“نيويورك تايمز”: أميركا تدفع ثمن حربها المتهورة على إيران

تهور الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شنّ حربٍ على إيران أدّى إلى صدمة حقيقية في أسواق النفط العالمية، وجعل الولايات المتحدة الأكثر تضرراً من أي قوة عُظمى أخرى. إن ارتفاع الأسعار بشكل صادم كشف هشاشة الاقتصاد الأميركي المعتمد بشكل كبير على النفط، وزاد من المخاطر الاقتصادية والعسكرية في الخليج. وهذه الأزمة تعكس تكلفة القرارات المتهورة على الأمن الوطني والاقتصادي، وتُبرز الحاجة المُلحة لإعادة النظر في سياسات ترامب، بحسب "النيويورك تايمز".

أدّى العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران إلى تقلبات حادّة في أسعار النفط التي تخطّت أحياناً حاجز الـ100 دولار. فناقلات النفط تتردّد في عبور مضيق هُرمز- الممرٌ المائيٌ الحيوي والهشّ على حدٍ سواء- الذي تمرُّ عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. ولضمان استمرار تدفّق النفط من المنطقة، تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوفير حمايةٍ بحريةٍ أميركية للسفن العابرة للمضيق، “إذا اقتضت الضرورة”!

ليست هذه فكرة جديدة، بل هي امتداد لتعهد قطعه سلفه الرئيس جيمي كارتر عام 1980 بـ”الدفاع” عن الخليج العربي في أعقاب الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وهي تعهدات تفاقمت مع الغزو السوفيتي لأفغانستان، ما زاد المخاطر التي تهدّد إمدادات النفط العالمية. وقد أفضى “تعهد كارتر” إلى إنشاء القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)(*)، وأصبح المبرّر الرئيسي لوجود عسكري أميركي دائم في المنطقة.

لكنّ التمرّكز العسكري الأميركي طويل الأمد لم ينجح في منع إيران اليوم (وفي الأمس القريب) من مهاجمة سفن الشحن الأميركية وغير الأميركية (من الدول المشاركة في العدوان عليها) في الخليج العربي، بل أسهم أيضاً في تثبيط الاستثمار في شبكة عالمية أكثر قوة ومتانة لنقل النفط، ما مهّد الطريق للارتفاع الحادّ والمخيف في أسعار النفط اليوم. ومع تطوّر الأزمة الإيرانية، تمتلك الولايات المتحدة خيارات أفضل من مضاعفة الرهان على “نهج كارتر”، غير أنَّ هذه الخيارات تتطلّب فهم نقطة الضعف الخاصَّة بالولايات المتحدة ومعالجتها، وهي أنها الأكثر عرضة لصدمات أسعار النفط من أي قوة عُظمى أخرى، بما فيها الصين.. وهذه بحدّ ذاتها نقطة ضعف كبيرة جداً.

أميركا الأكثر تضرراً

قد يتفاجأ الكثير من الناس، وخصوصاً الأميركيون، عند سماع هذه الحقيقة. فالولايات المتحدة هي أكبر مُنتج للنفط في العالم ومُصدر صافٍ له (أي أنَّ صادراتها تفوق وارداتها). لكن النفط يُتداول في سوق عالمية بسعر سوقي موحّد. والخُبراء يشبّهون سوق النفط بحوض استحمام ضخم يحتوي على صنابير ومصارف متعددة. ويُحدد سعر النفط الإجمالي بمستوى النفط في الحوض – بالإضافة إلى توقعات السوق حول ارتفاع هذا المستوى أو انخفاضه. وينطبق هذا حتى على الدول التي تضخُّ   كميات كبيرة من النفط الخام في الحوض (وتُصدّره)، مثل الولايات المتحدة.

