وتقوم هذه القراءة على أن توسيع السيطرة نمط عدواني متصل يستكمل أهداف حرب الإبادة بوتائر متغيرة، وأن اتفاق وقف إطلاق النار بدّل إيقاع التنفيذ دون أن يمسّ مضمون الأهداف. ومع انتقال هذه السياسة من تحركات ميدانية صامتة إلى تبنٍّ سياسي معلن، أصبح “الخط الأصفر” أداة لإعادة تشكيل جغرافيا قطاع غزة وبنيته الديموغرافية، ومقدمةً لتثبيت احتلال طويل المدى وفتح الطريق أمام الاستيطان.
من خط للانسحاب إلى حدود متحركة للسيطرة
غطّى “الخط الأصفر” عند تثبيته نحو 53% من مساحة القطاع، بما يعادل قرابة 193 كيلومترًا مربعًا من أصل 365. غير أن الاحتلال بدأ نقل المكعبات والعلامات الصفراء غربًا، بالتوازي مع تجريف الأراضي، وإقامة السواتر، وشق الطرق العسكرية، ومنع السكان من الاقتراب من مناطق جديدة، تحت عنوان حماية القوات وإزالة التهديدات. وقد وثّقت صحيفة “الغارديان” هذا النمط بوصفه تحويلًا لخط وقف إطلاق النار المؤقت إلى أداة يستعملها الاحتلال لتوسيع سيطرته العسكرية، بعدما بدأ تحريك الخط تدريجيًا باتجاه الغرب موسعًا نطاق سيطرته بدلًا من تقليصه.
رافقت هذه المرحلة عمليات تدمير واسعة داخل مساحة السيطرة، ففي 23 شباط/فبراير 2026، أعلن جيش الاحتلال أن “اللواء السابع” أنجز، بعد نحو ثلاثة أشهر من العمل المتواصل في رفح، ما وصفه بعملية “تطهير” لمجال “الخط الأصفر” شملت تدمير مئات المباني ونفقٍ بطول يقارب كيلومترًا واحدًا، ضمن توصيف يكشف أن مساحة السيطرة عوملت باعتبارها نطاقًا يعاد تشكيلها وتفريغها من العمران، لا حدًا مؤقتًا للانتشار.
ووثّق تحقيق نشرته “هآرتس” في 26 آذار/مارس 2026 النتيجة المباشرة لهذا المسار، إذ أدى الخرق الإسرائيلي للخريطة المتفق عليها إلى احتلال أراضٍ زراعية ومبانٍ سكنية ومواقع أقيمت فوق أنقاض مساجد ومقابر، ومناطق كانت تضم منشآت حيوية وخدمات أساسية؛ ومع اتساع هذا الحيّز وتقدمه غربًا تقلص المجال المتاح لنحو 2.1 مليون فلسطيني إلى أقل من نصف المساحة التي عاشوا فيها قبل الحرب التي انطلقت شرارتها في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
كما أظهرت صور الأقمار الصناعية تشييد أكثر من 23 كيلومترًا من الجدران والسواتر الترابية، وامتداد أحد مقاطع الساتر في جنوب القطاع من نحو 500 متر مطلع تموز/يوليو إلى 2.4 كيلومتر منتصف الشهر، بما يؤشر إلى إنشاء حدود داخلية ثابتة.
ومع انخفاض الكلفة الدولية، انتقل السلوك من كونه تعبيرًا ميدانيًا إلى مستوى القرار السياسي، ففي أيار/مايو 2026، بحث المجلس الوزاري المصغر مقترحًا قدمه بنيامين نتنياهو لتوسيع السيطرة البرية، دون اتخاذ قرار نهائي بشأنه. وفي 24 حزيران/يونيو، أقرّ نتنياهو بأن جيش الاحتلال بات يسيطر على نحو 70% من مساحة القطاع، متجاوزًا خط الانتشار الأصلي بنحو 17 نقطة مئوية، بفعل مناطق الحظر والمواقع العسكرية والطرق والأراضي المحظور على سكانها العودة إليها. وقد جاء هذا الإقرار متسقًا مع تقديرات المؤسسة الأمنية؛ إذ نقل موقع “واللا” العبري تقديرات تفيد بأن الجيش يفرض سيطرة عملياتية على نحو 70% من مساحة القطاع، مع توقعات بارتفاع النسبة خلال الأشهر المقبلة. وتطابق المصدرين السياسي والأمني يرفع درجة الثقة بالمعطى ويخرجه من دائرة التقدير الفلسطيني.
واستكمل وزير الحرب يسرائيل كاتس هذا المسار بوصف الدمار في شمال القطاع بأنه “نتيجة سياسة مدروسة هدفت إلى إزالة التهديدات”، مضيفًا: “بدلًا من أسلوب المداهمة -الدخول والخروج- أصبح الجيش الإسرائيلي في الداخل، و(المخربون) في الخارج، والمنازل مدمرة”.
