وهم تدمير الحضارة الإيرانية: دروس التاريخ إلى ترامب!

هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مطلع هذا الشهر بإعادة إيران إلى العصر الحجري وتدمير منشآتها الحيوية، بل وحتى تدمير حضارتها، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. وقال بالحرف: "إن حضارةً بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبدًا"، كما وصف الشعب الإيراني بـ"الحيوانات" خلال رده على سؤال صحافي حول الفائدة من تدمير البنية التحتية في إيران.

“الأمم تنتحر ولا تُقتل” (المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي)

عندما هدّد ترامب بإعادة إيران إلى العصر الحجري، وقال إن هذه الحضارة ستموت الليلة ولن تعود أبدًا، فإنه لا يكشف فقط عن جهل بالتاريخ وفلسفته، بل عن تجاهل لقوانين التاريخ الحضاري التي اكتشفها كبار المفكرين، مثل أرنولد توينبي، وصموئيل نوح كريمر، وطه باقر وغيرهم؛ فما تناوله ترامب عن تدمير الحضارة الفارسية، التي تمتد جذورها إلى أكثر من 6000 عام، هو طرح سطحي؛ إذ إن الأمم العريقة لا تموت بالقتل، بل تنهار فقط عندما تفقد قدرتها على الإبداع والاستجابة.

الحضارة التي تعرف كيف تُحوّل الدمار إلى بناء واستمرارية، لا يمكن لأي تهديد أن يُوقف مسارها التاريخي، وعلى ترامب ونتنياهو، وسواهما من صنّاع القرار، ألا ينسوا دروس التاريخ الحضاري؛ فالقوة قد تُدمّر، لكنها لا تبني حضارة، ولا تُنهيها

الفرس والإسكندر

يقول أرنولد توينبي، خلال دراسته لصعود وسقوط 21 حضارة إنسانية:

“أي تهديد بتدمير حضارة من الخارج هو مجرد وهم تاريخي، لأن الحضارات لا تسقط بفعل السيوف والطائرات والقنابل، بل بسقوط نخبها وعجزها عن الاستجابة لتحديات عصرها” (نظرية التحدي والاستجابة).

والحضارة، وفق التعريف العلمي، هي نظام اجتماعي متكامل يُتيح للإنسان تطوير الإنتاج الثقافي والمادي، ويقوم على عناصر أساسية مثل: الأخلاق، العلوم، التاريخ، القانون، الجغرافيا، الاقتصاد، والفنون إلخ..

وعليه، فهي ليست كما يراها دونالد ترامب مجرد مبانٍ وجسور وطرقات أو مظاهر مادية، بل هي تراكم ثقافي وفكري يميز أمة عن أخرى، ويعكس قدرتها على التنظيم والإبداع. باختصار، الحضارة هي نظام معقد ومتراكم.

ففي العام 330 ق.م، وقف الإسكندر المقدوني أمام برسيبوليس (تخت جمشيد)، في العاصمة الأخمينية، التي تبعد نحو 70 كلم شمال شرق شيراز، وأقدم على إحراق القصور ونهب الكنوز، ومحا كثيرًا من رموز الهوية الفارسية.

لكن، وبعد رحيله، لم تمت الحضارة الفارسية، بل عادت للنهوض، وأُعيد بناء الإمبراطورية عبر السلالات الأشكانيّة (247 ق.م – 224 م) ثم الساسانية (224 – 651 م).

وهنا ينطبق قول توينبي بأن الحضارة التي تمتلك نخبة قادرة على الاستجابة للتحديات لا يمكن لأي غزو خارجي أن يقضي عليها.

فارس مهد الحضارات

تشير غالبية المصادر إلى أن بلاد ما بين النهرين هي مهد الحضارات الإنسانية. وعندما أسّس كوروش الكبير الإمبراطورية الفارسية سنة 550 ق.م، دخل بابل سنة 539 ق.م، لكنه لم يُدمّرها، بل احترم ديانتها وأعاد بناء معابدها، كما احترم عاداتها وتقاليدها؛ بل وساعد اليهود خلال السبي البابلي، وأعاد بعضهم إلى أورشليم، ووعدهم بإعادة بناء هيكلهم.

هذا النموذج يعكس فهمًا عميقًا للحضارة بوصفها بناءً لا تدميرًا، وهو ما ساهم في استمرار الإمبراطورية الفارسية نحو 220 عامًا.. وهنا يتجلى الفرق بين قائد يبني حضارة، وآخر جاهل يُهدّد بتدمير الحضارات وإعادتها إلى العصر الحجري (لمن يرغب بالاطلاع على التفسير العلمي للعصر الحجري يمكنه العودة إلى صفحة الأستاذ غسان الشامي على فايسبوك حيث قدم درساً مهماً من خلال شرح مفصل عن مراحله التاريخية).

وفي القرن الثالث عشر الميلادي، اجتاح هولاكو خان بلاد فارس، كما أسلافه من الهدّامين، فأحرق المدن، وقتل السكان، ودمّر المكتبات.

لكن، بعد جيل أو جيلين، تحوّل المغول أنفسهم إلى جزء من الحضارة الفارسية، فأتقنوا لغتها، واعتنقوا الإسلام، وأصبحوا يدافعون عنها.

ويُذكر أن السلطان أولجايتو (1304–1316م) بنى مدينة سلطانية في إيران.

وهنا يتجلى قول توينبي:

قدرة الحضارات على الاستجابة للتحديات هي ما يُحدّد بقاءها أو فنائها“.. ويصح القول هنا إن الفرس أتقنوا فعلًا فن الاستجابة بشكل ممتاز.

فارس.. الروح والصمود

تعرضت إيران عبر تاريخها لغزوات متكررة: من الرومان، إلى العرب، فالترك والمغول، ثم البريطانيين والروس، وصولًا إلى الضغوط الأميركية المعاصرة.

ومع ذلك، كانت تعود في كل مرة بأشكال جديدة، أكثر قدرة على التكيف والاستمرار.

هذا الصمود يجعل تهديدات ترامب وبنيامين نتنياهو سطحية أمام من يقرأ التاريخ بعمق؛ فالحضارة القادرة على استيعاب الغزاة ودمجهم هي حضارة يصعب هزيمتها.

قد تستطيع القوة العسكرية تدمير المدن والبنية التحتية، وقتل البشر، لكنها لا تستطيع محو الذاكرة الثقافية للشعوب: عاداتها، تقاليدها، وتاريخها المتراكم.

وهنا يؤكد توينبي أن الحضارة التي نهضت من تحت الدمار سابقًا، قادرة على النهوض مجددًا مهما بلغت شدة التدمير.

وكما قال نائب الرئيس الإيراني محمد رضا عارف:

“إيران ليست حادثة في التاريخ، بل هي التاريخ نفسه”.

في الختام، يمكن القول إن الحضارة التي تعرف كيف تُحوّل الدمار إلى بناء واستمرارية، لا يمكن لأي تهديد أن يُوقف مسارها التاريخي.

وعلى ترامب ونتنياهو، وسواهما من صنّاع القرار، ألا ينسوا دروس التاريخ الحضاري؛ فالقوة قد تُدمّر، لكنها لا تبني حضارة، ولا تُنهيها.

إقرأ على موقع 180  التباعد الاجتماعي سجن إنفرادي بلا جريمة

Print Friendly, PDF & Email
نجا حمادة

باحث في علم التاريخ، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  أبعد من التلال الخمس.. ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