ترامب يكرّر خطأ كارتر بشأن إيران والنفط.. وحربه المتهورة فاقمت تقلبات الأسواق العالمية وكشفت ضعف واشنطن الاستراتيجي.. وأرجأت إعادة عشرات الآلاف من القوات المتمركزة في الخليج إلى أجل غير منظور

كل دولة تعتمد على النفط تتأثر بتقلبات الأسعار، لكن الولايات المتحدة تتأثر أكثر من غيرها. يتميز الاقتصاد الأميركي باستهلاكه المرتفع للنفط؛ إذ يحتاج إلى كميات كبيرة منه لإنتاج كل دولار من ناتجه المحلي الإجمالي. ويعتمد الاقتصاد الأميركي على النفط بنسبة تزيد عن 40 بالمائة مقارنةً بالاقتصاد الصيني، رغم أنَّ الصين مُستورد صافٍ للنفط (أي أن وارداتها تفوق صادراتها)، وتستورد معظمه من دول الخليج العربي، بما فيها إيران. أما اقتصاد الاتحاد الأوروبي، فاعتماده على النفط نصف اعتماد الاقتصاد الأميركي. وحتى روسيا، وهي دولة نفطية، تعتمد على النفط بنسبة أقل بنحو 20 بالمائة من الناتج الاقتصادي مقارنةً بالولايات المتحدة.

لا تزال الصين دولة نامية في جوانب عديدة. فالدول النامية عادةً ما تستهلك كميات من النفط أكبر من تلك التي تستهلكها الدول الصناعية المتقدمة. ومع ذلك، أدركت الصين، منذ سنوات، مدى هشاشتها الاستراتيجية أمام صدمات تقلبات أسعار النفط، ولذا تعمل على تقليل هذا التأثر بشكل منهجي، ليس عبر بناء سفن حربية، بل من خلال السيارات الكهربائية وخطوط السكك الحديدية الكهربائية فائقة السرعة. ويبدو أن استهلاك الصين من البنزين قد بلغ ذروته في عام 2023، أي قبل توقعات المحللين بفترة طويلة. ووفقاً لتحليل أجرته “بلومبيرغ. إن. إي. إف.” (وهي وحدة أبحاث الطاقة التابعة لشركة بلومبيرغ) فإن نحو ثلثي السيارات الكهربائية المُباعة عالمياً في عام 2025 تم شراؤها من الصين، ومن المتوقع أن تتجاوز مبيعات السيارات الكهربائية الصينية خلال عامٍ واحدٍ إجمالي مبيعات سوق السيارات الأميركية.

من المتوقع أن تتفاقم مشكلة اعتماد الولايات المتحدة على النفط مقارنةً بالصين. فقد ألغت إدارة ترامب الدعم الحكومي للسيارات الكهربائية، وثبَّطت الاستثمار في البُنية التحتية لشحنها، وخفَّفت معايير كفاءة استهلاك الوقود في البلاد. كما خفَّضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها بشأن انتشار السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة بشكلٍ حادٍ، لتصل إلى 20 بالمائة فقط من مبيعات السيارات الأميركية الجديدة بحلول عام 2030، مقارنةً بأكثر من 40 بالمائة في ظلّ السياسات السابقة. ومن المتوقع أن تبلغ النسبة حوالي 80 بالمائة في الصين.

أقل اعتماداً، أقل توتراً

إذن، ما الذي ينبغي على واشنطن فعله الآن؟

إقرأ على موقع 180  البعدُ "الصّوفي ـ العِرفاني" للدّين: ثلاثيّة الشريعة-الطريقة-الحقيقة (2)

على المدى القريب، يمكن للحكومة الأميركية طمأنة الأسواق عبر سحب النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي، الذي أُنشئ لمثل هذه الظروف. ويحتوي الاحتياطي، حالياً، على نحو 415 مليون برميل، ويمكن بدء عمليات التسليم خلال أسبوعين. وقد ساعدت جميع عمليات السحب الطارئ السابقة – خلال حرب الخليج عام 1991، وإعصار كاترينا، والغارات الجوية لحلف “الناتو” على ليبيا، والغزو الروسي لأوكرانيا – في استقرار الأسواق العالمية.

