من تهجير اليهود إلى إعادة تجنيسهم.. قراءة في تحولات التطبيع المغربي

في الوقت الذي يرفع فيه الشارع المغربي صوته عاليًا تضامنًا مع غزة، تمضي الهرولة الرسمية نحو التطبيع إلى مستويات غير مسبوقة، تتجاوز الاتفاقيات الدبلوماسية لتطال الوجدان الشعبي والفضاء العام. لم يكن رحيل اليهود المغاربة، بدءًا من عام 1948، مجرد هجرة نحو "أرض الميعاد" كما تروّج السردية الصهيونية، بل كان عملية اقتلاع قسرية حُوِّلت أثمانها إلى حسابات بنكية سرية.

اليوم، يعود هذا الملف إلى الواجهة لا من باب الإنصاف التاريخي، بل عبر بوابة تطبيع متسارع يطرح تساؤلات حول السيادة والأمن القومي. من فخ الجنسية المغربية الممنوحة للإسرائيليين، وصولًا إلى رمزية نقل طقوس حائط المبكى إلى قلب عاصمة المرابطين، مدينة مراكش، باب دكالة.

يحاول هذا المقال تفكيك مشهد الاختراق الناعم، متسائلًا: هل نحن أمام تعددية ثقافية حقيقية، أم أمام عملية إعادة تشكيل للهوية المغربية لتلائم مقاسات المشروع الصهيوني؟

حين نسائل التاريخ بعيدًا عن البروباغندا الصهيونية، تتبدى لنا حقائق مغايرة لسردية العودة الطوعية لليهود المغاربة، فخروج جلّهم عقب عام 1948 وما تلاه لم يكن تلبية لنداء “أرض الميعاد” الروحي، بقدر ما كان عملية اقتلاع ممنهجة استهدفت مكوّنًا أصيلًا من النسيج الوطني في المغرب. لقد استغلت الحركة الصهيونية، بتواطؤ مع قوى استعمارية، مناخ القلق الذي ساد قبيل الاستقلال وبعده، لتمارس ضغوطًا نفسية ومادية أفضت إلى تهجير آلاف العائلات اليهودية قسرًا.

وتفضح الوثائق التاريخية، ولا سيما الإسرائيلية والفرنسية وتلك المسرّبة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، الطبيعة التجارية لهذا التهجير، حيث سيق اليهود المغاربة وكُدّسوا في بواخر كمادة بشرية لسد الفجوة الديموغرافية في الكيان الوليد، ضمن صفقات مشبوهة بيعت فيها الذمم مقابل “رؤوس” المهاجرين، وحُوِّلت أثمانها إلى حسابات سرية في البنوك السويسرية، في مشهد هو أقرب إلى الاتجار بالبشر منه إلى الهجرة الطبيعية.

عند وصولهم، واجه اليهود المغاربة صدمة لم تكن في الحسبان، إذ وجدوا أنفسهم مواطنين من الدرجة الثانية (المزراحيين) في مواجهة النخبة الأشكنازية القادمة من الغرب وروسيا. هؤلاء الذين غادروا دفء دروب “الملاح” وحماية السلطان، وجدوا أنفسهم في مخيمات العبور (المعابروت)، يواجهون تهميشًا ثقافيًا واقتصاديًا. لقد استغرق الأمر عقودًا من الصراع والاحتجاج — مثل حركة الفهود السود — ليظهر جيل يحاول انتزاع مكانة في مجتمع صهيوني لا يرى فيهم إلا أداة انتخابية أو وقودًا للحروب، مع بقاء النخبة الفاعلة في الدولة والمجتمع نادرة وقليلة قياسًا بحجمهم الديموغرافي.

منح الجنسية المغربية!

يذكرنا المؤرخ المغربي حاييم زعفراني، عبر ترجمات عبد الغني أبو العزم، ومنها كتابه «ألف سنة من حياة اليهود في المغرب»، بأن الوجود اليهودي في المغرب ليس طارئًا، بل هو ضارب في عمق التاريخ، سابقًا حتى للفتح الإسلامي. هذا الحضور، الذي شكّل جزءًا من الشخصية المغربية لقرون، يتم اليوم توظيفه بشكل سياسوي فج. فحين يعتز وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة بالمليون مغربي في إسرائيل، فإنه يقفز فوق الإشكالية السيادية؛ فبينما يرفع بعض هؤلاء العلم المغربي ويصدحون بمغربية الصحراء في احتفالاتهم، نجد أن بنيامين نتنياهو وحكومته التي ينتمي إليها هؤلاء لا تفتأ تُظهر خريطة المغرب مبتورة في المحافل الدولية، في مفارقة تعكس استغلال العاطفة المغربية لخدمة أجندة صهيونية لا تحترم أبسط مقومات السيادة الوطنية.

