الوفاتية في لبنان بين التأزّم والتعمّر

ذكرنا في المقالة السابقة، "الولادات في لبنان بين ظاهرتي التعويض وجيل الصدى"، أن المجتمع اللبناني يتّجه إلى التعمّر، أي أن أعداد الفئة العمرية التي يزيد عمرها عن 65 عامًا في ازدياد مطّرد جعلت من المجتمع اللبناني أكثر المجتمعات العربية تعمّرًا حيث تبلغ نسبة هذه الفئة العمرية أكثر من 15% في العام 2026. ينعكس هذا الواقع سلبًا على معدلات الوفاة في لبنان، فالمجتمعات المعمّرة تزداد فيها نسب الوفيات عن تلك الفتيّة.

في هذا السياق، يُمكن أن نقدّم اليابان مثالًا على هذا الأمر: اليابان واحدة من أكثر الدول تقدّمًا في العالم، وفيها أعلى توقّع حياة عند الولادة (86 عاماً) ويبلغ معدل الوفاة الخام فيها 12.2 بالألف. أما في كمبوديا، وهي دولة آسيوية أيضًا، ولكنها أقل ثروة وتطوّراً من اليابان، وفيها توقّع الحياة عند الولادة 72.1 عامًا، ويبلغ معدل الوفاة الخام 5.6 بالألف أي أقل من نصف قيمته في اليابان[1]. هنا، لا يمكن فهم هذا الاختلاف (اللامنطقي للوهلة الأولى)، إلا عندما ندرك أن نسبة كبار السن في اليابان هي 29.8% أي حوالي الخمسة أضعاف عن مثيلتها في كمبوديا حيث تبلغ 5.8%. (Census.gov, 2026).

التعمّر ليس العامل الوحيد المؤثّر في الوفيات. فهو أكثر ما يؤثر على الوفيات الناتجة عن أسباب طبيعية، أي المرض والمضاعفات المرتبطة بتقدم العمر. إلا أن بلدًا مثل لبنان لا يكاد يمرّ فيه عام من دون أن يحمل أزمة جديدة: حروب، تلوّث، نفايات، أزمات اقتصادية وصحية. تؤدي تداعيات هذه الأزمات إلى زيادة احتمالات الوفيات عن تلك الموجودة في دول مماثلة للبنية الديموغرافية للبنان و/أو للوضع الاقتصادي والصحي فيه.

  • تطور الوفاتية في لبنان

عند الاطلاع على مسار الوفيات في لبنان يتبيّن أن أعداد الوفيات ترتفع عامًا بعد عام. فالوفيات المسجلة في لبنان عام 2009 كانت لا تزيد عن 22 ألف حالة وفاة سنوية، أما في العام 2025 فقد سُجِّل ما يقارب الـ34 ألف حالة وفاة، أي بزيادة بلغت 54% عن العام 2009، وبمعدل نموّ سنوي يبلغ بالمتوسط 2.76%. إلا أن أعلى عدد من الوفيات في هذه الفترة كان عام 2021 حيث بلغ 34726 حالة، منها 7370 وفاة تسبَّب بها فيروس الـ SARS‑CoV‑2 بشكل مباشر أو غير مباشر. (dgcs.gov.lb) (ourworldindata.org) (راجع الرسم 1).

تبرز أهمية التحليل الطولي[2] في تبيان الاختلالات التي يمكن أن تطرأ على الظاهرة المدروسة. فالمسار الخطّي للوفيات يبين أنها أيضًا تزيد سنة عن سنة. إلا أن هذه الزيادة من عام 2009 إلى عام 2019 كانت أقل حدّة بحيث بلغت 20%، أو بنموّ سنوي مقداره 1.8%. وسبب ذلك، أن الأزمات المتتالية هي التي رفعت من أعداد الوفيات، ومن نسبة نمو الظاهرة، خاصة بين 2020 و2025. على سبيل المثال، فإن الوفيات بالكوفيد-19 بدأت تُسجَّل منذ عام 2020، لتبلغ الذروة عام 2021، وتحافظ على مستوى مرتفع عام 2022، قبل أن تتراجع بشكل واضح في العام 2023 حيث سُجِّل عدد وفيات مشابه لذلك المسجَّل عام 2019.

