من “الليطاني” إلى بنت جبيل: كيف “تواضعت” الحرب الإسرائيلية على لبنان؟

بعد أسابيع خمسة من الحرب الإسرائيلية المفتوحة ضد لبنان، ما رُوّج له في الأيام الأولى كعملية عسكرية واسعة لإعادة رسم المشهد العسكري والأمني في الجبهة الشمالية، أخذ يتراجع تدريجيًا أمام واقع ميداني أكثر تعقيدًا. وبين خطط كمّاشة لم تكتمل، وتوغلات لم تُحسم، وخسائر فرضت إيقاعها، يجد الجيش الإسرائيلي نفسه في الجنوب اللبناني أمام معادلة مختلفة: توغلات برية محدودة، وأهداف تتقلّص، وحرب مفتوحة على احتمالات لا يمكن ضبطها بسهولة.

قبل الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران وبعدها، كانت إسرائيل تستعد لإطلاق عملية عسكرية على لبنان من شأنها أن تُطبق عليه على شاكلة كماشة؛ تأتي من جهة الجنوب، وتحديدًا من القطاعين الأوسط والغربي، ومن جهة سفوح جبل الشيخ الغربية باتجاه البقاع الغربي، وبذلك يتمكن الجيش الإسرائيلي من احتلال المنطقة الممتدة من القطاع الأوسط في الجنوب وصولًا إلى المصنع مرورًا بالبقاع الغربي، ويقطع بذلك خطوط الاتصال بين الجنوب والبقاع من جهة، وبين الأخير وبيروت من جهة ثانية. وبمعنى أدق، يفصل بين البنى التحتية الرئيسية لحزب الله في كل من البقاع والجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت. وبطبيعة الحال، يضعفه بصورة جديّة، ويحيّد مراكز القيادة والسيطرة المركزية.

فعليًا، باشرت الوحدات الهجومية الإسرائيلية هذه العملية، بحيث أغرتها عمليات التوغل، من خلال الالتفاف على قرى وبلدات المواجهات القريبة من الحدود، ووصلت إلى أماكن قريبة من نهر الليطاني لجهة الطيبة ووادي الحجير ووادي السلوقي.

ومن جهة البقاع، وعدا عن طلب إخلاء كل منطقة الحدود اللبنانية السورية في المصنع ليل أمس (السبت)، كان لافتاً للانتباه الإستعراض الذي نفذته “وحدة رجال-الألب” تحت قيادة لواء الجبال (810)، عبر تسلّق جنودها سفوح جبل الشيخ في عملية عسكرية ادّعى الجيش الإسرائيلي أنها مخصصة لإحباط محاولات تموضع “التنظيمات الإرهابية” في منطقة الحدود مع لبنان، لكنها لم تنفذ حتى الآن أي توغل بري يلاقي التوغل الجنوبي الذي دفعت إسرائيل ثمنه خسائر بشرية ومادية كبيرة لا سيما من خلال تدمير عدد من دبابات الميركافا من الجيل الخامس، وجرافات الـ D9، حيث استغل المقاومون، بأسلحتهم التقليدية وتلك المعدلة، نقاط ضعف التوغل عند مجانب القوات ومؤخرتها، وعلى طول الخط اللوجستي من الحدود وصولًا إلى آخر نقطة توغل.

هذا، عدا عن عدم القدرة على الحفاظ على التقدم، حيث عادت الوحدات الهجومية أدراجها، لتَحصر أهدافها منذ الأربعاء الماضي في تطويق مدينة بنت جبيل من كل الاتجاهات، علّها تستطيع احتلالها لتحقيق نصر رمزي ما، على أساس أن هذه المدينة جعلها الأمين العام الأسبق لحزب الله، السيد الشهيد حسن نصرالله، “عاصمة التحرير” ومنها ألقى في العام 2000 خطاب التحرير، وقال فيه جملته الشهيرة: “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”.

