حين يُصبح الدفاع تهديدًا.. صراع العرب وإيران على التعريف قبل النفوذ

لا تتحرك إيران والدول العربية ضمن نظام إقليمي مشترك، بل داخل عالمين متوازيين من التصورات والمفاهيم. كل طرف يمتلك لغة مفاهيمية خاصة به، تُحدّد ما هو الإقليم، وما الذي يُعد تهديدًا، وما الذي يعنيه الأمن أو السيادة. بناءً على ذلك، نحن أمام اختلاف في تعريف المصالح نفسها، وهذا ما يُفسّر كيف يمكن للفعل ذاته أن يُقرأ بطرق متناقضة تمامًا: ما تعتبره إيران إجراءً دفاعيًا مشروعًا، تراه الدول العربية تهديدًا لبنية النظام الإقليمي، والعكس صحيح في العديد من الحالات.

ضمن هذا الإطار، يتجلى التصور الإيراني للإقليم بوصفه فضاءً أمنيًا مفتوحًا ومتشابكًا، لا تقف حدوده عند الخطوط الجغرافية للدول. فالأمن، وفق هذا المنطق، لا يبدأ عند الحدود، بل قبلها، وقد يمتد إلى ما وراءها. لذلك، يصبح السعي إلى بناء شبكات نفوذ، أو دعم فاعلين محليين في دول أخرى، جزءًا طبيعيًا من استراتيجية الدفاع عن الأمن القومي، وليس خروجًا عنها. هذا الفهم لا يرى في الحدود السياسية حواجز صلبة، بل نقاطًا ضمن شبكة أوسع من التفاعلات الأمنية، حيث يمكن للتهديد أن يتشكل بعيدًا عن المركز قبل أن يصل إليه. ومن هنا، يصبح العمل في “العمق الإقليمي” ضرورة استراتيجية، وليس خيارًا توسعيًا بالمعنى التقليدي.

في المقابل، يقوم التصور العربي على منطق مختلف جذريًا، إذ يُفهم الإقليم بوصفه نظامًا من الدول المستقلة ذات السيادة، لكل منها حدود واضحة واحتكار مشروع لاستخدام القوة داخل أراضيها. في هذا السياق، لا يُنظر إلى الأمن باعتباره عملية ممتدة خارج الحدود، بل باعتباره مرتبطًا بشكل أساسي بحماية هذه الحدود ومنع أي اختراق لها. ولذلك، فإن أي تدخل خارجي، حتى لو تم تبريره بدوافع أمنية، يُعد تهديدًا مباشرًا لبنية الدولة وللنظام الإقليمي ككل. وبناءً على ذلك، لا تُفسَّر التحركات الإيرانية باعتبارها مجرد توسع في النفوذ، بل كإعادة تشكيل غير مشروعة لتوازنات السلطة داخل الدول العربية.

هذا التباين لا ينتج خلافات سياسية عادية، بل يؤدي إلى اختلاف أعمق في معنى الفعل السياسي ذاته. فحين يتحرك طرف ما وفق منطق يعتبره طبيعيًا وضروريًا لأمنه، قد يُنظر إلى هذا التحرك من قبل الطرف الآخر بوصفه انتهاكًا صريحًا لقواعد النظام. وهنا تكمن المشكلة الأساسية، إذ ليس هناك إطار مشترك يُحدد ما هو مشروع وما هو غير مشروع، أو ما هو دفاعي وما هو هجومي. وبغياب هذا الإطار، يصبح الخلاف غير قابل للحسم عبر الأدوات السياسية التقليدية، لأن هذه الأدوات تفترض مسبقًا وجود قواعد لعبة متفق عليها، وهو ما لا يتوفر في هذه الحالة.

ويزداد هذا التعقيد مع تحولات إقليمية شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، ساهمت في تعميق الفجوة المفاهيمية بين الطرفين. فقد أدى احتلال افغانستان (2001) ومن ثم سقوط نظام صدام حسين في العراق (2003) إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وأفسح في المجال أمام أنماط جديدة من التفاعل السياسي والأمني. كما ساهمت الأزمات الممتدة في سوريا ولبنان واليمن في خلق ساحات مفتوحة للتنافس غير المباشر، حيث لم يعد الصراع يدور بين دول بشكل مباشر، بل عبر فاعلين متعددين يعملون ضمن شبكات معقدة من التحالفات.

