هل الحرب حتمية بين الصين.. وأميركا؟

عندما واجه الرئيس الصيني شي جين بينغ نظيره الأميركي دونالد ترامب خلال قمة بكين الأخيرة بفرضية "فخ ثيوسيديدس"، لم يكن هدفه الخوض في مناظرة فلسفية مستمدة من التاريخ اليوناني القديم والحرب المدمرة بين أثينا وإسبارطة؛ بل إطلاق تحذير مفاده أنه "علينا أن نجد اتفاقاً لإدارة صعود الصين من دون حرب بيننا وبينكم، أو أن التاريخ سيُبيّن لنا أن أية مواجهة ستُرتب نتائج سيئة لنا ولكم".

هذه طريقة دولة مثل الصين عمرها آلاف السنين عندما تستعين بمفهوم استخرجه البروفسور غراهام أليسون عام 2017 من الجانب التراجيدي للتاريخ اليوناني وطبّقه على دينامية العلاقات الصينية الأميركية تحت عنوان “فخ ثيوسيديدس”، من أجل تحويله الى أداة ديبلوماسية لدفع واشنطن الى قبول التنازلات والحد من مقاومة صعود القوة الصينية.

وقد شرح المؤرخ اليوناني ثيوسيديدس أن “الحرب البيلوبونيسية” بين أثينا وإسبارطة وقعت في القرن الخامس قبل الميلاد لأن “التطور المذهل لأثينا والخوف الذي أثاره لدى إسبارطة، جعلا الحرب حتمية”. وجوهر الفكرة أن ظهور قوة صاعدة الى جانب قوة مسيطرة أو سائدة ينتهي دائماً الى حرب، ذلك أن القوة السائدة إذ تخشى فقدان هيمنتها، تصبح عُدوانية لقطع الطريق على القوة الصاعدة التي تحتاج بدورها الى مساحة نفوذ أوسع تُفضي الى تشكيل تحدٍ للنظام السائد، ما يقود الى نزاع، حتى لو أن كلا الطرفين يريدان تجنب ذلك منذ البداية. لذا، عندما طرح شي جين بينغ مقولة “فخ ثيوسيديدس” على طاولة المحادثات مع ترامب، فإنه كان يُصوّب على مجموعة من الأهداف في آن معاً:

الهدف الأول، الضغط المعنوي الذي يُفترض أن يدفع ترامب الى الدفاع عن نفسه وإثبات أنه يتصرف بمسؤولية. كأنه يقول للرئيس الأميركي “إذا وقعنا في الفخ فإن الحرب ستقع وستكون أنت المسؤول عن الخطأ”.

الهدف الثاني، تحديد الإطار بمعنى أن المشكلة لا تتصل بشخصي أو بشخصك بل بالدينامية التي تحكم العلاقة بين أميركا والصين. وهذه دعوة إلى تجنب فخ الحرب بين البلدين، أياً كان العنوان الخلافي بينهما.

الهدف الثالث، المضي في اقتراح حل أو تسوية تتعلق بنمط جديد من العلاقات بين القوى الكبرى وتوزيع مناطق النفوذ. وهذا يُترجم عملياً باحتفاظ الصين بمجالها الحيوي في آسيا الباسيفيك وتفادي المواجهة.

ديبلوماسية مدروسة

في هذا السياق، لن نتأخر في اكتشاف أن رمي “فخ ثيوسيديدس” بوجه ترامب إنما يندرج في إطار ديبلوماسية صينية مدروسة، كون شي جين بينغ أثار إشكالية ثيوسيديدس علانية أربع مرات مع الرئيسين باراك أوباما ودونالد ترامب، وفي كل مرة كان الهدف يختلف قليلاً بحكم اختلاف الظروف.

ففي اللقاء الذي جمع الرئيس الصيني بأوباما في كاليفورنيا في حزيران/يونيو 2013، اقترح شي جين بينغ “نمطاً جديداً من العلاقات بين القوى الكبرى”، واستشهد بـ”فخ ثيوسيديدس” للقول إن التاريخ يؤكد أن قوة صاعدة في مواجهة قوة مسيطرة تعني الحرب، لكن يمكن تجنبها إذا اعتمدنا التعاون. وجاء رد أوباما إيجابياً، فيما سرّب مستشاره للأمن القومي توم دونيلون أن الإدارة الأميركية لا تؤمن بحتمية الوقوع في هذا “الفخ”. وإذا كان شي جين بينغ أراد في حينه امتحان قبول الولايات المتحدة بالاعتراف بالصين كقوة على قدم المساواة، فإن الجواب على سلبيته وضع الفكرة على الطاولة.

