مالطا جزيرةٌ صغيرة في البحر المتوسط، تاريخها حافلٌ وقديم، ويرجع المأثور المُتداوَل بشأنها إلى روايات متنوعة؛ أكثرها تكرارًا أن شيخًا مغربيًا نزل إلى أرض الجزيرة، وانشغل بتحديد القِبلة، ثم حان وقتُ الصَّلاة فأذَّن، وانتظر أن ينضمَّ إليه الناس؛ لكن انتظارَه طال فصَلى وحيدًا حتى انتهى، وأدرك من ساعتها ألا فائدة تُرجَى من رفع الآذان هناك، وباتت الواقعة مَضربًا للأمثال؛ متى نادى الواحد غابت الاستجابةُ، وأنَّى كرَّر نداءَه ورفع صوتَه؛ تبخَّر جَهده في الهواء.
***
يأتي هذا البيت الشهير: “قد أسمَعت لو ناديت حيًا.. ولكن لا حياة لمَن تُنادي“، ضِمن قصيدة مَنسوبة لفارس العرب عمرو الزبيدي، ويُقال إن كلًّا من بشَّار بن بُرد، ودريد بن الصمة، وكَثير عُزة؛ اقتبسوه ودمجوه في قصائد تخصُّهم، ومثلهم فعل رفاعة الطهطاوي، والخُلاصَة أن المعنى مُستقرٌ في الأذهان، حاضرٌ في الواقع، وأن الزبيدي قد عبَّر عنه على خير ما يكون، لا سيَّما وقد أكده ببيتٍ إضافيّ يقول: “ولو نارًا نفخت بها أضاءت.. ولكن أنت تنفُخ في رَماد“.
***
إذ يبذل الواحد جهدًا حثيثًا با طائل؛ ينصَحه الناسُ بالكفّ لئلا يصبح كمَن “يَحرثُ في البَحر“. المَجازُ هنا دالٌّ ملمُوس؛ فالمياه السَّائلة لن تحملْ أثرًا مهما تعرَّضت للحَرث والتقليب؛ على غير ما يُرى في التربة المُتماسِكة.
***
يقول أبو العلاء المعريّ؛ إمام المتشائمين وقبلتهم: “غير مُجدٍ في ملَّتي واعتقادي.. نوح باكٍ ولا ترنُّم شادي.. وشبيه صَوتُ النعيّ إذا قِيسَ.. بصَوتِ البشيرِ في كلّ نادي“. نصوصُ أبي العلاء تمثيلٌ مُكتمِلُ الأركان وصادقٌ لحال اللا جَدوى؛ بكل ما تحمل مِن ثِقل ووطأة على الأفئدة، وبكل ما تحوز من حِكمةٍ صافيةٍ وفي الوقت ذاته قاتمة.
***
في قصيدة “متى يعلنون وفاة العرب؟” التي وضعها نَزار قبانيّ عام ألفٍ وثمانمائةٍ وثمانية وتسعين، توصيفٌ مؤلمٌ لما صارت إليه الأمةُ العربية. غيابٌ مُريب وأوضاع مُؤسية؛ لا ينقصها سوى إعلان وفاةٍ رَسميّ، والحقُّ أن سؤال قبانيّ بات اليوم مُستحَقًا بأضعافِ ما كان عند صياغته؛ فقد تباعدت الدُّولُ التي تجمعها الجغرافيا ويقربُها التاريخُ وتصنع اللغةُ بينها وبين بعضها البعض رابطًا مشتركًا، ولقد تحوَّل ذِكر “جامعة الدول العربية” في مُختلف المَحافِل والاجتماعات إلى باعثٍ على السُّخرية، مُحرضٍ على الغَمْز واللمْز والاستهزاء. باتت الجامعةُ مفرقة، وتمركزت أغلبُ الدولُ حول حدودها الضيقة، والعَرب منهم من سَلكَ مَسلكَ بني صهيون وزاد وغالى وتمادى، وتناسى أن العدوَ يبقى على حاله؛ لا يُغير من نواياه انتحالُ سَمت الأصدقاء، وفي غُمرة الانشغالِ بأمجاد شخصية تافهة وصغيرة، تضاءل الاهتمامُ بقضايا عربية كبرى؛ كانت فيما مضى عنوانًا للتقارب والتلاحم والكفاح. القصيدة تنتهي بالكلمات التالية: “رأيت العروبةَ مَعروضةً في مزادِ الأثاثِ القديم.. ولكنني.. ما رأيت العَرَب!”
