ترامب على درب هوفر أو كارتر.. هل تتكرّر حكاية يوليان المرتد؟

استعان الكاتب في مجلة "نيويوركر" روبن رايت بمقارنة عقدها الديبلوماسي الأميركي السابق جون ليمبرت، الذي كان محتجزاً رهينة في السفارة الأميركية بطهران (1979 - 1981)، بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأربعة قادة رومان شنّوا حملات عسكرية فاشلة مدفوعين بـ"الغطرسة والجهل" وفق تعبيره. وصادف أن أحد هؤلاء هو الإمبراطور يوليان (حكم بين عامي 331 و361)، "الذي تعرض للتضليل حين ادعى أمير فارسي منفي -كان قد عاش في الخارج لعقود ويتحدث اليونانية بطلاقة- أن بلاد فارس ستستقبله كمُحرِّر".    

قدّر ترامب أن حرب “الغضب الملحمي” التي شنها مع إسرائيل في 28 شباط/فبراير الماضي، ستسغرق ما بين أربعة إلى ستة أسابيع على الأكثر، فإذا بها تقترب من شهرها الخامس، وهي عالقة في نقطة لم تكن واردة في الأهداف المعلنة للحرب. أي عند مضيق هرمز، الذي لم يكن يشكل أي أزمة حتى 27 شباط/فبراير.

النسخة الجديدة من الضربات الأميركية المتواصلة منذ أكثر من عشرة أيام، هدفها المعلن، هو حمل إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات والقبول بالتفسير الأميركي للبند الخامس من مذكرة التفاهم الموقعة في 17 حزيران/يونيو 2026. هذا التفسير يقول بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بلا قيود، على عكس التفسير الذي تتمسك به طهران والقائل بأن السلطات الإيرانية يجب أن تتخذ “الترتيبات” اللازمة، لتأمين العبور في المضيق خلال فترة وقف النار المؤقت لمدة 60 يوماً من تاريخ التوقيع على المذكرة.

ويتدرج ترامب في الضغوط العسكرية في مواجهة الرفض الإيراني لأي تراجع عن اغلاق المضيق، فقرّر استئناف الحصار البحري، وهدّد مرة أخرى بقصف محطات الكهرباء والجسور وجبل فأس قرب منشأة نطنز النووية في الأيام المقبلة ولوّح بغزو بري لجزيرة خرج، إذا لم تعد طهران إلى طاولة المفاوضات. في حين هدّدت إيران باستهداف البنى التحتية في دول الخليج وبإغلاق مضيق باب المندب بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.

رفع سقف المواجهة حالياً إلى هذا المستوى من التصعيد، لا يلحق الأذى بإيران وحدها، بل سيتسبب بصدمة طاقوية جديدة تهز الأسواق العالمية التي لم تكد تتعافى من الصدمة التي أعقبت اغلاق مضيق هرمز وما تلاها من حصار أميركي على الموانيء الإيرانية. وهناك توقعات بارتفاع سعر برميل النفط في حال اغلاق مضيق باب المندب إلى ما بين الـ150 دولاراً و200 دولار. وحصول مثل هذا السيناريو الكارثي على الاقتصاد العالمي كان سبباً في حمل ترامب على توقيع مذكرة التفاهم مع إيران. يومذاك، قال حرفياً “لا أريد أن أكون الرئيس هوبرت هوفر، الذي تسبب بالكساد الكبير في عام 1929”. مَن يتذكر الملف النووي الإيراني الآن؟

إذن، ما الذي تغير حتى يجازف ترامب اليوم بالإقدام على ما كان يخشاه قبل شهر؟ على الأرجح هو العودة إلى الرهان على أن الضربات العسكرية والحصار البحري، سيزيدان من تفاقم المعاناة الاقتصادية في إيران، وبأن النظام الذي ينقسم إلى معتدلين ومتشددين لن يكون في وسعه الاستمرار من دون اتفاق مع الولايات المتحدة.

ويُقدّر محللون بأن الحصار البحري لن يحدث تأثيرات سلبية قبل فترة تتراوح ما بين أربعة إلى خمسة أشهر، بحيث تنخفض عائدات إيران من النفط إلى ما يقارب الصفر، وتالياً سيفتقد النظام إلى مصدره الرئيسي من العملة الصعبة.

ومما قد يساعد إيران على تخفيف مفاعيل الحصار، هو أنها تمكنت في الأسابيع التي تلت التوقيع على مذكرة التفاهم وما أعقبها من اعفاء للنفط الإيراني من العقوبات من بيع نحو 70 مليون برميل تتراوح قيمتها السعرية ما بين 5 إلى 6 مليارات دولار. وكان لدى إيران نحو مئة مليون برميل في عرض البحر خارج منطقة الحصار. لكن هذا لا يعني أنها ستكون بمنأى عن تداعيات خطيرة مثل وقف الانتاج عند امتلاء مستودعات التخزين. وبحسب توقعات صندوق النقد الدولي قبل الجولة الأخيرة من التصعيد، فإن الاقتصاد الإيراني سينكمش بنسبة 5.4 في المئة هذه السنة.

ويسبغ الخبير الاقتصادي والمسؤول السابق في هيئة الضمان الاجتماعي الإيرانية هادي كاهالزاده، صورة أكثر سوداوية على مستقبل الاقتصاد الإيراني مع تجدد الحصار متوقعاً “مزيداً من انخفاض قيمة العملة، وارتفاع التضخم، ونقص السلع، واغلاق المصانع، وفقدان الوظائف”.