في خضم هذه التحولات، برز الخليج العربي كنقطة ارتكاز حساسة ضمن شبكة من التوازنات المتداخلة، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية بشكل كثيف. ولم يعد بالإمكان النظر إلى المنطقة باعتبارها مسرحًا لصراع ثنائي بين إيران والعرب، بل أصبحت ساحة تتداخل فيها عوامل عدة أبرزها عامل الحماية: إيران، من جهة، ترى نفسها امبراطورية فارسية عريقة بحضارتها ونفوذها، وفي الوقت نفسه، لديها شعور أنها مستهدفة ومحاصرة، وهذا الأمر تضاعف بعد انتصار الثورة الإيرانية الخمينية عام 1979، إذ أنها أيقظت مخاوف كل جيرانها، ولا سيما دول الخليج العربي الحديثة النشأة نسبياً، الغنية بمواردها النفطية، حالها كحال جارتها إيران، والتي تخشى من أي خطاب “ثوري” عابر للحدود من شأنه أن يهز استقرارها الداخلي. في هذا السياق، جاءت حادثة اقتحام جيهمان العتيبي للحرم المكي في نوفمبر/تشرين الثاني 1979، والتي سبقها قيام المجموعة المهاجمة بتوزيع منشورات تتحدث عن “ظهور المهدي المنتظر”، لتطرح أسئلة ولو أن التحقيقات بيّنت أن التزامن لا يعني بالضرورة وجود صلة بين المهاجمين والثورة الإيرانية. وبالمقابل، أيقظ قرار صدام حسين بفتح الحرب مع إيران في العام 1980 مخاوف أهل الثورة في طهران.

هكذا أصبحنا أمام صراع تصوّرات مسبقة ومخاوف متبادلة وثقة شبه منعدمة. من جهة، إيران تعتبر نفسها مظلومة ومحاصرة وسط محيط قرر معاداتها، وفي الجهة المقابلة، رأت دول الخليج أن منطق “تصدير الثورة” في طهران يضعها في مواجهة مشروع توسعي امبراطوري يهدد الأنظمة الخليجية كلها. بهذا المعنى، يصبح الخوف المتبادل هو الذي يصنع السياسات، لا النوايا المعلنة.

انعكس هذا الأمر سعياً إيرانياً إلى بناء شبكات نفوذ خارج حدودها، من خلال ما يُسمى “العمق الإستراتيجي” مخافة الإضطرار للقتال على الأرض الإيرانية نفسها، كما حصل طوال ثماني سنوات (الحرب العراقية الإيرانية)، وفي المقابل، خشيت دول الخليج من التمدّد الإيراني، فقرّرت توسيع مروحة تحالفاتها ولا سيما مع الولايات المتحدة من أجل حماية أنظمتها ومنع تقويض شرعيتها السياسية (استجلاب القواعد العسكرية الأميركية وشراء منظومات عسكرية كلّفت دول الخليج- وما تزال- أموالاً طائلة). وبدل أن يكون الأمن هاجساً يجمع الدول المتجاورة، فإن الإجراءات الدفاعية لكل طرف وضعها الطرف الآخر في خانة “التهديد الوجودي”، الأمر الذي زاد من انعدام الثقة بين إيران وجيرانها الخليجيين، وهذا ما جعل المنطقة تدور في حلقة توتر دائم: ليس لأن النوايا غامضة، بل لأن المصالح متعارضة في فضاء جغرافي واحد.

إقرأ على موقع 180  إسرائيل: "صفقات تجارية" بأهداف أمنية ـ سياسية.. "بيغاسوس" نموذجاً

في نهاية المطاف، يتضح أن السؤال الحقيقي الذي يحكم العلاقة بين إيران والعالم العربي ليس من يملك القوة، بل من يملك حق تعريف هذه القوة، ومن يحدد معنى الإقليم الذي تُمارس فيه. فالصراع، في جوهره، ليس فقط صراعًا على النفوذ، بل صراع على المعنى ذاته، معنى الأمن، ومعنى السيادة، ومعنى النظام الإقليمي. وبين تصور يرى الإقليم فضاءً أمنيًا مفتوحًا، وآخر يراه نظامًا من الدول ذات السيادة، تتعايش تعريفات متناقضة داخل فضاء واحد دون إطار حاكم يجمعها.

خلاصة القول إن أزمة العلاقة بين إيران والعرب لا تكمن فقط في اختلال موازين القوى أو في كثافة التدخلات الخارجية، بل في غياب اتفاق على طبيعة العلاقة نفسها. وبينما تتحرك إيران ضمن تصور يجعل الأمن ممتدًا والشرعية قابلة لإعادة التعريف، يتمسك العرب بنموذج السيادة الصلبة والحدود الواضحة. وبين هذين النموذجين، يستمر الصراع بوصفه صراعًا على المعنى قبل أن يكون صراعًا على النفوذ. ومن هنا، فإن أي محاولة لبناء استقرار دائم في المنطقة ستظل محدودة ما لم تُعالج هذه الفجوة المفاهيمية، ويُطرح السؤال الأكثر صعوبة بجدية: هل يمكن التوصل إلى تعريف مشترك للإقليم، أم أن الشرق الأوسط سيبقى محكومًا بتعدد معانيه وتضاربها إلى أجل غير معلوم؟

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  يوم لها.. وكل الأيام عليها