بلغ آخر معدل وفيات خام للبنان، منشور بشكل رسمي من قبل الجهات اللبنانية المختصة 5.5 بالألف، وذلك عام 2019. (MOPH.gov.lb, 2019) أما إذا أردنا حساب المعدل اليوم فهو يبلغ 5.85 بالألف[3]. يختلف هذا المعدل بين قضاء وآخر، فأعلى معدلات للوفيات هي في قضاءي جزين (15.8 بالألف) وبشرّي (14.9 بالألف). أما أدنى المعدلات فهي في أقضية بعبدا (2.4 بالألف) والمتن الشمالي (2.9 بالألف) وكسروان (3.3 بالألف). (راجع الرسم 2).

وعند مقارنة الوفيات بين أعوام 2023 و2025، حسب الأقضية، يتبيّن أن أكثر “قضاء” سُجِّل فيه عدد وفيات هو بيروت حيث تراوح بين 3282 حالة في عام 2023 إلى 4262 حالة في عام 2025. وأدنى عدد سّجِّل في راشيا حيث تراوح بين 270 حالة في عام 2023 و340 حالة في عام 2025.

  • بين التأزم والتعمّر

ما تقدَّم أعلاه يمكن أن يقدم لمحة عن الوفاتية في لبنان. إلا أن فهم اتجاه الظاهرة يحتّم المزيد من التحليل في عرض الأسباب الكامنة وراء اتجاهها التصاعدي. أول ما يمكن أن يعرض هنا هو أثر التعمّر على الوفيات في المجتمع اللبناني. ذلك أن التعمّر ظاهرة ديموغرافية مستمرّة وبطيئة تحتاج إلى سنوات من التغيّرات والتحوّلات في الولادات والوفيات والهجرة لكي تتجسد آثارها على أرض الواقع. هكذا، فإن المجتمع اللبناني الذي تزداد فيه نسبة المسنين ببطءٍ عامًا بعد عام تزداد فيه أعداد الوفيات، وهذا ما يظهر بوضوح من العام 2009 إلى العام 2019 في الرسم الأول. فالأقضية التي يظهر فيها ارتفاع لمعدلات الوفيات هي من الأكثر تعمّرًا في لبنان؛ بشري مثلاً فيها 15.8% من سكانها في عمر 65 وأكثر. أما جزين فتبلغ نسبة السكان في هذه الفئة 18% مقارنة بعكار حيث تبلغ 6.3%، أو المنية-الضنية حيث تبغ 6.5%..(CAS, 2020) هذا لا يعني أن التعمّر هنا هو العامل الوحيد المساهم، بل يلعب انتشار المراكز الصحية وخاصة المستشفيات في هذه الأقضية دورًا مهمًّا. (انتشار المستشفيات وخاصة الكبرى منها يساهم في خفض خطر الوفاة).

ما تقدّم حول العلاقة بين التعمّر والوفاة هو تحوّل طبيعي في مسار الوفيات. أما أثر الأزمات فيظهر على شكل تفاوتات حادة بين عام وآخر، أو بين منطقة وأخرى. هنا يظهر أثر جائحة الكوفيد19 بين عامي 2020 و2022، وبخاصة عام 2021 حيث سجّل في شهر شباط/فبراير 2021 لوحده ما يزيد عن 1600 حالة وفاة، ما يمثّل خُمس عدد الحالات المسجّلة لعام 2021، وحوالى 5% من مجموع الوفيات لهذا العام. ترجع معظم هذه الوفيات إلى طفرة الإصابات التي نتجت جراء فتح الأماكن العامة في موسم الأعياد لعام 2020.

بعد تزايد المناعة المجتمعية، وتلقّي معظم اللبنانيين للقاح بين عامي 2022 و2023 تراجعت أعداد الوفيات الناجمة عن الكوفيد 19. وبالتالي، انخفضت الوفيات المسجّلة في لبنان إلى مستواها الطبيعي في عام 2023.

