حقّاً؛ هل يُمكن لمُؤمنٍ.. أن يَرفض منطق “السّلام”؟

خلال جولات التّحضير لإعلان بدء مرحلة المفاوضات المباشِرة مع العدوّ الإسرائيليّ، وبعد هذا الإعلان، بَرزَ ويَبرزُ خطابٌ مُعيّنٌ في البلد.. يقدّم المسألةَ هذه - وغيرَها من مثيلاتها - على أنّها التزامٌ ما بفلسفة أو عقليّة أو طريق أو مفهوم "السّلام"، لا سيّما من الزّاويتَين الرّوحيّة والدّينيّة. وقد استعان هذا الخطاب وهو يَستعين، بعباراتٍ هنا وهناك من بعض كُتُبنا المقدّسة، وكذلك باقتباساتٍ من بعض خطابات قداسة البابا لاوون الرابع عشر بشكل خاصّ.

وهنا تُطرح أسئلة عميقة مترابطة:

-هل يُمكن لمؤمنٍ، ضمن أديان منطقتنا أقلّه، بل هل يمكن لمؤمنٍ حقيقيّ بشكل عامّ.. أن يرفض منطق “السّلام”؟

-هل يمكن أن نكون مؤمنين وروحيّين (أو روحانيّين)، ثمّ نرفض “السّلام”؟

-أيُّ ايمانٍ هذا.. يرفض “السّلام”؟

من خلال هذه الأسئلة وغيرها، يسعى البعض، ومن خلال تسويقِ اجابةٍ – ضمنيّةٍ أيضاً – وسطحيّةٍ جدّاً عليه: يسعى هذا البعضُ إلى تصوير كلّ من يرفض الاعتراف بهذا العدوّ أو كلّ من يرفض منحه الشّرعيّة أو كلّ من يرفض الاستسلام/الإذعان له.. على أنّه يرفض “السّلام” وفلسفة “السّلام” بالمُطلق أو بِشبهِ المُطلق، وبالتّالي إلى تصويرِهِ على أنّه يُخالف المَنطِق الدّينيّ والرّوحيّ العميق.

المسألة خطيرة، ويتوجّب التّوقّف عندها بتعمّق وهدوء.

***

من هذا المنطلق، فإنّ الأطروحة التي أدافع عنها في هذا المقال، والمنطلقة من مفاهيم ذات طابع صوفيّ-عرفانيّ غالب (عالميّ قدر الإمكان)، يُمكن اختصارها كما يلي: إنّ الكثير من الصّفات الرّوحيّة والالهيّة (و”الوجوديّة”)، وعلى رأسها “السّلام”، لا يمكن أن تُؤخذ بالمطلق ضمن هذا العالم الذي نعيش فيه، أعجبنا ذلك ظاهراً أم لم يُعجبنا.

وبعبارةٍ أدقّ، أقرب إلى مصطلحات الفلسفة، وخصوصاً إلى مصطلحات التّصوّف أو العرفان النّظريّ (المركزّية إذن بالنّسبة إلى موضوعنا): ثمّة فارقٌ أساسيٌّ بين الحديث عن صفات “الإله” أو “الله” بما هو وجودٌ غير متجلٍّ؛ وبين الحديث عن صفات الله أو الوجود.. بما هو وجودٌ متجلٍّ (Manifeste ou Manifesté).

***

فمن زاوية البُعد (الوجوديّ والمعرفيّ) الأوّل، حيث القرب عموماً من المُطلق ومن الأَحَديّة وما إلى ذلك، يُمكن أن تُفهم صفة “السّلام” بوصفها مطلقةً أو مائلةً إلى المُطلق، أي بوصفها غير مشروطة إن شئت. (بالمناسبة، هنا تأخذ عبارة – أو ذِكر – “يا سَلام!” كلّ معناها العظيم).

أمّا من زاوية البُعد (الوجوديّ والمعرفيّ) الثّاني، أي ضمن عوالم التّجلّي عموماً إن جاز التّعبير، وحيث نحيا ونتحرّك ضمن واقعٍ تحكمه، في الغالب، الاثنَينيّة والضدّيّة كما شرحنا في السّابق.. فإنّ صفة “السّلام” لا يمكن أن تُفهم بالمعنى ذاته. في العوالم المتجلّية، مع التّبسيط: حيث الخير والشرّ “متواجدان” معاً.. وكذلك الظّلم والعدل، والنّور والظّلمات، والحَسن والقَبيح (إلخ..).. لا يمكن “للسّلام” أن يكون واقعاً – أو مفهوماً – منفصلاً عن العَدل.

لنقل، إن شئت: في هذا العالم أدناه، السّلام المتجلّي لا يقوم ولا يستوي بلا العدل المتجلّي.

ومن هنا، فإنّ الفصل- خصوصاً- بين “السّلام” و”العدل” في هذا العالم، ليس فقط خطأً فلسفيّاً ومفاهيميّاً، بل هو أيضاً تشويهٌ عميقٌ لمعنى السّلام نفسه ضمن هذا الاطار العامّ إذن.

مع التّبسيط الشّديد مُجدّداً: “الإله” في هذه العوالم المتجلّية.. مُحبٌّ طبعاً، ورَحيمٌ طبعاً، وسلامٌ طبعاً من جهة؛ ولكنّه، بالمقابل أيضاً، عادلٌ (أي ذو عدلٍ وعدالةٍ، وذو ميزانٍ، وذو ثوابٍ، وذو عقابٍ، بل وذو انتقامٍ كما يعبّر القرآن الكريم مثلاً.. وربّما، كذلك، ذو بأسٍ وذو عذابٍ شديد طبعاً).

