إذا كان الإجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، أحد ثمار معاهدة “كامب ديفيد” التي وقّعها الرئيس المصري الأسبق أنور السادات عام 1979، فإن “اتفاق 17 أيار/مايو” شكّل النتيجة السياسية المباشرة لهذا الإجتياح الذي تمّ توقيعه بعده بعام (1983)، وإسقاطه بعد ذلك بأقل من عام (1984). هذا الإتفاق وُلد بعد ستة أشهر من المفاوضات المباشرة، التي بدأت في 28 كانون الأول/ ديسمبر من عام الإجتياح نفسه (1982) برعاية أميركية، عبر جولات ماراثونية بين خلدة (لبنان) ومستوطنة كريات شمونة (مدينة الخالصة الفلسطينية) استمرت حتى يوم 17 أيار/مايو 1983، تم خلاله فرض الاتفاق، الذي بات يُعرف باسم تاريخ توقيعه، تحت نيران العدوان الإسرائيلي ودباباته، التي بلغت القصر الرئاسي، الذي كان في عهدة الرئيس أمين الجميل، فيما كان رئيس الحكومة شفيق الوزان، ورئيس مجلس النواب كامل الأسعد، ليوافق البرلمان على الاتفاقية في 14 حزيران/يونيو 1983 بأغلبية 65 صوتاً، ولم يعارضه إلّا النائبان نجاح واكيم وزاهر الخطيب.
نصَّ الإتفاق على إنهاء حالة الحرب، والإنسحاب الإسرائيلي خلال 8 إلى 12 أسبوعاً، لكن الإحتلال ربط هذا الإنسحاب بترتيبات أمنية إسرائيلية خالصة ملخصها:
1- إنشاء “منطقة أمنية عازلة “بعمق 45 كلم تبلغ نهر الأولي ما بعد مدينة صيدا، يلتزم لبنان ضمنها بضمان “أمن إسرائيل”.
2- منع الجيش اللبناني من نشر أي قوات أو تجهيزات ثقيلة أو جو- برية دون موافقة إسرائيلية مسبقة، مع تحديد أنواع الأسلحة والمعدات المسموح له باستخدامها فيها.
3- دمج ميليشيا العملاء الذين يطالب بعض اللبنانيين اليوم بشمولهم في قانون العفو، ضمن هيكلية الجيش اللبناني وقوى الأمن، التي يطالب هذا البعض اليوم، بدمج عناصر المقاومة فيها.
4- في السيادة الجوية والبحرية، اشترط الملحق إبلاغ العدو الإسرائيلي “بإشعار مسبق” عن جميع الرحلات الجويّة فوق المنطقة الأمنية، ومنحه صلاحيات واسعة في التدخل البحري لأي اشتباه والحق في تحديد مناطق حظر الملاحة البحرية والجوية.
5- تشكيل “لجنة ترتيبات أمنية” من ضباط لبنانيين وإسرائيليين برعاية أميركية للإشراف على تنفيذ الاتفاق وتمهيد الطريق لتطبيع العلاقات، وإقامة مكتب ارتباط متبادل.
