إيران والخليج العربي: الجوار القلق وصراع النفوذ

ليست العلاقة بين إيران والعالم العربي مجرد خلاف سياسي عابر، بل هي واحدة من أكثر معادلات الشرق الأوسط تعقيداً. فهي تقوم في الوقت نفسه على حتمية الجوار الجغرافي واستمرار التنافس على النفوذ والدور الإقليمي. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979 دخلت هذه العلاقة مرحلة جديدة تتداخل فيها الاعتبارات التاريخية والطائفية والأيديولوجية والأمنية، لتتحول تدريجياً إلى مزيج من الشك المتبادل والتنافس الحاد والتعايش القلق داخل فضاء إقليمي واحد.

قبل الثورة الإيرانية، كان يُنظر إلى إيران الشاهنشاهية بوصفها دولة إقليمية مهمة وحليفاً رئيسياً للغرب. لكن التحول الذي قاده النظام الوليد بزعامة آية الله الخميني نقلها إلى موقع استراتيجي مختلف تماماً، إذ أصبحت دولة تحمل مشروعاً سياسياً وأيديولوجياً يتجاوز حدودها، وتطرح نفسها نموذجاً ثورياً له امتداده في العالم الإسلامي. هذا التحول لم يُقرأ عربياً باعتباره مجرد تغيير داخلي، بل اعتُبر بداية مرحلة تسعى فيها طهران إلى فرض حضور أوسع في الشرق الأوسط. ومن هنا بدأ التوتر يتخذ طابعاً أعمق من خلاف سياسي عابر، ليتحول إلى صراع حول تعريف الدور الإقليمي وحدود النفوذ المشروع.

تشكلت هذه العلاقة المتوترة على خلفية تراكمات تاريخية وسياسية متداخلة. فالتفاعل العربي–الفارسي يمتد إلى قرون طويلة شهدت لحظات من التداخل الحضاري كما شهدت صراعات سياسية وعسكرية. لكن اللحظة المفصلية في الوعي الحديث للطرفين كانت الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، التي رسخت لدى الدول العربية الخليجية قناعة بأن إيران تسعى إلى توسيع نفوذها، بينما خرجت إيران من تلك الحرب وهي تحمل تصوراً بأنها لم تكن تواجه نظام صدام حسين وحده بل كل النظام الخليجي الذي كان يُريد احتواء إيران الثورة وربما إضعافها. ومنذ ذلك الوقت، تشكلت لدى الجانبين ذاكرة قائمة على عدم الثقة.

في هذا السياق لعب البعد الأيديولوجي دوراً مركزياً في زيادة التوتر. منذ السنوات الأولى للثورة الخمينية طرحت القيادة الإيرانية فكرة “تصدير الثورة”، وقدّمت نفسها حاملةً لمشروع سياسي وإسلامي يتجاوز الإطار الوطني وتم تغليفه بعنوان إسلامي (الوحدة الإسلامية) وعنوان عابر للفضاءات العربية والإسلامية (فلسطين والقدس). تضمنت الخطابات والوثائق الرسمية إشارات إلى دعم الحركات الإسلامية خارج إيران، وهو ما قرأته دول عربية عدة بوصفه تدخلاً مباشراً في شؤونها الداخلية ومحاولة لإعادة تشكيل المجال السياسي في المنطقة وفق رؤية إيرانية تتقاطع إلى حد كبير مع رؤية الإسلام السياسي السني. ومع مرور الوقت لم يبق هذا البعد في مستوى الخطاب فقط، بل اقترن بأدوات عملية تحولت إلى جزء من استراتيجية النفوذ الإيراني في الإقليم.