ومع ذلك، فإن الخبيرة في الشأن الإيراني لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إيلي جيرانمايه تقول لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، إن “إيران مستعدة لدفع ثمن باهظ جداً- بما في ذلك تبعات الحصار الذي يفرضه الجانب الأميركي- وذلك بغية الحفاظ على سيطرتها على مضيق هرمز وديمومتها مستقبلاً.. ففي الذهنية الإيرانية، يتمحور الأمر برمته حول البقاء ليوم آخر، ثم ليوم آخر”.

ولا تتوافر مؤشرات على احتمال نجاح ترامب هذه المرة. وكتب المسؤول البارز في إدارتي جورج بوش الإبن والرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس، على منصة “سابستاك”: لقد جرّب ترامب ثلاث استراتيجيات حتى الآن: تغيير النظام، القصف المكثف المتواصل، ثم الديبلوماسية. إن الولايات المتحدة أخفقت في كل مرة”، مضيفاً: “السؤال هو: هل لدى ترامب خطة رابعة (خطة د)”؟

وفي تقويم الأستاذ في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز والي نصر، فإن ترامب “اصطدم ببلد غير مستعد للعب وفقاً لقواعده، تلك القواعد التي تقضي منك الانصياع والخضوع التام”!

إقرأ على موقع 180  لهذه الأسباب.. الحرب المفتوحة مع لبنان مستبعدة

ويشير الباحث الأول في “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي” آرون ديفيد ميلر، إلى الرئيس الأميركي الراحل جيمي كارتر وأزمة الرهائن التي دامت 444 يوماً قائلاً: “لقد استنزفت إيران إرث أحد الرؤساء وشوّهته، ويبدو الآن- كون الوقت يعمل لمصلحة إيران لا لمصلحة ترامب- أنها قد تشوّه أو تُدمّر رئيس آخر تماماً”.

وخرج الكاتب في “نيويوركر” روبن رايت، باستنتاج قوامه أن “استراتيجية ترامب إزاء إيران قائمة على الارتجال.. وبعدما وعد الرئيس بانهاء ربع قرن من الحروب الدائمة في الشرق الأوسط، فإذا بالولايات المتحدة تجد نفسها غارقة في صراع مستعصٍ من صنعها”.

ويُمعن المبعوث الأميركي السابق لعملية السلام في الشرق الأوسط دنيس روس النظر، في المأزق الذي يواجهه ترامب، فيرى أن الرئيس الأميركي لو اكتفى في الحرب الأخيرة بمهاجمة الأهداف العسكرية في إيران، لما كانت طهران أغلقت مضيق هرمز، لكن تصفية القيادة الإيرانية هي التي حملت النظام على هذه الخطوة. وأعرب عن اعتقاده بأن المرشد السابق آية الله علي خامنئي تجنب منذ 1988 اغلاق المضيق، انطلاقاً من اقتناعه بأن مثل هذا الإجراء سيتسبب بحرب مع الولايات المتحدة تُهدّد بقاء النظام.

الطور الأخير من الحرب، يدخل في مرحلة أكثر تعقيداً اليوم. ومثلما يوجد براغماتيون في إيران يفضلون الخيار الديبلوماسي ومتشددون يريدون الذهاب في المواجهة إلى حدود “الثأر” من ترامب على غرار فتوى أصدرها الإمام الخميني بقتل سلمان رشدي بسبب كتابه “آيات شيطانية”، يوجد في الإدارة الأميركية من يؤيد الحوار مع إيران وعدم العودة إلى الحرب.

وأبرز هؤلاء كما بات معروفاً هو نائب الرئيس جي. دي. فانس، الذي قال صراحة قبل أيام إن أميركا لن ترسل قوات إلى إيران لتغيير النظام، وأشار إلى وجود حملة إسرائيلية بملايين الدولارات لتشويه سمعته، وقال بجرأة افتقرها المسؤولون الأميركيون منذ الوزير جيمس بايكر، إن وزراء إسرائيليين يريدون استمرار الحرب إلى الأبد.

يأتي رد الفعل الغاضب من فانس، على خلفية التفاعل الأميركي مع الرواية التي كشفتها صحيفة “النيويورك تايمز” الأسبوع الماضي، حول الخطة التي حملها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معه إلى البيت الأبيض في 11 شباط/فبراير، لتغييرالنظام في إيران، بالاعتماد على علاقات نسجها “الموساد” الإسرائيلي مع الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد.

وتتساءل نخب أميركية حول الانعكاسات الخطيرة التي جرّها قبول ترامب بالمضي مع نتنياهو إلى إيران، علماً بأن معظم المحيطين بالرئيس الأميركي وصفوا الخطة الإسرائيلية بأنها “هراء ومهزلة”.

من يقرأ كتاب “تغيير النظام” للصحافيين في “النيويورك تايمز” ماغي هابرمان وجوناثان سوان، يلاحظ أن تعظيم الذات لدى ترامب لا حدود له، ويعتبر نفسه أعظم رجل في التاريخ. ولن يترك شيئاً في أميركا إلا وسيطبع اسمه عليه، من العملة إلى المتاحف والمكتبات وقوس النصر الجاري اعداده إلى قاعة الرقص في البيت الأبيض، إلى اصدار عملة جديدة عليها صورته.

كل ذلك يؤكد صحة المقارنة التي عقدها جون ليمبرت بين ترامب والامبراطور يوليان (الملقب بالجاحد أو المرتد) الذي يتحمل مسؤولية تدهور الإمبراطورية الرومانية يوم أتى أحدهم وأوهمه بقدرته على غزو بلاد فارس في زمن الامبراطورية الساسانية.. وكانت النتيجة كارثية له ولبلاده.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  مخيبر يخسر الإنتخابات والحلفاء والطعون.. ولا ينهزم (8)