لذلك، يواصل الجيش الإسرائيلي محاولاته للتقدم نحو بنت جبيل من جهاتها الأربع: من عين إبل غربًا، ومارون الرأس ويارون جنوبًا، وعيترون وعيناتا وعيترون شرقًا وكونين وبرعشيت شمالاً. ولهذه الغاية، اتصلت جهة إسرائيلية برئيس بلدية عين إبل، أيوب خريش، وطالبته بوجوب إخلاء الأهالي للمنطقة الشمالية الشرقية من البلدة الواقعة لناحية مدينة بنت جبيل.

وعلى وقع تطورات الميدان، أتت تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس يوم أمس الأول (الجمعة)، حيث أكد الأول أنهم “مستمرون في ضرب حزب الله وتوسيع المنطقة العازلة في جنوب لبنان من أجل الدفاع عن سكان الشمال”، فيما قال الثاني: “سنسيطر على منطقة الليطاني ولن نسمح بعودة نحو 600 ألف شخص نزحوا منها حتى تحقيق أمن سكان الشمال”.

هذه التصريحات من أعلى منصبين في المستوى السياسي، والمعنيين مباشرة بالمستوى العسكري، تشير إلى تواضع الأهداف، من القضاء على حزب الله إلى إقامة منطقة عازلة جلّ وظيفتها حماية مستوطني الشمال.

هذا، عدا عمّا ذكرته الصحافة الإسرائيلية، حيث نقلت “هآرتس” عن مصادر رفيعة في الجيش: “لن ننجح بتجريد حزب الله من سلاحه، وهذا مسار بحاجة إلى احتلال كل لبنان.. ومشروع المنطقة العازلة لم يشمل نقاطًا أو مقرات للجيش، سيتم إخلاء معظم المنطقة العازلة من السكان لمنع الاحتكاك”. كذلك نقلت “قناة 12” عن الجيش أيضًا: “تجريد حزب الله من السلاح ليس هدفًا من أهداف الحرب في هذه المرحلة”.

من خلال تصريحات قادته، يُمكن تلمس تواضع الأهداف الإسرائيلية في ضوء وقائع الميدان الصادمة طوال خمسة أسابيع: لا يمكن نزع سلاح حزب الله بالكامل لأن ذلك يتطلب احتلال كل لبنان. أقصى الطموح الإسرائيلي لا يتجاوز جنوب النهر. تهجير سكان هذه المنطقة ومنع عودتهم إلا بموجب اتفاق سياسي وأمني جديد مع لبنان. لا نقاط أو مواقع عسكرية سيحتفظ بها الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، أي الحفاظ على حرية الحركة وإمساك منطقة جنوب النهر بالنيران من خلال عدد من التلال الحاكمة في كل القطاعات.

في المحصلة، لا تبدو الحرب على لبنان سائرة نحو حسم عسكري واضح، بقدر ما تنزلق نحو إعادة تعريف أهدافها تحت ضغط الميدان. فما بدأ كرهان على تفكيك بنية المقاومة، انتهى إلى محاولة احتواءها ضمن “منطقة عازلة” محدودة الوظيفة. وبين الطموح المعلن والواقع المفروض، تتكشف فجوة يصعب ردمها بالقوة وحدها، وهذا ما يُفسّر ارتفاع الصوت في الكابينيت وهيئة أركان الجيش الإسرائيلي بوجوب رسم حدود واضحة في التعامل مع جبهة لبنان.

إقرأ على موقع 180  السيد.. القيادة والقدوة

وفي هذا السياق، لا يكون السؤال: ماذا يريد الجيش الإسرائيلي أن يُحقّق؟ بل: ما الذي يستطيع تحقيقه فعليًا دون أن يغرق أكثر في حربٍ لا يملك مفاتيح نهايتها؟

Print Friendly, PDF & Email
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  ترامب وبايدن.. ومرآة هيلاري