الشعب استيقظ يا “علي”

عن نفسي، سأحتاجُ دمع الأنبياء لأرثي ذاكرة. سألتحفُ الجنوبَ كلّه بترابه ودمائه لأُدفّئ قلماً صلّبت النواعي حبره حتّى استأنسَ الصمت واليباس. الشعب استيقظ يا علي "من شفتيك الناطقتين.. يا وشم الدمدم والرفض يا سرّ العزةِ في أرضِ" ..

هي بضع كلمات أؤرشفها في ذاكرة أولادي، الذين يكبرون في زمنٍ سرطانيٍّ خبيث مُضغت فيه السرديات في فم التنين واجترّت في أفواه غير المنصفين ممن لا يرون المشهد الآن بشموليته برغم ما يحتاجه هذا المشهد من حكمة المفاصل، وبرغم ما ستفرضه الدروس من مراجعات وعِبَر.

يا سارة، يا كيندا، ويا علي؛

سيكون على عاتقكم أن يتشعّب صوتُ علي شعيب الفطري بعدُ أكثر. تلك وصيّة من في قلبها حرارة كلمة “قاوِم”، بفطرة الكلمة، وفطرة المواجهة، وفطرة الـ”لا” كأضعف الإيمان بمعنى الإنسان. فطرةٌ تعلم تماماً أن مُساءلة المواقف والمحطات والمسار في إطار الفعل المقاوم تحميها وليس العكس، لكنّها أيضاً تستطيع التماس ما استطال من مخاطر حتى تعملق وتغوّل، وما تعقّد في المشهد في لحظة مكثّفة، فلم تقع ضحية ترف القيل والقال في وقتٍ يستدعي فيه الواجب الوطنيّ والتهديد الحاضر والمستقبلي كل أشكال اللحمة والتضامن والتكاتف.

هكذا كان الشهيد المقاوم العتيق علي شعيب ولمّا يزل، سواء أدرك أم لم يُدرك، لكنه أيقظ في جيلي وجيل من سبقني تلك الروح الترابية المقاومة. هو رمزٌ لها بما يعنيه الرمز من قدرة على الإلهام والديمومة.

والبيئة المُقاومة الترابية حبلى بالرموز، بعيداً عن كل أشكال التصنيفات.. فعن نفسي أيضاً، ما زلت حتى هذه اللحظة أستلهم شموخ الجندي في الجيش اللبناني عباس مدلج رافعاً رأسه بتحدي وكبر أمام وحوشٍ داعشية “مَنتجت” مشهد قتله لتصوّره مساقاً إلى الذبح كنعجة، لكنّه استحال بشموخ رأسه رمزاً للإباء ورفض الضيم. أكتب هذه الكلمات وأنا أبكيه وأناغي روحه الثائرة. حفر عميقاً في عنفواني، وأريد له أن يبقى رمزاً لأولادي، أن يكون حتى صمتهم ناطقاً وأبيّاً في لحظات قد تُسرق فيها أصواتهم عنوة، وأن يكون الرّفضُ في ملامحهم هدّارا عندما يتطلب الموقف.

وبعد؛ تلك هي صورة الوحوش حين تتّضح، سيُقال لها ضمناً ومجازاً برغم الآلام: أفصحي عن نفسك بعد أكثر. كلّ ضحيّةٍ شكلٌ جديد للإفصاح والتعرية. مسمارٌ جديد في نعش كل المحاولات السلمية غير الرؤيوية وغير المكتملة وغير الجامعة أو الحريصة أو السيّدة من أجل كفّ الأطماع التوسعية الضاربة في التطرف. وهي بطبيعة الحال، دفعٌ نحو إعادة قراءة الواقع، وتحمّل المزيد من المسؤولية، حتى لا يُقتل الشهيد مرة ثانية بمجرد بيانات النعي، وحتى لا يصبح الدم الواضح موضع نزاع. لذلك، لا تكون المعالجة فقط في حمل الموقف، بل في حمايته من التشويه، وفي إعادة تشذيب الحكاية.

والحكاية لا بد وأن تروى لاحقاً بعقل فاحص. ستضع هذه الجولات من الحروب أوزارها يوماً ما، وحينها، بل قبل حينها، لن يكون أكثر خطراً من خروج الجميع منها بلا مراجعة، بما فيهم من يهادن ويقدم كل أشكال التنازلات الساذجة ظناً منه أنه يشتري سلماً، وبما فيهم من يقاوم، لأنه في المبدأ المقاومة التي لا تُخضع مسارها لقراءةٍ فاحصة، تُخاطر بأن تُعيد إنتاج ثغراتها في لحظاتٍ أشدّ قسوة وتعقيداً. وهذا ليس ترفاً في الكتابة، ولا فذلكة، ولا طعناً في جوهرها، بل شرطٌ لبقائه حيّاً وقّاداً ضامناً للاستمرار والفعالية. علماً أنّ هذا المسار الدقيق بين النقد والحماية هو نفسه ميدان اشتباك آخر، على اعتبار أن العدو يعمل على تضييق الخيارات ليس في الميدان فقط، بل في الوعي أيضاً، حتى يشوِّش حقيقة الصراع.

المفارقة أنّ الوحش الإسرائيلي، وهو يسعى بكلّ ما أوتي من أدوات إلى تشويه السردية وخلط المعاني، يساهم في مكان ما من حيث لا يدري في تظهير الصورة لا في طمسها، لأن فائض القسوة حين يبلغ ذروته ينقلب دليلاً وحسب. والتحدي اليوم هو في التقاط تلك اللحظة للبناء عليها. لحظة لا تكشف الوحش وحده، بل من المفترض والبداهة أن تضع المرتهنين له أو المتناغمين مع مطالبه أو الواقعين عملياً في فخّ مكائده في مكاشفة عميقة مع خياراتهم، علهم يستدركون مفصلية اللحظة ويسعون إلى تحصيل المنعة راهنا ولاحقاً أمام رياح عاتية تهبّ على المنطقة بأكملها قد تبقي ولا تذر.

استشهد المقاوم العتيق الإعلامي علي شعيب، واستشهدت معه الإعلامية الشجاعة فاطمة فتوني، واستشهد قبلهم الكثير من الأسماء في الجسم الإعلامي، لكن خاتمة حيواتهم كلهم لن تكون سوى بداية أخرى في روايةٍ يخاف العدو أن تنتشر فتخلّدهم وترهقه، وهي لا بدّ وأن تخلّدهم وترهقه..

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  تحذير دولي: رئيس للبنان في 9 ك2.. أو إلى الفراغ الطويل!
ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  اليوناني اللبناني الفلسطيني ثيودوراكيس.. يغادر العالم شيوعياً