لكن العدو الإسرائيلي ظلّ يربط انسحابه بشرطين: أولهما، إنسحاب سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وبعد ذلك ينسحب الإحتلال الاسرائيلي، وثانيهما، وضَعَه أثناء خروج الوفدين اللبناني والإسرائيلي من جلسة توقيع الإتفاق عندما فاجأ رئيس الوفد الاسرائيلي المفاوض ديفيد كيمحي رئيس الوفد اللبناني انطوان فتال بسؤاله: “متى سنلتقي مجدداً؟” وعندما أجاب الأخير: “دعونا الآن ننفذ ما اتفقنا عليه وسنرى”، فوجئ بالرد الإسرائيلي: “لا، نحن لن نخرج قبل أن نرى موافقة سوريا على الاتفاق”، وهكذا انتقلت الذريعة من شرط إنسحاب سوريا من لبنان، إلى إضافة شرطٍ ثانٍ بموافقتها على الإتفاق بعد انسحابها، مثلما يتذرع اليوم بسلاح المقاومة، فمن يضمن أو يمنع أن لا يشترط موافقة إيران اليوم؟
لكن الاتفاق الذي كان نتيجة الصراع الإسرائيلي-السوري في لبنان، لم يكمل عامه الأول، فالرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد قال: “هذا الاتفاق لن يمرّ”، والرئيس نبيه بري الذي كان رئيس حركة أمل آنذاك، نعاه وقال: هذا الاتفاق “وُلِدَ ميتاً”، وهذا ما أدى إلى إسقاطه عبر ثلاث ضربات قاضية: الأولى، إقليمية مثّلها القرار السوري بإسقاطه، ما وفّر مظلة اقليمية عربية للبنان المقاوم، والثانية، سياسية وطنية تمثّلت بتحالف وطني رباعي (في مواجهة ثلاثي الجميّل-الوزّان-الأسعد)، بين الرئيس نبيه بري، الرئيس اللبناني الأسبق سليمان فرنجية، رئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي، رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، وقوى وأحزاب لبنانية أخرى.. والثالثة، ميدانية ذات ثلاث شُعَب أولها، “انتفاضة 6 شباط” وعامودها الفقري حركة أمل التي قال رئيسها نبيه بري “لكل 17 أيار هناك 6 شباط”، وثانيها، الإنتفاضات الشعبية في العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية، على طريق المطار ووادي بوجميل وعامودها الفقري مسجد الإمام الرضا في بئر العبد، وكله حراك قصفته السلطة بالمدفعية، التي قصمت ظهر الجيش اللبناني وأدت إلى انقسامه، وهو ما شكّل العامل الميداني الثالث، وبات تتويجاً للحرب الأهلية، ونموذجاً كارثياً دموياً عندما تُورّط السلطة السياسية الجيش الوطني في الفتنة، وتُدير بندقيته إلى الداخل، مثلما حاولت وتحاول أن تفعل اليوم، وهكذا تم إلغاء الاتفاق رسمياً بقرار حكومي في 5 آذار (مارس) 1984 قضى باعتباره باطلاً وكأنّه لم يكن.
أبرز النتائج
أعاد إسقاط اتفاق 17 أيار/مايو توحيد القرار الوطني باتجاه الهوية العربية للبنان، وأخرجه من بوتقة الإحتلال الغربي بإخراج القوات المتعددة الجنسيات وأنقذ لبنان من فم التنّين الإسرائيلي، وأجبره على الإنكفاء، وحصر احتلاله بالشريط الحدودي، ليبدأ مسار التحرير بالمقاومة اللبنانية من كافة أطياف النسيج اللبناني، عبر مخاض من العمليات والتضحيات والشهداء والجرحى والأسرى والمعتقلين تمخض تحرير العام 2000 الناجز.
اليوم، وبعد 43 عاماً، يُعيد التاريخ نفسه بعدوانين إسرائيليين، وقرارين لبنانيين، العدوان الأول عام 2023 الذي أفضى إلى اتفاق تنفيذ القرار 1701 في 27 تشرين الثاني/نوفمبر، والتزام المقاومة به من طرف واحد طيلة 15 شهراً، وهو ما أدى إلى 500 شهيد و1000 جريح، وتوّجته الحكومة اللبنانية بقرار نزع سلاح المقاومة خلال جلستين حكوميتين في 4 و5 آب/أغسطس 2025. والعدوان الثاني في 2 آذار/مارس، وما زال مستمراً حتى يومنا هذا.
هذان العدوانان شكّلا رافعة لقوى داخلية لبنانية من أجل تثبيت شعار نزع سلاح المقاومة، وهو المطلب الإسرائيلي الأول والأساس، ومع ذلك، أقدمت السلطة اللبنانية على ارتكاب خطاياها الثلاث: الأولى، بدأت بقرار نزع سلاح المقاومة في جلسة 5 آب/أغسطس 2025، والثانية، قرار “الحظر الشامل لجميع الأنشطة العسكرية والأمنية” للمقاومة واعتبارها “خارجة عن القانون” في جلسة 2 آذار/مارس الماضي، والثالثة، اعلان رئاسة الجمهورية الانخراط في مسار المفاوضات المباشرة وآخر فصولها الجلستان اللتان عُقدتا يومي الأربعاء والخميس الماضيين في واشنطن، ولم ينتج عنهما إلّا “تمديد إطلاق النار”.
