ثمّة الكثير مما يمكن كتابته عن أداء السلطات السياسية اللبنانية المتعاقبة، لكن هذه الحرب الإقليمية الدائرة حاليًا في لبنان، بفعل قيام حزب الله بتحويله إلى ساحة لدعم إيران في صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل على الهيمنة في المنطقة، تعيدنا إلى مقاربات وأحداث تبرز الخلل المزمن الذي يعاني منه لبنان، والذي لم تعالجه أي اتفاقيات أو تسويات او مصالحات شكلية.
***
من خلال مراجعة سريعة لتاريخ لبنان الحديث، من السهل توقّع سقوطه في دوامة من العنف والأحداث والأزمات والحروب. ذلك أن السلطات والعهود المتعاقبة، لم تتحمّل يومًا مسؤولية القرار أو جرأة وكلفة فرضه. بل إن السلطات، على اختلافها، اتخذت لنفسها وظيفة إدارة الأزمات بدل معالجة جذورها، والالتفاف على الوقائع بدل مواجهتها، وانتظار التسويات والمساعدات الخارجية بدل تحمّل المسؤولية. وهكذا بات لبنان، بشعبه وقياداته المتعاقبة، أسير فشله وتفككه وانقسام شعبه وتناحره على العناوين نفسها ولكن بمسمّيات مختلفة.
لا بدّ وأن تنتهي هذه الحرب، وفي حال نجا لبنان منها، سيكون أمام اللبنانيين الكثير من العمل، وأولُه المصارحة الفعلية، ومراجعة النصوص، وتكريس القانون، والتخلص من بدعة الأعراف والميثاقية التي أفرغت الدولة من وظيفتها وكيانها
وليس من الصعب تحديد مكامن الخلل وأسباب هذا الفشل في طبيعة النظام اللبناني وما أنتجه من مأسسة للفساد والطائفية، دائمًا باسم الميثاقية والعيش المشترك، وصولًا إلى غياب المصارحة والمصالحة الحقيقية حول حقبة الحرب الأهلية حتى يومنا هذا. لذلك، ليس من الغريب التذكير بأن لبنان ما يزال يعيش فصولًا من تلك الحرب التي انتهت بتسوية هشّة قائمة على التوازنات الخارجية وعلى مأسسة الفساد، بحيث أن أي خلل في أحد أركانها يؤدي إلى اهتزاز الساحة الداخلية اللبنانية كما حدث ويحدث اليوم، وصولًا إلى خطر السقوط الكلّي الذي نقترب منه عند كل أزمة أو استحقاق، أو ربما وصلنا إليه فعلًا.
***
اليوم، أدخل حزب الله لبنان في الحرب دعمًا لإيران، راعيته عقائديًا وماليًا وسياسيًا، وهذا باعتراف مسؤوليه وصولًا إلى تصريح المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي. كذلك، وكما أشير في مقالات سابقة، يحاول حزب الله فرض وقائع سياسية جديدة في لبنان عبر تكريس المثالثة بحكم القوة وفائضها. فكما كرّس التوقيع الثالث لوزارة المالية بعد أحداث 7 أيار (مايو) 2008، يعلن اليوم أنه يريد تعديل ميزان القوى وفرض وقائع جديدة، ليس فقط في ما يتعلق بالصراع مع إسرائيل، بل أيضًا في السياسة الداخلية اللبنانية، بحيث يفرض نفسه طرفًا مفاوضًا إلى جانب الدولة اللبنانية. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى نتائج كارثية، وصولًا إلى تكريس المثالثة في اتخاذ القرار بحكم القوة لا بحكم القانون.
أما بالنسبة إلى ميزان القوى مع الاحتلال الإسرائيلي في ساحة لبنان، في سياق الصراع بين محوري إيران وأميركا/إسرائيل، فقد كانت إسرائيل تحتل سبع نقاط حدودية في جنوب لبنان، غير أنها، حتى كتابة هذه السطور، باتت تحتل ثماني عشرة نقطة وتتحضّر لفرض منطقة عازلة بعمق يتراوح بين 10 و15 كيلومترًا في الجنوب وصولًا إلى البقاع الغربي والمصنع، بالإضافة إلى استكمال تدمير الضاحية الجنوبية لبيروت ومختلف القرى الجنوبية والمناطق البقاعية. كما نتج عن إدخال لبنان في هذه الحرب ما يقارب المليون نازح (من المسجّلين فقط)، ونحو 700 شهيد وألفي جريح. وبالتالي، فإن الوقائع الميدانية حتى الآن لا تشير إلى تبدّل في ميزان القوى لصالح حزب الله، بل إلى خسائر إضافية سيتحمّل لبنان الرسمي والشعبي تبعاتها.
أمام هذا الواقع، وأمام استمرار تحدّي حزب الله للدولة اللبنانية وانقلابه على الدولة والقانون، تبرز مخاوف كثيرة بشأن مصير الدولة بحدودها الطبيعية، وحول خطر إعادة «تلزيم البلد» إلى قوى خارجية بسبب فشل الدولة اللبنانية في فرض قراراتها وسلطتها، إضافة إلى الانقسام العميق المتمادي في المجتمع اللبناني.
