السؤال الأكثر منطقية ليس هل ستتراجع إيران بل لماذا يجب أن تتراجع إيران في الوقت الذي تتراكم فيه نقاط فشل ترامب في إدارة الحرب، الواحدة تلو الأخرى، بينما تمسك إيران، حتى الآن، بزمام السيطرة على الأدوات التي يُمكن أن تُنهي الحرب؟
يُمكن القول إن إيران بعدما اعتدِي عليها للمرة الثانية خلال فترتي المفاوضات (حزيران/يونيو 2025 وشباط/فبراير 2026) واغتيل قائدها الروحي السياسي العسكري آية الله السيد علي الخامنئي، دخلت مرحلة حرق الجسور وربط أيدي العدو دون النظر للوراء. بالنسبة للأميركي لديه أسبابه للتحضير لسيناريو الانتصار والبحث عن التوقيت المناسب، لكن للإيراني أيضًا أسبابه التي تدفعه لعدم إيقاف الحرب، أقله وفق مسار الأحداث، حتى الآن:
أولاً؛ الهوية الإيرانية:
إيران حضارة وتاريخ مليء بالفتوحات والحروب والثقافة والفنون. وقد قامت هوية الشعب الإيراني ونمت وفق مفاهيم البأس والشجاعة والسيادة والاستقلالية. وبالعودة إلى التاريخ القريب، وتحديدًا إلى عام الثورة الإسلامية (1979)، كشف المجتمع الإيراني عن هوية سيادية إيمانية ودينية؛ هوية يقول سماحة الشهيد السيد الخامنئي بشأنها إنها تعود بجذورها إلى مئات السنين، فاختمرت هذه المفاهيم وانصقلت حتى تفجّرت خلال الثورة رفضًا للهيمنة والاستبداد. واليوم، تستنفر الهوية الإيرانية مجددًا كل كمائنها في مواجهة المخاطر العدوانية الخارجية.
ثانياً؛ العقيدة الدينية:
إيران تخوض معركة الحفاظ على النموذج الإسلامي الفريد؛ إسلام الوحدة ونصرة المستضعفين وحماية المقدسات. وفي الوقت ذاته، تدين إيران بفكرها الولائي لمدرسة أهل البيت؛ مدرسة العزّ والكرامة التي يُعاد إنتاجها وضخها في الأجيال اللاحقة: “مثلي لا يبايع مثلك”، و”هيهات منا الذلة”. وعليه، في الموروث العقائدي والديني، تعتبر إيران أن الحرب هي معركة الحق ضد الباطل، ما يزودها بزخم الاستمرارية برغم الأثمان الباهظة.
ثالثاً؛ استخلاص الدروس:
تشكّل عملية اغتيال السيد الخامنئي- بما يمثله من موقعية- محطة فارقة، لا في مسار السياسة الخارجية الإيرانية فحسب، وإنما في توجّهات الشعب الإيراني وموقفه من الحرب. يعتبر الشعب الإيراني أن السياسات العدوانية المتطرفة لا يمكن التغاضي عنها بعد اليوم أو التهاون في الرد عليها، وإيران معنية بعدم تكرار الحرب (التجربة السابقة)، وقد كثفت جهودها طوال الفترة الماضية في الاستعداد وأخذ الدروس والعبر في تجاوز الأخطاء وردم الثغرات، وتسعى في هذه الحرب أن تقطع على العدو طريق فرض الحرب مرة أخرى وبالزمن الذي يريده. وقد دفع اجتماع الظروف بالشعب الإيراني إلى التفاعل بطريقة فاجأت جميع من راهن على فعالية تحريض الشعب وزعزعة الاستقرار الداخلي. وجاءت النتيجة عكسية كليًّا، إذ أظهر الشعب الإيراني إرادة للقتال وعدم وقف الحرب بأي ثمن. وعلى الرغم من القصف الصهيو أميركي على مختلف المناطق الإيرانية، تُجسّد المشاركة الشعبية أقوى مظاهر علاقة الشعب بالسلطة ومؤسساتها.