غير أن السياسة الإيرانية لم تبق أسيرة الشعارات الثورية وحدها، بل انتقلت تدريجياً إلى مقاربة أكثر براغماتية تقوم على بناء تحالفات غير تقليدية وتوسيع شبكات التأثير الإقليمي. وفي هذا الإطار برز دور “قوة القدس” في الحرس الثوري بوصفها فاعلاً أساسياً في تنظيم هذا الحضور، عبر دعم قوى ومجموعات سياسية وعسكرية في عدد من دول المنطقة. ومن المنظور الإيراني شكّلت هذه الشبكات خطوط دفاع متقدمة وأداة ردع في مواجهة الضغوط الغربية والإقليمية. أما من منظور كثير من الدول العربية فقد بدت هذه السياسة وسيلة لتقويض سيادة الدول وإضعاف مؤسساتها عبر دعم فاعلين غير حكوميين يعملون خارج الأطر الرسمية.

ولفهم هذا السلوك لا يكفي النظر إلى التحركات الإيرانية بوصفها ردود فعل آنية، بل ينبغي التوقف عند ما يمكن وصفه بالعقل الجيوسياسي الإيراني، المتشكل من ثلاثة عناصر متداخلة: الجغرافيا السياسية، الهوية الفارسية، والهوية المذهبية. فإيران تنظر إلى موقعها الجغرافي باعتباره مصدراً دائماً للتهديدات المحتملة، لا سيما في ضوء تجارب تاريخية تركت أثراً عميقاً في وعي نخبها السياسية. ومن أبرز هذه التجارب الانقلاب الذي أطاح بحكومة محمد مصدق عام 1953 بدعم خارجي، ثم الحرب العراقية الإيرانية التي عزّزت شعوراً آخر أكثر حدّة، وهو أن إيران قد تُترك وحدها في مواجهة خصومها إذا لم تعمل على بناء بيئة أمنية تتجاوز حدودها المباشرة ما يجعلها تدافع عن نفسها على أرض الآخرين وليس على أرضها. ومن هنا نشأت فكرة أن الأمن الإيراني لا يبدأ عند الحدود، بل في مناطق النفوذ الإقليمي، وهو الأمر الذي جعل طهران تتباهى بوضع يدها على عواصم عربية مثل بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء..

إلى جانب ذلك تحضر الهوية الفارسية بوصفها عنصراً مهماً في تشكيل الرؤية الإيرانية لدورها الإقليمي. فإيران ترى نفسها وريثة حضارات وإمبراطوريات تاريخية، وهو إرث يولّد لدى بعض نخبها إحساساً بأنها ليست مجرد دولة قومية عادية، بل قوة حضارية لها مكانة خاصة في المنطقة وربما في العالم. صحيح أن الخطاب الرسمي للجمهورية الإسلامية يركز غالباً على البعد الإسلامي، إلا أن الحضور الفارسي يبقى كامناً في التفكير الاستراتيجي حتى عندما يُصاغ بلغة دينية. ولذلك تبدو السياسة الإيرانية في كثير من الأحيان مزيجاً من القومية الفارسية والشرعية الإسلامية.

أما البعد المذهبي فيحتل مكانة مؤثرة لكنه لا يعمل بمعزل عن بقية العناصر. بعد الثورة الإيرانية، أصبحت إيران الدولة الشيعية ذات الثقل الأكبر في العالم المعاصر. ومع سقوط نظام صدام حسين وولادة النظام العراقي الجديد، حصل انزياح في تركيبة السلطة لمصلحة حلفاء إيران. هذا البعد المذهبي تحول إلى أداة لبناء التحالفات وتثبيت النفوذ في لبنان وسوريا واليمن وبعض فلسطين..

