تحليلات أميركية: حربُ إيران تُغيّر وجه المنطقة.. وتكشف حدود قوة خصومها

18018024/05/2026
تناول الكاتب والمؤرخ الأميركي روبرت كاغان وهو أحد منظري المحافظين الجدد، في مقالة له في مجلة "ذا أتلانتيك" المأزق الذي بلغه دونالد ترامب في الحرب على إيران، قائلاً إن الرئيس الأميركي لا ينهي الحرب من موقع المنتصر، بل ينسحب منها تحت ضغط الوقائع، ما يعني ـ برأيه ـ تراجع الهيمنة الأميركية وصعود إيران كقوة إقليمية ودولية. أما الكاتبان ديفيد هالبفينغز ورونين بيرغمان، فيُشدّدان في مقالة لهما في "نيويورك تايمز" على أنّ الحرب على إيران كشفت تراجع موقع إسرائيل داخل القرار الأميركي، بحيث انتقل بنيامين نتنياهو من شريك يقود الحرب مع واشنطن إلى طرف مُهمَّش ينتظر قرارات ترامب ويتكيّف معها.

ولعلّ اللافت للانتباه أكثر أنّ هذا التحول لم يعد يُعبَّر عنه فقط في تحليلات الخصوم أو تقديرات المحاور المقابلة، بل بات يظهر بوضوح داخل أبرز المنابر الأميركية نفسها. من “ذا أتلنتيك” التي وصفت مآلات سياسة ترامب تجاه إيران بأنها أقرب إلى “الاستسلام”، إلى “نيويورك تايمز” التي كشفت كيف انتقل نتنياهو من موقع “الشريك في القيادة” إلى مجرد طرف مُهمَّش في مفاوضات تُدار فوق رأسه، تتشكل تدريجياً صورة مختلفة تماماً عن تلك التي حاولت واشنطن وتل أبيب تسويقها في بداية الحرب.

فهذه المواجهة لم تعد مجرد حرب على البرنامج النووي الإيراني أو البرنامج الصاروخي أو على نفوذ طهران الإقليمي، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على هيمنتها، ولقدرة إسرائيل على فرض شروطها الاستراتيجية بالقوة. ومع كل يوم يمر، يبدو أنّ السؤال لم يعد: كيف ستنتهي الحرب؟ بل ماذا سيبقى من صورة الردع الأميركي والإسرائيلي بعدها؟

مع كل يوم يمرّ على الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران، تتكشف صورة مختلفة تماماً عن تلك التي حاولت واشنطن وتل أبيب رسمها في بدايات المواجهة. فالحرب التي دخلها الطرفان بوصفها فرصة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وإعادة تثبيت الهيمنة الأميركية والإسرائيلية، بدأت تتحول تدريجياً إلى لحظة تكشف حدود القوة لدى الطرفين معاً، وتفتح الباب أمام توازنات إقليمية ودولية جديدة.

وبحسب التقارير الأميركية، تسير إدارة ترامب نحو تفاهم مع إيران يقوم على وقف الحرب وفتح مسار تفاوضي جديد بشأن البرنامج النووي ومضيق هرمز. غير أنّ هذا المسار لا يُقرأ داخل الولايات المتحدة باعتباره إنجازاً استراتيجياً، بل باعتباره تراجعاً فرضته الوقائع الميدانية والاقتصادية. فإيران، برغم الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها، لم تنهَر، ولم تقدّم التنازلات التي كانت واشنطن وتل أبيب تتوقعانها، بل تعاملت مع المفاوضات من موقع الطرف القادر على فرض شروطه، سواء عبر الإصرار على استمرار التخصيب النووي أو عبر تثبيت نفوذها في مضيق هرمز.

والأخطر بالنسبة إلى واشنطن أنّ طهران بدأت تستثمر الهدنة المؤقتة لترسيخ واقع جديد في الخليج، يقوم على فرض ترتيبات عبور واتفاقيات مباشرة مع الدول المستوردة للطاقة، بما يمنحها نفوذاً اقتصادياً وسياسياً واسعاً. وهكذا، بدل أن تؤدي الحرب إلى تقليص الدور الإيراني، بدأت تفتح الباب أمام تحوّل إيران إلى مركز إلزامي في معادلة الطاقة العالمية، بما ينعكس مباشرة على موقع الولايات المتحدة في المنطقة.