الاتفاق غيّر وتيرة الحرب وحافظ على أهدافها
غيّر اتفاق وقف إطلاق النار الوتيرة العملياتية للعدوان، فيما استمرت أهداف حرب الإبادة عبر نمط أقل كثافة وأكثر استدامة، يجمع بين الضربات والاغتيالات والنسف والتجريف وتوسيع السيطرة والتحكم في المعابر. وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ارتكب الاحتلال 3,795 خرقًا حتى اليوم الـ280 من سريان الاتفاق، ما أسفر عن استشهاد 1,168 فلسطينيًا وإصابة 3,734 آخرين، إلى جانب اعتقال 149 مواطنًا، بما يعكس استمرار حرية الحركة العسكرية تحت سقف الاتفاق.
وحافظ التدمير على الوظيفة التي اكتسبها خلال عمليتي “عربات جدعون 1″ و”عربات جدعون 2”: السيطرة على الأرض، وإزالة بنيتها العمرانية، وحصر السكان في نطاقات ضيقة. واستمرت هذه السياسة خلف “الخط الأصفر” عبر نسف المباني وتجريف الأراضي وشق الطرق، بما يهيئ المساحات المحتلة لوجود عسكري طويل المدى ويجعل عودة السكان شبه مستحيلة في ظل غياب المساكن والبنية التحتية. والدلالة الجوهرية هنا أن هذا التدمير لا ينتج أثرًا عسكريًا مباشرًا، إذ يُراكم أثرًا ديموغرافيًا يقوم على تحويل الأرض إلى مجال غير قابل للسكن.
ولم يقتصر الأمر على المساحات الواقعة خلف “الخط الأصفر”، فقد نُشرت حدود جديدة للخط بمحاذاة شارع صلاح الدين الرئيس الذي يربط شمال القطاع بوسطه وجنوبه، وهو ما يحمل هدفاً عملياتياً جوهرياً إذ يُعد خطوة محورية لجيش الاحتلال في تقطيع أوصال القطاع، ويقطع نصف الطريق نحو السيطرة من جديد على “محور نتساريم” الرابط بين أجزاء القطاع.
وتكامل الضغط الإنساني مع السيطرة العسكرية؛ فمن أصل 168 ألف شاحنة كان يفترض دخولها، دخلت 59,613 شاحنة بنسبة التزام لم تتجاوز 35%، فيما سُجل سفر 9,268 شخصًا من أصل 24,600 أي بنسبة 37%. وهكذا أصبح الاتفاق يتيح مساحة لاستمرار السلوك العدواني وأداة لربط مستويات الاستراتيجية الإسرائيلية: سيطرة تتوسع على الأرض تدريجيًا، واستمرار في معدلات الدمار، وإعادة هندسة التجويع والابتزاز الإنساني ومنع لأي إمكانية للتعافي مستقبلًا. وبذلك تحوّل التهجير الذي فرضته الحرب إلى منع مستمر للعودة، وتحوّلت السيطرة العسكرية إلى إعادة تشكيل ديموغرافي للقطاع، والأوضاع القاهرة إلى مسار قتل مستمر بأشكال متعددة.
من السيطرة العسكرية إلى مأسسة الوجود الدائم
أنشأ جيش الاحتلال على امتداد “الخط الأصفر” شبكة من المواقع والطرق والسواتر والجدران ووسائل المراقبة، بما يؤسس لمنظومة ثابتة لإدارة الأرض. فقد أنهى إقامة أبراج مراقبة وثكنات عسكرية على طول الحدود الشرقية للقطاع، من بيت لاهيا شمالًا إلى شرق خان يونس جنوبًا، مرورًا بالمنطقة الحدودية شرق الشجاعية والزيتون والمصدر وجحر الديك، فيما أظهرت صور الأقمار الصناعية إنشاء قواعد عسكرية جديدة وشبكات طرق فوق مناطق سكنية سبق تدميرها، من بينها قاعدة أقيمت على أنقاض بلدة بني سهيلا قرب خان يونس. وينتج عن ذلك تقسيم بين مساحة فلسطينية مكتظة، وأخرى يحتفظ الاحتلال بها بعد تدمير عمرانها وإبعاد سكانها.
كل ما يجري من إجراءات، تصل لما يمكن وصفه بـ”الاحتلال المجاني”؛ إذ يحصل الاحتلال على الأرض والعمق الأمني وحرية الحركة، فيما يدفع السكان وتبعاتهم الإنسانية إلى خارج نطاق سيطرته المباشرة، ويتجنب مسؤوليات إدارة السكان الواقعين تحت الاحتلال، ويُجنبه الاتفاق الإدانة والملاحقة الدولية، ويقيد قدرة المقاومة على رفعة كلفة الوجود الاحتلالي عبر المواجهة المباشرة.
والمعطى الأكثر دلالة على طبيعة هذه البنية أن الاحتلال برّرها بوصفها “منطقة أمنية” أُقيمت بمحاذاة “الخط الأصفر” لمنع تسلل المقاومين وحماية المستوطنات الإسرائيلية والقوات العاملة داخل القطاع، غير أن صور الأقمار الصناعية ووثائق اطلعت عليها وكالة “أسوشيتد برس” تُظهر أجزاء من الحاجز تتجاوز “الخط الأصفر”، ما يثير مخاوف من تحوله إلى حدود دائمة داخل قطاع غزة. فالجدار الملتزم بمسار الخط يمكن تفسيره ترتيبًا أمنيًا مؤقتًا؛ أما تجاوزه فيؤدي وظيفة مغايرة تقوم على فكرة الحدود المتحركة وتوسيع السيطرة.