***
في وَصفِ الحياة التي لا تشبه الحياةَ ولا تختلف كثيرًا عن حالِ المَوات؛ يقول أحمد مَطر في إحدى لافتاته الشعرية: “مات الفتى.. أيُّ فتى؟.. هذا الذي كان يعيشُ صامتًا.. وكان يدعو صمتَه أن يصمتَ.. وكان صَمتُ صَمته يصمتُ صمتًا خافتًا.. مات اليَوم؟.. كلا هذا الفتى عاشَ ومات ميتًا“. لافتات مَطر لاذعة، تخرقُ الروحَ وتوقظ الغافيَ؛ لكنها لا تصلح سوى للأحياء.
***
في لحظاتٍ تعيسة كابية؛ تصبح محاولاتُ الترميم والإصلاح من الداخل محضَ عَبث وإضاعة للوقت. بعضُ الأشياء إن فسدت؛ كان من الأجدى الإجهازُ على ما تبقى منها، ثم إقامة البناء من جديد على أرضٍ صَلبة نظيفة، لا تحمل جرثومةً ولا تنوء بحملٍ كاذب؛ وفي حاضرنا ما يستوجبُ فعلًا جِذريًا يُعيد الأمورَ إلى نصابها.
***
نُسِبَت للزَّعيم سَعد زغلول قولة “ما فيش فايدة“؛ للتدليل على يأسِه من قضية التحرُّر، وبعض المرات في الإشارة إلى عَجزِه عن حلّ خلافاته السياسيَّة مع عدلي يَكن؛ لكن الأقربَ للتصديق أنه وكما يذكر عددٌ من المؤرخين؛ كان على فراشِ المرض، ولاحظ فشل العلاج والدواء في تحسين صحته، فأسَرَّ لصَفية زغلول بهواجسه. لم تكن السياسةُ مما يُسبّب له الإحباط أو يدفعه للتراجُع، وقد عُرِفَ عنه الإصرار والتمسُّك بتحقيق الهدف، والظنُّ أن الميلَ العامَ للنكوص والتراخي؛ يدفع الناسَ لتوظيف الوقائع والأحداث بما يوافقه.
***
في مَسرحية “وِجهة نَظَر” يُردد الشابُ ضخم البنيان على مدار العرض: “ما فيش فايدة“. لازَمت العبارةُ ألسنةَ الجماهير لفترة طويلة، ولا تزال قيد الاستعمال إذ ازدادت الحاجة إليها في ظل انهيار الأحلام. صاحبُها هو الفنان هاني رمزي الذي أدى دور “مَسعود”؛ نزيل كفيف تستغله ورفاقه إحدى الدور الرعاية، وفيما يسعى النزلاء للتحرر من سيطرة الإدارة؛ فإن مسعود لا ينفك يحبطهم بعبارته. العمل من أجمل ما قدم محمد صبحي للمسرح مع لينين الرملي، وقد عُرِضَ عام ألف وتسعمائة تسعة وثمانين.
***
حين يتضح أن الأمرَ ميئوسٌ منه؛ ينصح الناسَ القائم عليه قائلين: “ما تتعبش نفسك“. القَّصد أن شيئًا لن يتغير والأولى توفير الجهدَ والتعبَ لما يُجدي. قليلون هم من يحتفظون بإصراهم ويتمسكون بالأمل، يصارعون ويتلقون الضربات ويردونها؛ دون أن يَهنوا أو يتراجعوا. الإيمانُ بالقدرة على تذليل العوائق وتخطي الحواجز والجدران؛ يؤدي دومًا للمراد، أما تبني قيم العدمية واللا جدوى؛ فمصدر تثبيط دائم، يمكنه أن يُخمِدَ أيَّ جذوة، وفي حَراك يناير أفضل تمثيل للحالين المتناقضين؛ حال اليقينٌ بالقدرة على تحقيقِ النَّصر، ثم حال استسلام سَريع وتسليم بالعجز، وباليدّ تغليب واحدة على الأخرى.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