إقرأ على موقع 180  نظام التفاهة ومواسم جوع.. ستطول يا سادة

هذا التداخل بين الأيديولوجيا والجغرافيا والهوية الفارسية والهوية المذهبية أنتج سياسة إيرانية تتحرك بين خطاب ثوري من جهة وممارسة واقعية مختلفة من جهة ثانية. فإيران ترفع شعارات دعم الشعوب ومقاومة النفوذ الغربي، لكنها في الوقت نفسه تتخذ قرارات محسوبة وفق توازنات القوة ومقتضيات البقاء والنفوذ. وبذلك فإن التناقض الظاهري في سلوكها لا يعكس ارتباكاً بقدر ما يعكس مرونة استراتيجية تسمح لها بالتكيف مع الظروف المتغيرة، إذ لا تسعى دائماً إلى إنهاء الصراعات بقدر ما تعمل على إدارتها بطريقة تضمن حضوراً مستمراً وأوراق ضغط طويلة الأمد.

في المقابل، تنظر الدول العربية إلى هذا السلوك باعتباره مشروعاً توسعياً يتجاوز حدود الدفاع عن النفس. فالتدخل في ملفات مثل العراق واليمن وسوريا ولبنان، ودعم قوى مسلحة مختلفة، أسهم في ترسيخ صورة إيران بوصفها قوة تتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية. كما أدى هذا المسار إلى توسيع الفجوة بين الطرفين، لأن الخلاف لم يعد متعلقاً فقط بالمواقف السياسية، بل بطبيعة النظام الإقليمي نفسه.

هذه البيئة المتوترة دفعت بعض الدول العربية إلى البحث عن صيغ ردع جديدة، بما في ذلك بناء تحالفات غير تقليدية والتقارب مع إسرائيل في بعض الحالات، في محاولة لمواجهة تنامي النفوذ الإيراني. وبهذا المعنى لم يعد الصراع العربي–الإيراني شأناً ثنائياً فقط، بل أصبح عاملاً مؤثراً في إعادة رسم شبكة التحالفات في الشرق الأوسط. فكل توسع في دوائر النفوذ الإيراني يولد غالباً استجابات مضادة تسعى إلى خلق توازنات جديدة، ما يجعل الإقليم ساحة مفتوحة لإعادة التموضع المستمر، حتى بلغ الأمر حد تقديم العداء العربي لإيران على العداء التاريخي بين العرب وإسرائيل.

ومع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما أفرزته من تداعيات آنية، لا يبدو أن العلاقة تتجه مستقبلاًَ نحو شراكة حقيقية، ولا نحو مواجهة شاملة. هي أقرب ما تكون إلى حالة من التنافس الحاد والتعايش القلق، حيث يحرص كل طرف على منع الآخر من تحقيق تفوق كامل من دون الانزلاق إلى انفجار إقليمي واسع. وقد شهدت السنوات الماضية محاولات لخفض التوتر وإعادة فتح قنوات التواصل، لكنها لم تتحول إلى مصالحة دائمة لأن جذور الأزمة أعمق من أن تُعالج بإجراءات دبلوماسية محدودة على غرار “اتفاق بكين” عام 2023.

في الخلاصة، تعكس العلاقة بين إيران والعالم العربي تداخلاً معقداً بين التاريخ والجغرافيا والسياسة والأيديولوجيا والديموغرافيا. هي ليست مجرد خلافات على قضايا مرحلية، بل صراع ممتد حول تعريف من يملك حق التأثير في الإقليم العربي وعلى أي أسس يُبنى الاستقرار فيه. وقد نجحت إيران في ترسيخ نفسها قوة إقليمية مؤثرة، لكنها دفعت في المقابل ثمناً يتمثل في تعاظم الشكوك والعداء في محيطها العربي. وبين منطق النفوذ ومنطق السيادة، وبين ضرورات الجوار وحسابات الأمن، تبقى هذه العلاقة معلّقة بين احتمالين: استمرار التنافس بوصفه سمة دائمة في النظام الإقليمي، أو الانتقال مستقبلاً إلى صيغة أكثر توازناً تعترف بتعدد مراكز القوة من دون أن يتحول ذلك إلى مبرر لتفكيك الدول أو تهديد استقرارها.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  صراع الممرات.. الشرق الأوسط في قلب اللعبة الكبرى