هنا، يظهر أثر أزمة ثانية ناتجة عن ظروف الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024؛ وهي الحرب التي نتج عنها ما يزيد عن 4000 شهيد (المجلس الأعلى للدفاع، 2024). إلا أن المفارقة في أن هذه الأعداد لم تُسجَّل كلها في السجلات للعام 2024، بل تمّ تسجيل معظمها في العام 2025. وهذا ما يفسر ارتفاع الوفيات عام 2025 إلى 33961 حالة بعد أن كانت 26715 حالة في عام 2024. (الرسم 1).

إقرأ على موقع 180  "محطة العريس".. بيروت كما لم تروِها الروايات

يبدو هذ الأمر أيضًا في التغيّرات التي طرأت على الوفيات في الأقضية، حيث نرى ارتفاعًا واضحًا في الوفيات المسجّلة عام 2025 في الأقضية الأكثر تأثّرًا بالحرب الإسرائيلية على لبنان، مثل بعلبك وبيروت والنبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور. (راجع الرسم 3).

بالإضافة إلى ما تقدَّم من أزمات طارئة، تطل أزمة التلوّث المتفاقمة. ينعكس ذلك من خلال ارتفاع كبير في مستويات الإصابة بالسرطان في لبنان. فالأرقام التي نشرتها وزارة الصحة عام 2014 تشير إلى أن عدد الحالات الجديدة المسجلة للمصابين بأي نوع من أنواع السرطان بلغت 12757 حالة. أما عدد الحالات الجديدة المسجَّلة للعام 2024 فقد بلغ 17456 حالة، أي بزيادة 37% خلال عقد واحد من الزمن، علمًا أن عدد السكان بقي شبه ثابت خلال هذه الفترة. (MOH, 2026). حين نطّلع على إحصاءات وزارة الصحة، نجد أن الأمراض السرطانية هي المسؤول الثاني عن الوفيات في لبنان، وذلك بنسبة 19% من مجموع الوفيات المسجّلة في المستشفيات اللبنانية. يحتل سرطان الرئة المركز الأول بالنسبة للوفيات الناتجة عن المرض، وذلك بنسبة 23.3%. (MOPH, 2019, pp: 16-17).

عالميًّا، تبلغ نسبة الوفيات بسرطان الرئة 18%، أي أنها أدنى مما هو موجود في لبنان. هنا نعرض خلاصة ثلاثة أبحاث حول التلوّث في لبنان لتتّضح لنا الصورة تمامًا: في دراسة نشرتها منصة Numbeo عام 2025 صُنِّف لبنان في المرتبة الثالثة للدول الأكثر تلوّثًا مع مؤشّر تلوّث بلغ 89.9. (Numbeo, 2025).

أما الدراسة التي نشرتها الجامعة الأميركية في بيروت، فقد خلصت إلى أن 87% من الجزيئيّات المنبعثة من مولّدات الكهرباء في الأحياء هي ميكروية بحيث تتغلغل في الرئتين والأوعية الدموية، مما يؤدي إلى أمراض القلب والجهاز التنفسي (Fakhri et al.m 2025). أكدت دراسة الجامعة الأميركية ما خلصت إليه الدراسة الثالثة وهي تقرير لمنظمة الصحة العالمية عام 2025 بأن معدل “الجسيمات الدقيقة التي يقلّ قطرها عن 2.5 ميكرومتر” PM2.5[4] في لبنان هو 24 ميكرو غرام في المتر المكعّب للهواء مما يشكّل خمسة أضعاف الحد الأقصى المقبول به عالميًّا، الأمر الذي يفاقم مخاطر الموت بالسكتات القلبية والجلطات. (WHO, 2025).