***
تتعاظم المخاوف اللبنانية يوماً تلو يوم وتُعيد إلى الأذهان ما جرى في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كان نظام حافظ الأسد يستخدم بعض الأحزاب اللبنانية، أو ما كان يُعرف بـ”حلفاء سوريا”، ولا سيما حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي، لتنفيذ عمليات أمنية في بيروت، منها اعتداءات ضد أحزاب وشخصيات بيروتية بهدف إحداث انقلاب سياسي وفرض ميزان قوى جديد على الساحة السنية خصوصًا واللبنانية عمومًا، إضافة إلى استهداف جنود وشخصيات أميركية. آنذاك، كانت سوريا تحرّك حلفاءها لتنفيذ هذه الأعمال ثم يتدخل الأسد الأب طارحًا نفسه وسيطًا لمعالجة هذه الأحداث، ولا سيما تلك المتعلقة بالأميركيين.
كما أنه، بعد انقسام المسيحيين وتقاتلهم الداخلي على الهيمنة والنفوذ في القرار، لجأ كل طرف إلى القوى الخارجية، فيما تقرّب معظمهم من اللاعب الأبرز آنذاك، أي سوريا، للحصول على مكاسب سياسية.
فعليًا، كان حافظ الأسد يوجّه رسالة إلى من يعنيهم الأمر، ولا سيما الأميركيين، مفادها أن ملف لبنان شأن سوري أيضًا، وأنه هو من يقرر في شؤونه السياسية والأمنية، بحيث لا يمر أي قرار أو ترتيب من دون موافقته. وكما هو الحال اليوم، كانت المنطقة آنذاك تشهد إعادة رسم لتوازنات دولية وإقليمية وسط حروب ونزاعات عديدة.
لذلك، وبعد فشل الدولة اللبنانية آنذاك في فرض سلطة القرار الواحد، وافقت الإدارة الأميركية، ضمن تسوية عربية وإقليمية ودولية، على «تلزيم» لبنان ووضعه تحت الوصاية السورية.
***
بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري في العام 2005، أتيحت للبنان الرسمي والشعبي أكثر من فرصة تاريخية لإثبات القدرة على بناء الدولة والمؤسسات بقرار وطني لبناني. لكن في كل مرة، وعند كل استحقاق، كان أهل الحكم في لبنان- وهم أنفسهم منذ الحرب الأهلية ولبنان ما بعد الطائف وحتى اليوم- يفشلون في مواجهة مشاكلهم وفي التصرف كرجال دولة ومؤسسات، فيبقى انتظار التسويات الخارجية هو السبيل الوحيد لمنع السقوط الكلي.
اليوم يستعيد لبنان مشهد الثمانينيات، وتلك الحقبة كانت امتدادًا لمسار سقوط الدولة الذي بدأ منذ العام 1969 مع اتفاق القاهرة، الذي استمرت مفاعيله حتى بعد إلغائه.
فقد عادت أحزاب ومجموعات، يتصدرها حزب الله، لتتبنى سياسة علنية في تحدّي الدولة اللبنانية- وهي جزء أساسي منها- وفرض وقائع سياسية جديدة، والتلويح بورقة الحرب الأهلية وانشقاق الجيش، في مشهد يعيد إلى الأذهان سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
آنذاك فقد لبنان سلطته وكيانه كدولة مستقلة ذات مؤسسات، وتحول إلى ساحة رسائل وتصفية حسابات إقليمية ودولية بين القوى المتصارعة. واليوم يقف لبنان أمام الخطر نفسه، ولكن في ظروف إقليمية ودولية مختلفة، حيث تشهد المنطقة من جديد إعادة رسم للخرائط، ولا ينجو فيها إلا الدول القوية بمؤسساتها ووحدة قرارها.
حتى الآن لم تقم الدولة بأي خطوة فعلية لمنع هذا الانزلاق مجددًا نحو الصدام الداخلي والتفكك الكلي لهيكل الدولة المتبقي وتماسك المجتمع. فعلى الرغم من القرارات والخطابات، ما يزال أركان الدولة غير قادرين على مواجهة كلفة القرار وكلفة أن تكون لنا دولة، لا بل يتصرفون كضحايا أو كوسطاء بين أطراف متنازعة.
***
لا بدّ وأن تنتهي هذه الحرب، وفي حال نجا لبنان منها، سيكون أمام اللبنانيين الكثير من العمل، وأولُه المصارحة الفعلية، ومراجعة النصوص، وتكريس القانون، والتخلص من بدعة الأعراف والميثاقية التي أفرغت الدولة من وظيفتها وكيانها.
أما الآن، فالمطلوب- ومهما كان الثمن- أن تطبق الدولة القرارات لحفظ ما تبقى من لبنان، قبل فوات الأوان.