مهما أغضبنا ذلك وأحزننا ربّما، فهذا هو الواقع العميق ضمن عوالم التّجلّي بشكل عامّ: هذه هي طبيعةُ تلك العوالم الوجوديّة (والمعرفيّة).

لذلك، فمهمّة المؤمن والسّالك والمتصوّف الأساسيّة والشّاقّة.. تكمن في أن يحاولوا التّعالي قدر الإمكان، من خلال وعيهم، عن هذه العوالم.. نحو عوالم تتّجه بهم أكثر فأكثر نحو “الوجود الحقّ”، أي نحو الوجود المُطلق، الواعي بشكل مُطلق والمُحبّ بشكل مُطلق (والغنيّ عن أيّ “شيء آخر” بالمُطلق.. و”السّلام”، إذن، بشكل مُطلق إن أردت).

ولكنّ هذه لا يُمكن أن تكون مُهمّة القائد السّياسيّ أو الحزبيّ في هذه الدّنيا، أقلّه في ظاهر الأمر وعلى سطحه الأوّل.. وخصوصاً، أمام المستوى الحالي لـ(عدم)-تعالي الوعي الانسانيّ الجماعيّ حتّى الآن (أقلّه على هذه الأرض إن شئت).

***

مع التّبسيط أيضاً: إنّ من يشدّد على “السّلام” بوصفه قيمةً مطلقةً في هذا العالم، إنّما يخلط بين مستويَين وجوديَّين (ومعرفيَّين) مختلفَين بالمعنى العرفانيّ والرّوحيّ. فكلّما نزلنا صوب عوالمنا الدّنيا، كلّما غدت هذه الصّفة أو القيمة مشروطةً، مرتبطةً بسياقها، ومقترنةً حتماً ومتفاعلةً مع صفة أو قيمة.. العَدل تحديداً.

***

ومن هنا، لا يعود السّؤال: هل يمكن لمؤمنٍ أن يرفض “السّلام”؟ بل يصبح: أيّ سلامٍ نقصد تحديداً؟ أم يُريد منّا البعضُ أن نَعبُد إلهاً “مسالماً” أو “سلاماً”.. من دون أن يَكون “عادلاً”؟ هل يستوي هذا المنطق.. إلّا عند بعض الكهنة والمتديّنين الخادمين للرّأسماليّة المادّيّة المتوحّشة ربّما؟

أليسَ تصوّرٌ “لإلهٍ” كهذا، في عالمٍ كهذا العالم، هو تصوّرٌ تخديريٌّ على الأرجح، في خدمة مصلحة المتحكّمين بثروات العالم وقواه المادّيّة الأساسيّة؟

كما أشرنا: في هذا البُعد المتجلّي للوجود، لا يمكن تصوّر “إلهٍ” يقبل “بسَلامٍ” مطلق، أي من غير أن يقترن ذلك بتحقيق “العدل” بشكل خاصّ.

إقرأ على موقع 180  نعوم تشومسكي: الماركسية والفوضوية في آن معاً (2)

***

لنركّز على هذه الفكرة المركزيّة إذن: إنّ الحديث عن السّلام، من دون تشديدٍ جديّ وكافٍ على زاوية العدل، ليس بريئاً دائماً؛ بل هو في أكثر صُوَره، خطابٌ بورجوازيّ (بالمعنى الماركسيّ)، واستعماريّ.. وربّما “استحماريّ” تماماً بتعبير المفكر علي شريعتي.

إنّ تكرار عباراتٍ وجملاً واقتباساتٍ هنا وهناك عن “السّلام”، خارج هذا الإطار المفاهيميّ الدّقيق والحَذِر، ومن مُنطلق (بسودو-) دينيّ.. يُثير الرّيبة فعلاً. فهل يُراد من شعوبِ هذه المنطقة مثلاً: أن تَعقد “سلاماً” مع من لم يزل يُوغل في احتلال أرضها وفي قتلها، ويتصاعد استكباره في اغتصاب حقوقها ومواردها.. وذلك استناداً إلى مقولاتٍ شبه- أو بسودو Pseudo –  روحيّة أو دينيّة؟

حقّاً، هل يستحمرُنا بعض السّياسيّين والدّبلوماسيّين ورجال الدّين تماماً.. على طريقة تعبير الشّهيد شريعتي؟ هل تستحمروننا حقّاً.. إلى هذه الدّرجة؟

إنّ الله المتجلّي: “محبّةٌ” و”سلامٌ” و”رحمةٌ” بالتّأكيد، ولكنّه أيضاً، عزيزٌ-كبيرٌ-عليٌّ-عظيمٌ لا يَقبل لعباده الذّلّ ولا الهوان؛ وباسطٌ-قابضٌ وعادلٌ لا يَقبل على عباده الظّلم أو الضّيم..

.. وعليمٌ حكيمٌ لا يَقبل لهم أن ينوّمهم الاستحمار الأفيونيّ هذا.. أخو الاستعمار.

***

في الخلاصة، إنّ الالحاح المفرط على استخدام وتكرار مصطلح وصفة السّلام بمعزلٍ عن العدل، وخصوصاً في سياقِ عالمٍ متجلٍّ وظاهرٍ قائمٍ على الضّدّية والصّراع، ليس فقط تبسيطاً مُخلّاً، بل قد يكون على الأرجح تَضليلاً وتغريراً مُبيناً. ومن هنا، فإنّ الانتباه إلى هذا الاستخدام المُفرط لمصطلح “السّلام”، في سياق ما تعيشه شعوب هذه المنطقة من ظلمٍ وقهرٍ واحتلالٍ وسرقةٍ واستعمار، يصبح ضرورةً فكريّةً وأخلاقيّةً وسياسيّةً.. ودينيّةً وروحيّةً معاً.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  دياب يتحدى الأميركيين.. وسلامة لن يستقيل والشارع يغلي