ارتفعت الوفيات في لبنان خلال السنوات الأخيرة وتراجع معها توقُّع الحياة عند الولادة، وهذا لا يشير إلى نمط ديموغرافي كذلك الموجود في الدول المتطوّرة كاليابان مثلما ذكرنا في البداية، بل هو بسبب تكاتف الظروف الداخلية والخارجية للتأثير على السكان في لبنان. فمنظمة الصحة العالمية أشارت إلى أن توقُّع الحياة عند الولادة في لبنان انخفض من 79 عاماً (2020) إلى 75 عاماً في خضم الأزمتين الصحية والمالية عام 2022. هذا، ومن المتوقع أن يعود الرقم إلى الارتفاع ليصل إلى 79.6 عاماً خلال 2025. (UN Population Prospects, 2025). هنا، نشير إلى أن هذا الرقم قد ينخفض من جديد بسبب الحرب التي تجدّدت على لبنان في العام 2026، وراح ضحيتها إلى اليوم[5] ما يقرب من 2000 شهيد، منهم 303 شهداء ارتقوا في أقل من ربع ساعة في مجزرة نفّذها الإسرائيليون في 8 نيسان/أبريل 2026 بأعنف قصف على بيروت وبعض المناطق الأخرى في لبنان.

في المحصّلة، تتعدّد أسباب ارتفاع الوفاة عند اللبنانيين، وعلى رأسها السبب الطبيعي المرتبط بتعمّر المجتمع اللبناني. إلا أن للأزمات دورًا كبيرًا في زيادة الوفيات، حيث راح أكثر من عشرين ألف لبناني ضحية الأزمات المركّبة (كوفيد19 وأزمة القطاع الصحي والأزمة الأمنية والحرب)، وذلك من عام 2020 لغاية اليوم.

****

[1]. معدل الوفاة الخام هو عدد الوفيات في سنة مقسومًا بمتوسط عدد السكان في السنة نفسها. يعبَّر عنه بالألف أي عدد من الوفيات لكل ألف نسمة. أما توقّع الحياة عند الولادة أو احتمال الحياة عند الولادة فهو متوسط عدد السنوات التي من المتوقع أن يعيشها الإنسان الذي يولد في بلد معين، وهي تتأثر بالواقع الاقتصادي – الاجتماعي لهذا البلد.

[2]. أي على سلسلة متتالية من السنوات.

[3]. قمنا بحساب المعدل من خلال اعتبار عدد السكان في لبنان (والأمر نفسه للأقضية) للعام 2019 هو 4.8 مليون نسمة كما نشرته إدارة الإحصاء المركزي (CAS,2020) ثم حسبنا متوسط أعداد الوفيات من 2012 إلى 2023 وقسّمنا هذا المتوسط على عدد السكان في 2019. نشير إلى أننا توقفنا عند العام 2023 كي لا ندخل الوفيات الناتجة عن الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024 بحيث تختلف الوفيات بين الأقضية بسبب تفاوت حدة الاستهدافات.

[4]. Particulate Matter with a diameter of 2.5 micrometers or less مؤشر لقياس الجزيئيّات الميكروية الحجم والتي يقل حجمها عن 2.5 ميكرومتر (كل مليون ميكرومتر تساوي مترًا). تعتبر هذه الجزيئيات من أخطر منتجات تلوّث الهواء التي تؤدي إلى الوفاة.

[5]. 10 نيسان/أبريل 2026.

المراجع:

-الأمانة العامة للمجلس الأعلى للدفاع. (2024). تقارير الأوضاع الراهنة إثر الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان. https://drmleb.com/portal/apps/sites/#/daily-situation-report

-المديرية العامة للأحوال الشخصية. www.dgcs.gov.lb

-وزارة الصحة اللبنانية. التقارير الإحصائية. www.moph.gov.lb

CAS. (2020). Labour Force and Household Living Conditions Survey 2018-2019. Beirut: Central Administration of Statistics-

Census Bureau, 2026. www.census.gov

Fakhri, N., Yehya, A., El Kawak, M., & Fadel, M. (2025). Diesel generator exhaust emissions: Chemical characterization and cytotoxicity in bladder spheroids. Atmospheric Pollution Research, 16(9). Retrieved from https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S1309104225001734?dgcid=author

Numbeo. www.Numbeo.com

Our Wolrd in Data. www.Ourworldindata.org

World Health Organization. www.who.org

(*) راجع مقالة الكاتب بعنوان: “الولادات في لبنان بين ظاهرتي التعويض وجيل الصدى

Print Friendly, PDF & Email
شوقي عطيه

باحث متخصص بالديموغرافيا وأستاذ جامعي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  "محطة العريس".. بيروت كما لم تروِها الروايات