رابعاً؛ استراتيجية النفس الطويل:
إيران لديها خبرة وتجربة في تحمل أكلاف الحروب الطويلة والعقوبات القاسية، وهي التي تعاني سياسات الضغوط الأممية والأميركية القصوى، منذ أوائل التسعينيات. وبرغم أن إيران في تلك الفترة كانت تعاني تداعيات الحرب العراقية التي فرضها الغرب عليها، مضافًا إليها الحصار، استطاعت أن تواجه كل الصعوبات والعوائق والتحدّيات، وتسجّل إنجازات في مختلف الميادين. وهذه الحرب لن تكون أصعب، سيّما مع اختلاف الظروف والسياقات والتهديدات، وإيران بمؤسساتها كافة ومختلف سلطاتها السياسية والعسكرية والشعبية متضافرة ومتماسكة ومستعدة للتضحية إيمانًا بأن المكاسب على المديين المتوسط والطويل أفضل من وضع الحصار والعقوبات.
خامساً؛ تقويض النفوذ الأميركي في غرب آسيا:
أمام إيران فرصة تاريخية لتقويض النفوذ الأميركي في منطقة غرب آسيا، وتمتلك ما يكفي من القوة والقدرة العسكرية للاستمرار في الحرب، وتظهر تفوّقًا ميدانيًّا وقدرة على السيطرة. وما تتعرّض له القواعد الأميركية في المنطقة سبّب ضربة قاسية لما عملت واشنطن على بنائه على مدى ثلاثين سنة تقريبًا، وتشير التقديرات إلى أن بعض القواعد تحتاج إلى نحو خمس سنوات لإعادة تأهيلها، ناهيك عما كشفته الضربات من ضعف الدور الدفاعي الأميركي لقواعدها فضلًا عن حلفائها وشركائها في المنطقة. كما أن سيطرة إيران على مضيق هرمز ناريًا، وقدرتها على إقفاله وخنق إمدادت النفط العالمية ومنع ناقلات النفط من المرور، يُهدّد الاقتصاد العالمي، لا الأميركي فقط.
سادساً؛ “القصاص المماثل”:
تتحرك إيران بمنطق العزيمة والعنفوان في مسار من التحدّي غير المسبوق للعنجهية الأميركية المتغوّلة في الإيذاء والعدوان وسحق الإنسانية وكسر الخطوط الحمراء. تمثّل الحرب الأميركية على إيران اعتداءً قانونيًّا وفق المواثيق والقوانين الدولية، في سياق محاولة فرض نظام جديد قائم على القوة، لا القواعد الدبلوماسية. إيران اليوم، وبعد أن خسرت أغلى ما تملك من قائدها إلى كل من سقط شهيدًا، وفي ظل تضرّر أصولها الاستراتيجية النووية والتصنيعية، اتّخذت خيار الضرورة، قانون “السن بالسن والعين بالعين” بوصفه الخيار الأمثل في التعامل مع طبيعة العدو الماثلة. فأعلنها سماحة السيد مجتبى الخامنئي أن إيران لن توقف الحرب إلا بشروطها، وأن على واشنطن أن تدفع تعويضات الحرب لإيران وإلا فإن إيران ستستمر بالاستهدافات، وتاليًّا، يجب رفع الأكلاف على العدو.
سابعاً؛ استثمار الفرص:
تعتقد إيران أنها تمتلك فرصة ميدانية حقيقية لتسديد ضربة قاسية للكيان الاسرائيلي، بعد سلسلة الإنجازات العسكرية التي حقّقتها وتُحقّقها عسكريًّا، وسط إطفاء منظومات الرادارات على مختلف أنواعها وفي مختلف دول المنطقة، إلى درجة أصبحت مدة الإنذار في الكيان باعتراف العدو “صفر ثانية”. وأضف إلى ذلك مشكلات مخزون الصواريخ الاعتراضية.
ثامناً؛ مواجهة التهديد الأنطولوجي (الوجودي):
ترك “طوفان الأقصى” تداعيات خطيرة على المنطقة بأكملها، فالتحولات الأخيرة في لبنان وسوريا أحدثت اختلالًا في موازين القوى الإقليمية، ما دفع الأميركي إلى استثمار الاختلال لمصلحة تعزيز نفوذه ومحاولة منع إيران من استعادة التوازن خدمة لمشروع “الشرق الأوسط الجديد”.
اليوم، الصمود الإيراني في الحرب حاجة للتوازن الدولي والإقليمي. إيران أمام استحقاق تاريخي وسط التهديدات الوجودية المحيطة بنظامها وشعبها؛ ما يقتضي منها بذل كل الطاقات الممكنة للحفاظ على وجودها وتعزيز دورها الإقليمي ومكانتها الخارجية.
اليوم، الفرصة تاريخية لاستعادة التوازن في سياق مواجهة مطامع الأميركي في المنطقة، وإعادة إحياء القضية الفلسطينية، وتقويض مشاريع التطبيع في المنطقة.