في المقابل، بدا المشهد أكثر إرباكاً داخل إسرائيل. فالحرب التي دخلها نتنياهو بأهداف كبرى ـ إسقاط النظام الإيراني، تدمير البرنامج النووي، وإنهاء القدرات الصاروخية ـ انتهت من دون تحقيق أي من هذه الأهداف. بل إنّ التقارير الأميركية نفسها تشير إلى أنّ إدارة ترامب باتت تتفاوض مع طهران على اتفاق قد يشبه، في بعض جوانبه، الاتفاق النووي الذي خاض نتنياهو معركة طويلة ضده قبل سنوات.

والأكثر دلالة أنّ إسرائيل لم تعد شريكاً كاملاً في إدارة الحرب أو التفاوض. فبعدما قدّم نتنياهو نفسه في الأيام الأولى بوصفه الحليف الأقرب إلى ترامب، والقادر على التأثير المباشر في قراراته، وجد نفسه تدريجياً خارج دائرة القرار الفعلي، فيما بدأت واشنطن تتعامل معه باعتباره عبئاً يجب ضبط اندفاعه لا شريكاً يُصاغ معه الحل.

وقد ظهر ذلك بوضوح في أكثر من محطة، سواء عندما ضغطت واشنطن لوقف استهداف البنية التحتية للطاقة الإيرانية، أو عندما تراجعت عن دعم بعض الخطط العسكرية الإسرائيلية، أو حين دفعت نحو تهدئة مبكرة على الجبهة اللبنانية. ومع الوقت، بدا أنّ أولويات الولايات المتحدة بدأت تختلف جذرياً عن أولويات إسرائيل: فترامب يريد منع انفجار اقتصادي عالمي وحماية أسواق الطاقة، بينما كان نتنياهو يسعى إلى استثمار الحرب لإعادة رسم التوازنات الإقليمية بالقوة.

لكن الحرب، بدل أن تمنح إسرائيل تفوقاً استراتيجياً جديداً، دفعتها نحو مزيد من العزلة والارتهان. فالدولة التي لطالما قدّمت نفسها باعتبارها قادرة على “الدفاع عن نفسها بنفسها”، باتت تنتظر “الضوء الأخضر” الأميركي حتى في أكثر القرارات حساسية. أما نتنياهو، الذي حاول تحويل الحرب إلى لحظة شخصية وتاريخية تعيد تكريس صورته كـ”حامي إسرائيل”، فوجد نفسه مضطراً إلى تعديل خطابه وأهدافه بصورة متكررة، تبعاً لتحولات الموقف الأميركي وتقلبات ترامب نفسه.

إقرأ على موقع 180  بين ثورة الخميني وبراغماتية خامنئي.. إيران قوة إقليمية كبرى!

في العمق، تكشف هذه الحرب حقيقة أوسع من مجرد تعثر عسكري أو تفاوض متعثر. فهي تشير إلى تحوّل أعمق في بنية النظام الإقليمي والدولي. فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض الحسم بسهولة كما في السابق، وإسرائيل لم تعد تملك القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي دائم، بينما نجحت إيران ـ بمجرد صمودها ومنع إسقاطها ـ في فرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مقبلة.

ولهذا تبدو الحرب، حتى لو هدأت جبهاتها مؤقتاً، أبعد من مجرد نزاع عابر على البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي. إنها مواجهة كشفت حدود القوة الأميركية والإسرائيلية معاً، وفتحت الباب أمام شرق أوسط جديد تتغير فيه موازين الردع والنفوذ والتحالفات، وربما يتغير معه شكل النظام الدولي نفسه.

(*) المصدر: “نيويورك تايمز“، “ذا أتلنتيك“؛ ترجمة ChatGPT، بتصرف 180 بوست

Print Friendly, PDF & Email
180

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  بين ثورة الخميني وبراغماتية خامنئي.. إيران قوة إقليمية كبرى!