وفي أيلول/سبتمبر 2015، أعلن شي جين بينغ خلال زيارته الرسمية إلى العاصمة الأميركية في ظل توترات كانت تسود بحر الصين الجنوبي، أنه لا يوجد في العالم ما يُسمى “فخ ثيوسيديدس” لكن “إذا كانت القوى الكبرى ترتكب أخطاء في الحسابات الاستراتيجية أكثر فأكثر، يمكنها أن تخلق لنفسها مثل هذا الفخ”. وكان هذا الموضوع محور محادثات طويلة على مستوى القمة بين أوباما وشي جين بينغ الذي عمل على قلب السردية قائلاً “إن الحرب ليست حتمية، لكن يتعين عليكم أنتم (الولايات المتحدة) وقف الاستفزازات”.

وفاجأ الرئيس الصيني المراقبين عندما اعتبر في خطاب له في “منتدى دافوس” في كانون الثاني/يناير 2017 أن “فخ ثيوسيديدس” يُمكن تجنبه “ما دمنا نتابع الاتصال ونتعامل بإخلاص”. كانت هذه رسالة مباشرة الى ترامب عشية وصوله إلى البيت الأبيض في ولايته الأولى، وكان هدف شي جين بينغ تحديد قواعد اللعبة: يمكن أن نتفاهم ما لم تصدر عنك أشياء غريبة في قضايا مثل التجارة وجزيرة تايوان.

ولدى افتتاحه محادثات قمة بكين في الرابع من أيار/مايو 2026، سأل الرئيس الصيني نظيره الأميركي “هل في إمكان الصين والولايات المتحدة تجاوز فخ ثيوسيديدس وإنشاء بُنية ناظمة جديدة للعلاقات بين القوى الكبرى”؟ وردّ ترامب أن العلاقة ستكون “أفضل من أي وقت”، من دون أن يأتي على ذكر تايوان. وعلى هذا المنوال جاء البيان الأميركي حول محادثات القمة الأميركية الصينية.

ويرى خبراء غربيون أن شي جين بينغ يواصل الضغوط لحشر ترامب في الزاوية: إذا انفجرت الحرب ستكون أنت المسؤول عن الخطأ، ويعمل في الوقت نفسه لتحويل المناظرة من “تايوان الآن” إلى “لنعمل على إدارة المنافسة لعشر سنوات مقبلة”.

وإذا كان النمط الذي اعتمده الرئيس الصيني مع أوباما هو اقتراح التفاوض بشأن المساواة بين القوتين، فإنّه مع ترامب يُحذّر ثم يقترح مخرجاً. وهو يستخدم “فخ ثيوسيديدس” لتأكيد أمرين؛ الأول، أن الصين صاعدة وهذا مسارٌ تاريخي ولا يمكن أحد أن يوقفه. الثاني، أن هذا الواقع يفرض أن نجد اتفاقاً أو ننتهي إلى الدمار مثل أثينا وإسبارطة.

إقرأ على موقع 180  لبنان المقدس في الروايات الإسلامية 

عالم ترامب

وليس سراً أن ترامب الذي يقرأ قليلاً تاركاً لمُستشاريه الاهتمام بأفكار كلاوزفيتز وثيوسيديدس وهنري كيسنجر، ينظر الى العلاقات بين الدول كصفقات ثنائية، بينما يتطلب “فخ ثيوسيديدس” قراءة بنيوية وتاريخية تتعدى إطاره الذهني، لذلك لا يفهم سردية شي جين بينغ باعتبارها مفهوماً من التاريخ اليوناني، بل كرسالة للتفاوض: شي جين بينغ يقول لي انتبه لخطواتك، وإيّاك أن تندفع بشدة، لأن ذلك يُفجر الوضع، وفي هذه الحالة فإنك قد تخسر الانتخابات النصفية للكونغرس.

