من جنيف إلى هرمز.. كيف تُدار لعبة شد الحبال بين واشنطن وطهران؟

في 27 شباط/فبراير 2026، لم تسقط المفاوضات في جنيف، ولم تُفتح أبواب الحرب، ولم يُسجَّل «انهيار تاريخي» كما روّجت بعض المنصات. ما حدث كان جولة شاقة بلا اختراق نهائي، أعقبها قرار باستكمال المسار التقني في فيينا. بين هذا الواقع الهادئ نسبيًا والسرديات المتفجرة على وسائل التواصل، مسافة واسعة تكشف أزمة أعمق: أزمة قراءة سياسية في زمن التضخيم الرقمي.

المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران لم يكن يومًا خطًا مستقيمًا. هو عملية شدّ حبال محسوبة، لكل طرف فيها جمهوره الداخلي وحساباته الاستراتيجية وحدوده القصوى. الإدارة الأميركية تدخل الجولة مثقلة بإرث الانسحاب من اتفاق 2015، وبضغوط الكونغرس، وبهاجس عدم منح إيران مكسبًا مجانيًا. في المقابل، تفاوض طهران تحت وطأة عقوبات خانقة، لكنها ترفض أن يظهر أي اتفاق كأنه تنازل سيادي أو تفكيك لركيزة ردعها السياسية.

العقدة الجوهرية لم تتبدل: التخصيب مقابل العقوبات. واشنطن تريد تقليصًا فعليًا لقدرة إيران على إعادة بناء برنامجها النووي بسرعة، مع نظام رقابي صارم يطيل «زمن الاختراق». طهران تريد اعترافًا عمليًا بحقها في برنامج نووي مدني، وضمانات بعدم تكرار سيناريو الانسحاب الأميركي من الاتفاق، ورفعًا ملموسًا للعقوبات، لا وعودًا مؤجلة. بين هذين السقفَين تتحرك التفاصيل التقنية: نسب التخصيب، حجم المخزون، آليات التفتيش، جداول التنفيذ، ومراحل تخفيف القيود المالية إلخ..

في هذا النوع من المفاوضات، لا معنى للعبارات المسرحية من قبيل «غادر بعد دقائق» أو «أنهى الاجتماع على وقع توتر». حتى لو اختصر أحد الوفدين جلسة أو علّق النقاش في مرحلته الأولى، فإن المسار لا يُقاس بلحظة انفعال، بل بما يتبعها من قنوات خلفية، واجتماعات تقنية، وصياغة مقترحات مكتوبة. وجود عُمان كوسيط ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل عنصر توازن يسمح لكل طرف بالتراجع خطوة من دون أن يظهر بمظهر المنكسر. لذلك، فإن الانتقال إلى فيينا يعني أن النقاش دخل مستوى الأرقام والصيغ، أي حيث تُبنى التسويات الفعلية.

الضجيج الإعلامي ليس عفويًا. جزء منه تحرّكه حسابات لا ترى مصلحة في نجاح المسار. على منصة X، يعكس الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد في مداخلاته تشكيكًا مستمرًا بإمكان الوصول إلى تفاهم مستقر، مع تركيز على سيناريوهات التصعيد والضغط الأقصى. هذا الخطاب الإسرائيلي يتقاطع مع اتجاهات داخل واشنطن تعتبر أن أي اتفاق جديد سيمنح طهران متنفسًا استراتيجيًا.

وفي السياق الأميركي الداخلي، يبرز تعليق الإعلامي تاكر كارلسون (Tucker Carlson)، الذي اعتبر في برنامجه (Tucker Carlson Show) أن الدفع نحو مواجهة مع إيران لا ينفصل عن اعتبارات إسرائيلية، وأن ثمة تحوّلًا متدرجًا داخل المجتمع السياسي الأميركي قد يجعل من الصعب مستقبلًا توفير غطاء مطلق لأي خيار عسكري. كلام كارلسون لا يغيّر موازين التفاوض، لكنه يعكس انقسامًا متناميًا في الداخل الأميركي بين تيار يرى في استمرار الضغط الأقصى ضرورة استراتيجية، وآخر يحذّر من كلفة الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة في الشرق الأوسط.

هذا الانقسام يتردد صداه في بعض وسائل الإعلام الأميركية. افتتاحيات “وول ستريت جورنال” تميل إلى مقاربة صارمة لكل الملفات مع إيران، فيما تعتمد “فوكس نيوز” لغة أكثر حدّة تربط أي تسوية محتملة بفكرة «التراجع أمام الخصوم». في المقابل، تنشر “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز” مقالات تحذّر من تكرار تجربة 2015 من دون ضمانات إضافية، ما يعكس انقسامًا داخل النخبة الأميركية حول حدود الممكن والمقبول.

هكذا يتحول الفضاء الإعلامي إلى ساحة ضغط موازية لطاولة التفاوض. العناوين تُصاغ بلغة حاسمة، وكل جولة تُقدَّم إما كاختراق تاريخي أو كصفعة دبلوماسية. هذا المناخ لا يؤثر فقط في الرأي العام، بل يقيّد هامش الحركة أمام صنّاع القرار، ويجعل أي مرونة تفاوضية عرضة لاتهامات فورية بالضعف.

الواقع أكثر برودة. الولايات المتحدة، مهما ارتفعت نبرتها، تدرك أن أي انزلاق عسكري واسع ستكون كلفته أمنية واقتصادية وسياسية داخلية. وإيران، مهما لوّحت بأوراق الضغط، تدرك أن توسيع الاشتباك سيعيد خلط الأوراق بطريقة قد لا يمكن التحكم بها. من هنا، يبقى التفاوض خيارًا عقلانيًا للطرفين، حتى لو ترافق مع استعراض قوة لفظي وعسكري.

جنيف لم تكن انتصارًا لأحد ولا هزيمة لأحد. كانت محطة إضافية في مسار طويل تحكمه حسابات الردع بقدر ما تحكمه معادلات الاقتصاد والعقوبات. الباب لم يُغلق، لكن التسوية ليست قريبة. بين الضجيج والوقائع، تبقى الحقيقة أبسط: لا حرب وشيكة في الأفق القريب، ولا اتفاق سريع في المتناول. هناك توازن دقيق يحاول فيه كل طرف انتزاع أفضل صيغة ممكنة من دون دفع أثمان لا يحتملها. وفي عالم مضطرب، أحيانًا يكون استمرار الجلوس إلى الطاولة إنجازًا بحد ذاته، حتى لو لم يُعلَن عنه كذلك.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  صحوة رواندا بين اتهام فرنسا ومعانقة إسرائيل!
أكرم بزي

كاتب وباحث لبناني

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  الإكتفاء الذاتي في الصين.. معركة مع الداخل والخارج!