كان ينبغي على البيت الأبيض التخطيط لسحب طارئ من الاحتياطي قبل الشروع في شنّ عدوان مُتهور على إيران، لا سيما بعد اعتراف وزير الخارجية ماركو روبيو، الأسبوع الماضي، بأن المسؤولين توقعوا ارتفاعاً حاداً في الأسعار خلال الحرب. ويشير هذا التأخير إلى أن إدارة ترامب كانت مُفرطة في الثقة من أن الحرب ستنتهي سريعاً، وحتى قبل أن تنعكس على أسعار النفط وأسواقع.

ينبغي على الولايات المتحدة تنسيق إطلاق احتياطياتها النفطية مع الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، التي تمتلك مُجتمعةً نحو 1.2 مليار برميل في مخزوناتها الحكومية (أي الاحتياطيات الاستراتيجية التي تحتفظ بها لمواجهة أي أزمة في الإمدادات). ويبلغ إجمالي مخزونات النفط العالمية، بما في ذلك المخزونات الحكومية وتلك التي تحتفظ بها الشركات الخاصة، نحو 8.2 مليار برميل، وهو ما يكفي، نظرياً، للتعويض عن إغلاق مضيق هُرمز بالكامل لأكثر من عام. ويمكن السيطرة على أزمة الطاقة الحالية، سواء تدخلت البحرية الأميركية في هُرمز أم لم تتدخل، لا سيما إذا تضافرت جهود الحكومات.

إن الوعد بالتدخل العسكري الأميركي لحماية نفط الخليج، كما فعل كارتر في ثمانينات القرن الماضي، يبعث بإشارة سلبية. فقد شجَّع ذلك سوق النفط على الاعتماد المفرط على مضيق هُرمز. ولو لم يفعل ذلك، لكانت لدى شركات النفط والحكومات أسباب أكثر لتنويع طرق نقل نفط الشرق الأوسط، سواء عبر خطوط الأنابيب أو السكك الحديدية إلى الموانئ المطلة على البحر الأبيض المتوسط ​​أو البحر الأحمر.

على المدى الطويل، تحتاج الولايات المتحدة إلى أن اتباع ما بدأت الصين بتنفيذه بالفعل: الاستثمار في السيارات الكهربائية.

أصبح إنتاج الكهرباء في الولايات المتحدة مستقلاً عن النفط بنسبة تزيد عن 99 بالمائة، إذ يعتمد بدلاً من ذلك على الفحم والغاز الطبيعي والطاقة النووية والطاقة المتجدّدة. ومن شأن تحويل أسطول وسائل النقل الأميركية إلى الكهرباء أن يقلّل اعتماد الولايات المتحدة على النفط بشكلٍ كبيرٍ، ويحدُّ من تقلبات أسعار النفط الناتجة عن الأزمات في الخليج العربي وروسيا ودول أخرى.

لا ينبغي ربط التحول من محركات البنزين والديزل بالسياسات الحزبية السامّة المتعلقة بتغير المناخ. ويُعدّ التحول إلى الكهرباء أمراً بالغ الأهمية للولايات المتحدة لمعالجة نقطة ضعف استراتيجية تعمل منافساتها (الصين) على معالجتها بالفعل. فإذا قلّ اعتماد الولايات المتحدة على النفط، فلن تضطر للإنشغال كثيراً بالخليج العربي، بل سيصبح ذلك سبباً إضافياً لإعادة عشرات الآلاف من القوات الأميركية المتمركزة هناك.

ترجمة بتصرف عن “نيويورك تايمز“.

– مقال الرأي بقلم الدكتور روز ماري كيلانيك، مديرة برنامج الشرق الأوسط في منظمة “أولويات الدفاع”، متخصصة في شؤون الأمن والطاقة والسياسة الأميركية.

(*) تأسست “سنتكوم” عام 1983، وتختص بالإشراف على العمليات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط وشمال شرق إفريقيا وجنوب آسيا. وتعمل على حماية المصالح الأميركية في المنطقة، وضمان أمن الممرات الحيوية مثل مضيق هُرمز.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  لبنان.. هل جاء زمن "النّزول الجماعيّ عن الشّجرة"؟