وتتضح الوجهة الأخطر مع طرح يسرائيل كاتس إقامة ثلاث “نوى ناحال” في المواقع نفسها التي كانت قائمة في شمال قطاع غزة، بزعم أن الخطوة “ضرورية لأمن إسرائيل” وأنها “ستعزّز السيطرة والدفاع عن البلدات”، أي العودة إلى مواقع مستوطنات نيسانيت ودوغيت وإيلي سيناي التي أُخليت ضمن خطة شارون لفك الارتباط، فيما يحمل اختيار مواقع مستوطنات ما قبل عام 2005 دلالة على السعي إلى إلغاء آثار الانسحاب وإعادة فتح ملف الاستيطان تحت عنوان “الضرورة الأمنية”.
تصريحات كاتس، اعتبرها مجلس المستوطنات إعلانًا عن إنشاء مستوطنات عسكرية جديدة وقدّم الشكر لوزير الحرب عليه، وتاريخيًا، بدأت “نوى الناحال” نقاطًا تجمع الخدمة العسكرية بالعمل الزراعي في مواقع استراتيجية، ثم تحولت إلى كيبوتسات أو موشافات مدنية، لتكون أداة للاستيلاء على الأرض وتأمينها قبل نقلها إلى المشروع الاستيطاني.
الصمت الدولي وتكريس الأمر الواقع
تعاملت الجهات الدولية الضامنة مع الوقائع العدوانية الإسرائيلية باعتبارها خروقات منفصلة، ولم تواجهها بوصفها عملية منظمة لإعادة رسم خريطة السيطرة. فقد ركّز الخطاب الدولي على حماية المدنيين قرب “الخط الأصفر”، كما في موقف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك الذي شدّد على أن استهداف المدنيين غير مقبول بغض النظر عن قربهم من الخط، فيما بقي تحريك الخط وإنشاء البنية العسكرية خارج نطاق الضغط. وأتاح هذا الواقع للاحتلال تقديم كل خطوة منفردة ضمن سياقات وإدعاءات مختلفة، مثل كونها تحركات تأمين ميداني، وتقديم التدمير كإزالة للتهديدات، والسواتر كحماية للقوات، وتوسيع السيطرة كجزء من المرحلة الثانية.
ويُهدّد استمرار هذا المسار بتفريغ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقرار مجلس الأمن 2803 من مضمونهما التنفيذي؛ فالانسحاب التدريجي ونشر قوة الاستقرار الدولية يجري استبدالهما بتوسيع الانتشار وتأجيل الانسحاب. كما قد تتحول مفاوضات المرحلة الثانية إلى إطار يبدأ من حدود السيطرة الجديدة ويمنحها غطاءً سياسيًا، بما يكرس تقسيم القطاع بين منطقة مكتظة بالسكان في ظروف كارثية، وأخرى تابعة لمجلس السلام في نموذج “الغيتو” الذي تديره لجنة التكنوقراط، وأخرى خاضعة للاحتلال ومفتوحة أمام الاستيطان.
منع تحوّل “الخط الأصفر” إلى حدود دائمة
تتطلب مواجهة هذا المسار تجاوز توصيف ما يجري بوصفه خروقات لاتفاق وقف إطلاق النار، والتعامل معه باعتباره استمرارًا لحرب الإبادة وعملية ضم عسكري تدريجي. فجوهر السياسة يقوم على تغيير جغرافيا القطاع، وتفكيك وجوده الديموغرافي، والاستيلاء على الأرض بعد تفريغها وتدمير مقومات الحياة فيها.
ويقتضي ذلك تحويل القضية إلى ملف سياسي وقانوني عاجل أمام الأمم المتحدة والجهات الضامنة، والضغط لوقف تحريك “الخط الأصفر” وإزالة المنشآت المستحدثة، وإلزام الاحتلال بالانسحاب إلى “الخط الأحمر”، وفق قرار مجلس الأمن الرقم 2803، تمهيدًا للانسحاب الكامل، مع نشر قوة الاستقرار الدولية. ويُشكّل الرصد الخرائطي المستقل والدوري شرطًا لأي ضغط فعّال، إذ إن غياب التوثيق المستمر لحدود السيطرة الإسرائيلية ووتيرة تحرك الاحتلال هو ما أتاح تقديم كل خطوة بوصفها إجراءً معزولًا.
فاستمرار الزحف سيحوّل “الخط الأصفر” إلى حدود مفروضة داخل غزة، ويجعل الوعود الاستيطانية لليمين الصهيوني واقعًا جغرافيًا: أرضٌ فلسطينية بلا سكانها، خاضعة للوجود العسكري ومفتوحة أمام الاستيطان.
