَرء الضَّرر مُقدَّم على جَلبِ المَنفعة”، بينما يضع فِقه الأولويات الأهمَ قبل المُهم، والأوجَب قبل الواجِب، والوَاجب قبل المُستحَب، والأصل قبل الفرع، والحق أن الضَّررَ الناتجَ عن أحوال الفاقة والعَوَز لا يعادله ضَررٌ آخر، فالمرءُ متى اختبرهما وقاسى سعيرهما، انكسرت روحه وفترت همتُه، ولا شكّ أن استبقاء الناس في القاع والمنّ عليهم بالفتات، وإشعارهم بأن وجودهم عبءٌ على الدولة، وأن مراعاة حقوقهم فضلٌ لا فرض، يورثهم إحساسًا مريرًا بالهوان والظلم.

***

تجهر الحِكمةُ الشعبية بأن: “اللي يعوزه البيت يحرم ع الجامع”، وفيها درس بليغ في تقييم الأولويات. كفاية الفرد من الطعام والشراب والعلاج مقدمة على أي شيء ولو بدا مقدسًا، بل أن الجوعَ في الموروث الديني يعفي من عقوبة السرقة المعلومة، وهرم ماسلو الشهير الذي تتراص فيه الاحتياجات الأساسية لأي إنسان؛ يضع الأكل قاعدة أولى تتراص فوقها الدرجات، إلى أن تأتي القمةُ وفيها يتحقَّق الإشباع النفسيّ والمعنوي. إن غابت القاعدةُ لم يُمكن بناءُ الهَرم، وإن تعثَّر البناءُ كان إيذانًا بخراب وشيك.

***

يُقال إن: “الحيّ أبقى من الميت” وذاك مما لا جدال فيه، فمن غادر الدنيا لم يعد بحاجة لمقتضياتها، والحِكمةُ تنسحبُ على مواقف متفاوتة لا تشترط ثنائية الحياة والموت بحرفيتها؛ فكم من موقف عصيب اضطر فيه طبيب لإنقاذ مصاب وترك آخر بناء على تقديره لمقومات الاستمرار التي يملكها كلٌّ منهما؛ ومن ظهر بصيصُ أمل في نجاته كان أولى بما توفر من جهود، ومن دخل طور الاحتضار طُلِبَت له الرَّحمة. كثيرًا ما شاهدنا في الدراما مشهدًا يختار فيه الطبيب الإبقاء على حياة الأم وترك جنينها لمصيره؛ وضع مؤلم معقد؛ لكن الأولى بالحياة مَن هو عليها بالفعل.

***

بعض الناس يقدمون مظهرهم العام على متطلباتهم الشخصية من مأكل ومشرب؛ يحرصون بدأب على صورتهم، ويتجنبون أحاسيس الخجل التي تغمرهم بسبب الهيئة المتواضعة، ويسعون لحفظ ماء الوجه والبقاء في دائرة الاحترام المجتمعيّ بأي وسيلة. آخرون يقدمون الطعام على ما عداه من بنود؛ إذ يدركون أن الجوع كافر وأن إسكات صوت البطون الخاوية أهم مما سواه، قسم ثالث همُّه الأول أن يحقق للأولاد مستوى دراسي مقبول، ولو اقتصد من مخصصات العلاج أو اقتطع من الزاد والقوت؛ طامحًا لأن يستكملوا تعليمهم. أمل الترقي في السلم الاجتماعي يحث الناس على انتهاج ما لاح أمامهم من وسائل وعلى سلوك ما تبدى من دروب؛ ولو لم تكن آمنة ولو خالفت ما اعتقدوا فيه زمنًا.

***

ضمن النظام العالمي الذي يعاد تشكيله الآن، تتبلور الأولويات حول اقتناص أي فرصة لتسيد الآخرين ومراكمة الميزات الشخصية والثروات. رجل الأعمال الذي يحكم أكبر دولة ويتحكم في واحد من أعظم الاقتصادات، لا ينفك يبحث عن هدية هنا وتكريم هناك، لا يخجل أو يستحي من الطلب والسؤال؛ فإن لم ينل غرضَه باللسان، أعمل اليد ولوَّح بالسلاح وحرَّك الجنود. العجب ليس فيما يرتكب فقط؛ بل أن يجد من يسمع ويطيع، ومن يمضي في ركابه فيُهلّل له ويمدح مسلكه. تحوَّل القادة في بلاطه إلى مريدين؛ يبحثون بدورهم عن مصالح شخصية ضيقة، يطمحون لتحقيقها بفضله وتحت رعايته، بقاؤهم مرتبط بوجوده، وبقاؤه صمام أمن يحفظ سلطاتهم، والظن أن سقوطهم مرهونٌ أيضًا بسقوطه.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  "بيروت أند بيوند".. مختبر موسيقي شبابي لا ينطفىء
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  في الخَوْف