تطرح حكومة عزيز أخنوش اليوم مقترح منح الجنسية المغربية لأبناء وأحفاد اليهود في إسرائيل. وهنا نصل إلى ذروة التناقض… إن تشبيه هذا الأمر بـ”الجنسية الرياضية” للاعبي المنتخب الوطني هو قياس مع الفارق الكبير. لاعب “أسود الأطلس” الذي يختار المغرب يضحي بفرصة اللعب لأي منتخب آخر، وفق قوانين «الفيفا»، إنه اختيار مصيري ينبني على الولاء المطلق للقميص.

أما في حالة الجنسية السياسية الممنوحة للإسرائيليين، فنحن أمام ازدواجية خطيرة؛ فالإسرائيلي الذي يحصل على الجواز المغربي يظل محتفظًا بولائه للكيان الصهيوني، وبجنسيته الأصلية التي تفرض عليه الخدمة العسكرية في جيش يمارس القتل اليومي… إننا هنا لا نمنح حقًا تاريخيًا، بل نفتح الباب أمام اختراقات قد تمس الأمن القومي، خصوصًا مع وجود عصابات مافيوية ظهرت تتاجر في هذه الهويات… وفي ظل حضور “الموساد” الذي لا يغيب أبدًا عن مثل هذه الترتيبات.

هرولة مغربية

إن مشهد “صلاة المبكى” في باب دكالة بمراكش، أو على شواطئ أكادير، لم يكن مجرد طقس ديني نقي. فقد عاش المغاربة المسلمون مع اليهود المغاربة لقرون، ولم يكن الدين يومًا سببًا للصدام، لكن تحويل الفضاء العام المغربي إلى نسخة من طقوس الحزن الصهيونية المرتبطة بالقدس المحتلة هو استفزاز للوجدان الشعبي. والمغالطة الكبرى تكمن في ادعاء أن هؤلاء المصلين ينتمون إلى طوائف تعارض الصهيونية، وحتى لو صحّ ذلك، فإن المشروع الصهيوني يمتاز بخبث شديد؛ فهو يستخدم هذه الثغرات الدينية لتطبيع الوجود الإسرائيلي في الوعي المغربي، وجعل المشهد مألوفًا تمهيدًا لما هو أخطر.

وإذا قارنا التجربة المغربية بتجارب مصر أو الأردن، سنجد فارقًا مخيفًا؛ ففي تلك الدول ظل التطبيع رسميًا وباردًا، وظلت النقابات والشارع سدًا منيعًا ضد الاختراق الثقافي. أما في المغرب، فنحن نشهد هرولة غير مسبوقة واحتفاءً رسميًا يتجاوز المصالح السياسية إلى صناعة سردية بديلة تحاول تجميل وجه الكيان المجرم. السلطة هنا تستخف برأي الشارع المغربي، الذي يخرج يوميًا بالآلاف تضامنًا مع غزة ورفضًا لإبادة الأطفال والنساء وتهديم المباني فوق البشر.

إقرأ على موقع 180  استفزازات ترامب.. والتحديات العربية

لقد وصل الصلف الصهيوني إلى حد خروج مجرمين مثل إيتمار بن غفير ليدّعي أن “أرض المغرب أرض يهودية”، بل وتعدّى ذلك لمهاجمة النجم اللاعب حكيم زياش ردًا على تدوينة تضامنية مع فلسطين، مما يثبت أن الصراع ليس على الأرض فحسب، بل على من يملك الحق في قول الحقيقة.

إسرائيل جديدة بالمغرب

في ظل هذا الهجوم، نرى زعماء سياسيين مثل أمين عام حزب العدالة والتنمية الإسلامي عبد الإله بنكيران، أو الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي إدريس لشكر، يلوون ألسنتهم لتبرير ما يحصل في محاولة لتنويم المجتمع واستغفاله. وفي المقابل، تظهر ازدواجية بعض جهابذة التطرف الأمازيغي الذين يدافعون عن “حق الصلاة” الصهيونية في الشارع تحت مسمى التسامح، بينما هم أنفسهم من هاجموا المصلين المغاربة أيام الجمعة بدعوى حرمة المجال العام. إنها انتهازية فكرية مقيتة تضع “الأجنبي” فوق “المواطن” لأغراض أيديولوجية ضيقة.

إن ما يحدث اليوم في المغرب يتجاوز الاتفاقيات الدبلوماسية؛ إنه محاولة لإعادة تشكيل الهوية المغربية لتكون ملحقًا بالمشروع الصهيوني تحت ستار التعددية الثقافية.

إن المغرب، بتاريخه العريق وانتمائه العربي-الإسلامي والإفريقي، أكبر من أن يُختزل في سردية تطبيعية تخدم مصالح آنية وتفرّط في ثوابت الأمة. إن السيادة الحقيقية تبدأ من احترام وجدان الشعب وحماية الأرض من كل اختراق، سواء كان ناعمًا عبر الجوازات أو خشنًا عبر التصريحات.

فهل نحن حقًا أمام بناء “إسرائيل الجديدة في المغرب”، كما تساءل الإعلامي علي أنوزلا؟

Print Friendly, PDF & Email
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  أميركا: الانتخابات النصفية وفوضى التمويل و"إيباك".. وفنزويلا!