وبالفعل شهدنا مفاوضات من حزيران/يونيو 2025 حتى الأسبوع الماضي أو نهاية شهر شباط/فبراير الماضي، بين الأميركيين والإيرانيين، بشكل غير مباشر وأحيانًا بشكل مباشر، ولو «مقيّدًا» وغير معلن رسميًا. لكن يبدو أن تلك المفاوضات لم تستطع ردم الفجوة بين المطالب الأميركية (صفر تخصيب) والإيرانية (قبول إيران بقيود أكبر بشأن البرنامج النووي مع الاحتفاظ بحق التخصيب، حسب ما هو متفق عليه ومعمول به سابقًا)، مع التذكير بملفّين آخرين لم يحدث أي بحث جدي بعد بشأنهما، وهما برنامج الصواريخ البالستية وما يُعرف بدور «الوكلاء» أو الأطراف الحليفة لإيران ودورها في «لعبة النفوذ» في الإقليم.
موضوعان رفضت إيران أساسًا إدراجهما على طاولة المفاوضات. نحن اليوم أمام سيناريو الحرب الشاملة في الجغرافيا، والتصعيد غير المقيّد، ودخول أطراف جديدة في المواجهة على الأرض أو في اتخاذ «مواقف حربية».
سيناريو توقّعه البعض ولم يتوقّعه الكثيرون، مع العمليات العسكرية الإيرانية، أيا كانت محدوديتها أو أهدافها «الانتقائية»، في دول الخليج العربية، كما تقول طهران. أعمال عسكرية كان من أوائل ضحاياها العلاقات الإيرانية الخليجية وما أصابها من توتر مفتوح على التصعيد. توتر ما زال مقيّدًا نسبيًا، ولو كان يشكّل تحوّلًا سلبيًا في العلاقات بعد العودة التدريجية للتطبيع واستعادة شيء من الحرارة في العلاقات الإيرانية مع الدول الخليجية، ولو بدرجات متفاوتة بين الدول المعنية.
ولا بد من التذكير بالدعم المتكرر للدول الخليجية للحل السياسي والدبلوماسي للصدام والخلافات الأميركية–الإيرانية التي أشرنا إليها سابقًا. إسرائيل هي المستفيدة الأولى من هذه الحرب المفتوحة في الزمان والمكان والأهداف.
وعلى صعيد آخر، فإن ما حصل من إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو أماكن محددة غير مأهولة في شمال إسرائيل اعتبره البعض بمثابة «رسالة تضامن ضرورية» مع إيران، وليس إحياءً لاستراتيجية «وحدة الساحات» بما تحمله من كلفة كارثية على لبنان كما شهدنا، ومع استمرار إسرائيل في حربها المنخفضة والمتقطعة بالقوة النارية، برغم اتفاق وقف الأعمال العدائية (اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024) الذي لم تلتزم به إسرائيل أساسًا. لكن الخطر اليوم يتمثل في إمكانية إعادة إحياء «استراتيجية وحدة الساحات» التي ما زال لبنان يدفع ثمنها، والتي تحذر منها السلطات اللبنانية ومن مخاطرها وتداعياتها.
يقول البعض إن إسرائيل ليست بحاجة إلى حجة معيّنة للعودة إلى الحرب على الجبهة اللبنانية. لكن توفير الحجة لإسرائيل يضعف الموقف اللبناني الرسمي، والشعبي الواسع، في العمل على إبقاء لبنان خارج هذه الحرب، في بلد دفع الكثير في حروبه التي غذّتها دائمًا «حروب الآخرين»، عندما تحوّل لبنان إلى «صندوق بريد» لتبادل الرسائل بين الفاعلين الإقليميين والدوليين في كل مرحلة من تاريخ الحروب على أرضه.
وتبقى المخاوف قائمة من الانزلاق مجددًا نحو السقوط في استراتيجية «وحدة الساحات»، في ظل توسّع الحرب والمواجهة المباشرة وغير المباشرة من الخليج إلى الإقليم الشرق أوسطي، بما قد يدفع في هذا الاتجاه. خلاصة الأمر أننا نشهد اليوم حربًا متعددة الأهداف والآفاق (بشأن مفهوم التسوية المقبولة عند الفرقاء المعنيين)، ولا ندري بعد ماذا يخبئ الغد لمسار التحولات الحاصلة والمتشابكة والمتسارعة على صعيد الشرق الأوسط.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