وهنا يتساءل سياسي مسيحي لبناني بارز يعكف على وضع تصور لخطة وطنية دفاعية شاملة: “لماذا يتقدم نزع سلاح المقاومة على نزع الاحتلال المستمر في عدوانه؟ ولماذا تكذب الحكومة على المقاومة، وعلى كل الداخل، وعلى الخارج، وتؤكد في بيانها الوزاري على “حق لبنان في الدفاع عن نفسه وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة”، فلا تدافع ولا تريد أن تدع غيرها يدافع، بل تتورط بتعهدها في بيانها الوزاري، بنزع سلاح المقاومة، تحت مُسمّى “حصر السلاح”؟ وترمي مشكلتها على قائد الجيش، الذي تُدرك سلفاً أنه لا ولن يفعل ذلك؟ وكيف تتعهد في بيانها المذكور، “باستعادة سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية دون أن تضع خطة لذلك؟ وكيف تعد في بيانها هذا بِـ”إعداد استراتيجية أمن وطني لتمكين الدولة من إزالة الاحتلال الإسرائيلي ورد العدوان”، دون أن تضعها أو تضع خطة لها”؟
ويسأل السياسي نفسه: “أين هو عهد رئيس الجمهورية في خطاب القسم “عهدي أن أدعو الى مناقشة سياسة دفاعية متكاملة كجزء من استراتيجية أمن وطني على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية بما يمكّن الدولة اللبنانية، من إزالة الإحتلال الإسرائيلي ورد عدوانه عن كافة الأراضي اللبنانية”؟
يأتي الجواب من تكرار تورط الحكم اللبناني في مفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي عبر ثلاث جولات- حتى الآن- في واشنطن خواتيمها فرض التزامات لبنانية من طرف واحد، دون أي التزام إسرائيلي. إلتزاماتٌ تقول “اتفقت الحكومتان”.. أيُّ حكومتين؟ – يتساءل السياسي المسيحي البارز – وحكومتنا لم تجتمع، ولم تقرر، التزامات تنص على “إنهاء حالة الحرب” لكن هذا أيضاً يحتاج إلى قرار من الحكومة ومن مجلس النواب وهو ما لم يحصل؛ التزاماتٌ تمنح العدو الإسرائيلي “حق الدفاع عن النفس” ولا تسمح للبنان بهذا الحق، التزاماتٌ بترسيم الحدود وهي مرسمة، البحرية منها في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2022، والبرية بعد التحرير (باستثناء بعض النقاط) في العام 2000.
الفرصة ما زالت متاحة
ختامُ القولِ سؤالٌ: لماذا تستسهل السلطة اللبنانية وتستسيغ الحوار والتفاوض مع العدو الإسرائيلي المحتل، فيما ذلك مع المقاومة التي تضمّ أبناء وطنها أمرٌ صعبٌ مُستصعَبٌ؟
والجواب-الحل، برأي السياسي المسيحي المخضرم، “هو الحوار بين الحكم والمقاومة، وتحديداً بين رئيس الجمهورية وحزب الله؛ حوارٌ غير معلن وليس عبر الشاشات والبيانات والخطابات، بل بسحب الموضوع من التداول، لأن الأزمة طويلة، وتحتاج وقتاً مربوطاً بالإقليم، ولبنان لا يجب أن يحشر نفسه تحت ضغط الوقت. ولكن حوار حول ماذا؟ حوارٌ على ثلاث خطط: استبدال التفاوض المباشر مع العدو بمفاوضات غير مباشرة؛ تنسيق الدولة مع المقاومة كسلاح قوة؛ وضع استراتيجية دفاع وطني لما بعد التحرير. هل هذا ممكن”؟
يجيب السياسي اللبناني على السؤال الذي طرحه قائلاً: “في لبنان رئيس الجمهورية في أول عامين من عهده يقول ويفعل ما يريد، وفي ثاني عامين، يريد رئيس حكومة يتفاهم معه، وفي آخر عامين، لا يجد أحداً يحكي معه. الكل يحكون مع الرئيس المقبل”، فهل يستفيد الرئيس جوزاف عون من بداية عامه الرئاسي الثاني ويتخذ القرار بالحوار مع “أهله” قبل فوات الأوان؟