الحقيقة أن الفريق المحيط بالرئيس الأميركي هو الذي يضطلع بدور القناة الموصلة للمعرفة. غراهام أليسون قدّم له مباشرة إحاطة سريعة ومختصرة قبل القمة في بكين في أيار/مايو 2026. ماركو روبيو ومايك والتز قدما “ترجمة” لما يُعتقد أنها حسابات تدور في ذهن الرئيس الصيني: شي يقول أنّنا قد نقع في “الفخ”، والحقيقة أنه يُريد أن نتراجع في قضية تايوان. الرئيسان ريغان ونيكسون كانا يألفان هذا النوع من السردية التاريخية لكن لم تكن لديهما الأدوات المعرفية الضرورية للّعبة. المهم في هذه العملية أن تكون للمستشارين قدرة على “قراءة الأفكار” لكي يحسُم الرئيس الموضوع على أساس ميزان القوى. تبقى المشكلة إذا كان الرئيس غافلاً كلياً عن التنبيهات ويعتقد أن كل الأمور تُعالج على طريقة “الصفقة العقارية”!

 لقد أمضت الصين الشيوعية نحو أربعين سنة في دراسة ونقد الفكر الغربي واستفادت من ذلك لأجل تطوير رؤيتها في مجالات عدة، ومنها رؤيتها للماركسية وصولاً إلى صياغة ما تُسمى “النهضة الوطنية”.

وإذا كان البروفيسور الأميركي غراهام أليسون قد عمّم مفهوم “فخ ثيوسيديدس” عام 2012، فقد سبقه الى دراسته كتاب ثيوسيديدس عن “الحرب البيلوبونيسية” بين أثينا وإسبارطة مجموعة من الباحثين الصينيين البارزين في بكين يتقدمهم كين ياكينغ ويان سو تونغ. كما أن جامعة تسينغهوا ترجمت وناقشت أعمال ثيوسيديدس وكلاوزفيتز ومورغنثاو في إطار جهدٍ أكاديمي لمعرفة كيفية فهم الغرب لإشكاليات عديدة في العلاقات الدولية.

وها أن الصينيين يُدخلون ثيوسيديدس في إطار معارفهم الكلاسيكية وتعمقهم في دراسة تاريخ الغرب، وقد يكون ذلك لتعزيز وإغناء خطابهم حول بناء نظامٍ دوليٍّ جديد. وفي إطار منهجية أوسع للفكر السياسي الصيني، يعمل القيمون على الكليات العسكرية للمقارنة بين سون تزو وكلاوزفيتز للتأكيد أن الصين قاربت الحرب بأدوات استراتيجية غير مباشرة.

ويجري تناول أعمال هوبز وميكافيلّي في دوائر الحزب الشيوعي الصيني الحاكم لتبيان أن على الدولة أن تحتكر العنف. كما يتحدث شي جين بينغ عن معاهدة وستفاليا 1648 للقول إن “النظام العالمي يقوم على السيادة، وبالتالي يجب ان تتوقفوا عن الحديث عن حقوق الإنسان عندنا”.

الأمر المثير للتساؤل والتفكير في حدود التجربة وأبعادها الحقيقية، أن الصين عندما دخلت العصر الرقمي وأطلقت استراتيجية “الحزام والطريق” على خلفية الاهتمام بإصلاح مؤسسات الأمم المتحدة ورفدها بمؤسسات جديدة مثل “البريكس”، تبنت لغة جديدة تُقرّبها من “الجنوب العالمي” والأجيال المطالبة بالتغيير في المجتمعات الغربية. وبدا أن حركة الدفع هذه تتلازم مع محاولة لكسب المناظرة العالمية حول المفاهيم ومنها مفهوم “اتحاد المصير المشترك” الذي أطلقه شي جين بينغ عام 2013، ثم أُدخل في صلب دستور الحزب الشيوعي الحاكم. وينص المفهوم على “أن البلدان لها نظمٌ مختلفة لكن نتقاسم المصير إياه الاقتصادي والأمني. إذاً نتعاون من دون فرض نموذج”. ومن شأن هذا التوجه أن يستقطب “الجنوب العالمي” الذي يضم 140 دولة تحكمها أنظمة شبه ديموقراطية أو مركّبة تطالبها المنظومة الليبرالية بأن تتغير أولاً بينما الصين تقول لها “نعمل معاً في البيزنس والبنى التحتية من دون شروط”.

Print Friendly, PDF & Email
ميشال نوفل

كاتب وصحافي لبناني

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  ثِقل الأوليغارشية الروسية.. إلى "ملاذ تل أبيب" أيضاً