وإذا كان صحيحاً أنَّ النظام اللبناني يدفعُ المرءَ إلى الشعور بأنَّه ابن طائفته فحسْبُ، فإنَّ من الصحيح أيضاً أنَّ البُنُوَّةَ الطائفية ليست قدراً مُحَتَّماً، ولا حكماً مؤبَداً كما يدّعي اليمين الطائفي، ولا هي سِمةٌ تكوينية وتاريخية لا يستطيع اللبناني أن يعيش من دونها، بل هي عارضٌ سلبيٌ مُعيقٌ في صيرورة التطوُّر. هذا العارض تزدادُ خطورتُهُ راهناً بسبب انتشاره السرطاني في جميع الطوائف ما خلا قلةً عَلمانيّة تحاولُ اختراقَ الأسوار الطائفية على أمل الانتقال يوماً ما من الطائفية إلى المواطنية. ولا شكَّ في أنَّ هذا الانتقال يحتاج إلى وعي طبقي يُعرِّي البرجوازيات الريعية الرأسمالية، ويكشف تناقضاتها، ويُسلِّطُ الضوءَ على حقيقتها المعادية للغالبية الساحقة من أبناء لبنان، وهذا ما قصَّر فيه اليسارُ تقصيراً غير مبرَّرٍ، فترك الساحةَ فريسةً للعبث اليميني.
ولا يخفى على أيِّ مراقب موضوعيٍّ، أنَّ هذه البرجوازيَّات الريعية والكومبرادوريَّة من مختلف الطوائف مُتحدةٌ في ما بينها اتحاداً مصلحيّاً طبقيَّاً، فيما هي تفتعلُ الانقساماتِ الطائفيَّة بين المواطنين ليتحوَّل الصراعُ من صراع طبقي ضدَّها إلى صراعٍ هُويَّاتي كي يبقى الاستغلالُ قائماً، وكي تُشكِّلَ الهويَّاتُ المتناحرة غطاءً للظلم الاجتماعي وللانحراف الوطني، ولا سيَّما في مرحلتنا الراهنة.
نحن الآن أمام عدوانٍ إسرائيلي شرسٍ، وأمام سلطة تتبنَّى التصدِّي للمقاومة بكلِّ أشكالها بدلاً من التصدِّي للاحتلال. وفي هذا السياقِ يبرز دور البرجوازيَّات الطائفية التي تحتضن السلطة، وتقف خلفها، وتخطط معها للتطبيع الشامل مع العدوِّ الإسرائيلي كسباً للسوق، وتوسيعاً لهامش الأرباح لو على حسابِ الناس والأرض.
الوعيُ الطبقي ضرورةٌ تحرُّرية وتاريخية، وهو آتٍ عاجلاً أو آجلاً. وهو وحدَهُ قادرٌ على اختراق جدران الطوائف. وهنا تظهر أهمية أن يُجدَّد اليسار اللبناني تفكيره وأسلوبه، وأن يمارس نقداً ذاتياً تفصيليّاً جريئاً، وأن ينفتح على قوىً علمانيةٍ وديموقراطيةٍ متنوِّعةٍ، ولو لم تكن يسارية، لأنَّ المرحلة الحالية تقتضي تغليب التناقضات الرئيسية على التناقضات الثانوية. ومن نافلة القول إنَّ التناقض الرئيسي هو مع العدوِّ الإسرائيلي، ومع طبقة الرأسمال الريعي الداخلي التي تراهن على التطبيع، من أجل أن تحفظ موقعَها في السوق المستقبلية وفقاُ لتصوراتها. وهي لا يعنيها السلام الأهلي بشيء، ولا تأبَهُ لأهميةِ بناء وحدةٍ وطنيةٍ، ولا تُعيرُ اهتماماً للشأن المعيشي المتدهور لدى الطبقتين المتوسطة والفقيرة.
يتضحُ مما سبق، أنَّ الوعي الطبقي الذي يحتاجه معظم اللبنانيين- [كي يتمكَّنوا من مواجهة الرأسمالية المحليّةِ الريعية، ومن التصدِّي للعدوِّ الإسرائيلي وعملائه جماعاتٍ وأفراداً]- تقفُ الطائفية الهويَّاتيّةُ سدَّاً منيعاً بوجهه. ولهذا السبب التاريخي يجب على اليسار أن يراجع نفسه، ويأخذ دوره، وإلَّا فإنَّ اليمين الطائفي سيقضي على ما تبقَّى من مقوِّمات الوحدة الوطنية، وسيرتدُّ بالبلد نحو قرنين إلى الوراء، وكأنَّنا عدْنا إلى مرحلة 1840 من القرن التاسع عشر حيث كانتِ القائمقاميَّات والكانتونات التي انتهت إلى حروب أهلية، ما زلنا ندفع ثمنها، إن لم نقلْ إنها ما زالت مستمرة إلى الآن. وأخشى ما نخشاهُ هو استمرار السلطة الراهنة في تجاهل أهمية المقاومة وضرورتها، حتى لو كانت تقتصر حالياً على حزب وحدَه، لأنَّ هذا التجاهل يُودي بلبنان إلى الإذعان للعدوِّ الإسرائيلي، ويفتحُ أبواباً واسعةً وجديدة أمام الطائفيين الرأسماليين للجَهْرِ بمزيدٍ من الدعوات إلى التقسيم تحت عناوين الفيدرالية والكونفدرالية، وبذريعة اللامركزية التي شوَّهوها عمداًَ فيما اتفاق الطائف تحدَّثَ عنها في إطارها الإداري لا السياسي ولا المالي.
بإزاء ذلك، يبدو اليمين الطائفي منسجماً مع نفسه عندما يؤبِّدُ الطائفية، أما سكوت اليسار وتراخيه عن التصدِّي للفكر الطائفي، فيبدو غريباً ومستهجناً، إذْ من غير المعقول أن يستقيل اليسارُ من دوره وينحدر إلى الجمود بعد أن سجَّل منذ العشرينيَّات حتى أواسط الثمانينيَّات صفحاتٍ ناصعاتٍ في مقاومة العدوِّ الإسرائيلي ومواجهة الرأسمالية الريعية الكومبرادورية التي لا تقيم أي وزن لمفهوم الوطن والشعب.
حاليّاً، لبنان على أخطر مِحكٍّ في تاريخه الكِياني، فإمَّا وَحدةٌ أفقيَّةٌ تخترقُ الطوائف، وتَجمعُ كلَّ المتضرِّرين من الفقراء والطبقة المتوسطة لينتج عنها بقاءٌ وطنيٌ، وإمَّا انقسام طائفيّ عاموديٌ يُحوِّلُ الصراعَ من طبقيٍّ إلى هويّاتيّ يؤدي إلى التقسيم وزوال لبنان، في مرحلةٍ تشتدُّ فيها مخاطر التقسيم في منطقة الشرق الأوسط. وبمقدار ما يتحمَّلُ اليمين السلطوي والرأسمالي والارتهاني والديني مسؤولية ما آلتْ إليه الأوضاع بمقدار ما يصبح مطلوباً من اليسارتجديد نفسه قبل فوات الأوان.
