ملاحظات على استطلاع «الدولية للمعلومات»: اختيار العينة؛ نسبة الرفض والتوزع الجغرافي

ظهرت في لبنان مؤخرًا استطلاعات رأي متنوعة حول موضوع واحد. هذا ليس بجديد على اللبنانيين الذين اعتادوا تعدّد الاستطلاعات في بلد يستخدم فيه الرقم غالبًا للتعبير عن وجهات النظر وليس عن الواقع. ولو كانت هذه الاستطلاعات في المواضيع الاعتيادية (استهلاك، انتخابات إلخ..) أو في مواقيت غير مفصلية، لكانت مرّت كما مرّ غيرها. إلا أن التوقيت (أيار/مايو 2026) مفصلي إقليميًا في مواجهة حرب هي الأوسع منذ الحرب العالمية الثانية وإستثنائي لجهة تصدّي هذه الاستطلاعات لمسائل بالغة الحساسية تتصل باتجاهات السلام والتطبيع والمفاوضات مع "إسرائيل".

عند الخوض في هكذا مسائل تصبح النتائج بالغة الحساسية، في بلد يشهد انقسامات عمودية في الغالبية العظمى من شؤونه السياسية والمصيرية، بالغة التعقيد. يفترض بهذا التعقيد أن يلقي عبء الجدية المطلقة في التخطيط والتنفيذ على عاتق منظّمي الاستطلاعات والإحصاءات، وعلى معدّيها ومنفّذيها ومروّجيها وعارضيها ومحلّليها. فالمحقق الميداني، مثلًا، الذي قد يتصرف ببعض الاستخفاف[1] في أسئلة الاستطلاعات العادية ودقة المعاينة لجهة استهدافه لفئات محدّدة من قبل المنظمين يكون قد تخلّى طوعًا عن واجبه المقدس في اتباع التصميم الاحصائي الدقيق للبحث الذي هو في صدده ومقاربته بصرامة تامة. ولو كانت النتائج المستخلصة من الدراسات المختلفة متقاربة في المسائل التي قاربتها، ما كنتُ كلّفتُ نفسي عناء الكتابة في محاولة مزدوجة الأهداف:

  • إيضاح مكامن الخلل في ما يصدر من استطلاعات؛
  • عدم جواز تعميم النتائج، وإيضاح أهمية المنهجية الإحصائية المتوازنة في مسائل تتصل بتقرير مصير مجتمعي.

من الدراسات المختلفة التي ظهرت في الأسبوعين الأخيرين أتطرّق إلى نتائج ثلاث منها: الأولى اطّلعت على نتائجها في جلسة أكاديمية مغلقة[2]. ولم أطّلع على منهجيّتها بالتفصيل. أظهرت أن نسبة رفض السلام مع إسرائيل تقترب من 80% من مجموع المستطلعين، وعددهم ألف شخص.

أما الثانية التي يظهر أنها نفّذت من قبل شركة متخصّصة في هذا المجال في لبنان وليس من قبل باحث منفرد. وتم نشر نتيجتها إعلاميًّا دون نشر الدراسة كاملة[3]. وقد أجريت في الوسط المسيحي حصرًا. واطّلعت على نتائجها من خلال فيديوهات ومقابلات مرئية مع إعلاميين تبلّغوا بمضمونها من الجهة المعدّة لها. تُبيّن هذه الدراسة الثانية أن نسبة اعتبار إسرائيل عدوًّا تتجاوز الـ 90%.

أما الدراسة الثالثة، وهي التي شغلت الإعلام والجهات السياسية في لبنان منذ صدورها في 19 أيار/مايو 2026، فقد نفذتها شركة “الدولية للمعلومات”؛ وهي واحدة من أهم المؤسسات التي تعنى بالاستطلاعات والإحصاءات في لبنان. في دراسة “الدولية للمعلومات” تبيّنَ أن نسبة الذين يؤيدون اتفاق سلام مع إسرائيل تبلغ 49%. لا يشكل هذا الرقم بحد ذاته إشكالية لو بقي في سياقه. إلا أن عرضه في نتائج الدراسة عكس ارتفاعاً في نسبة التأييد مقارنة بدراسة أخرى أجريت في آب/أغسطس 2025، وأظهرت أن مؤيّدي السلام في حينه لم يتجاوزوا الـ 25%.

هذا يعني أن نسبة التأييد تضاعفت وأصبحت قريبة من النصف، وأن طريقة عرض النتائج هكذا، ظهرت كأنها تؤشر إلى إمكانية زيادة النسبة لتصل إلى %60 وربما إلى 70% إذا أجريت دراسة أخرى بعد بضعة أشهر.

لن أتطرّق في هذه المقاربة إلى صحة النتائج أو عدمها، بل سأتفرّغ فقط لتبيان أهمية معالجة مسألة في هذه الحساسية (التفاوض والسلام) بطريقة متأنّية لا تترك مجالًا للتشكيك والتأويل في بلد يكاد لا يتفق أهله على هوية واحدة ومصير مشترك واحد. ويكون ذلك من خلال:

أولاً؛ اتباع منهجية إحصائية علمية توضّح طريقة اختيار الفئات المستهدفة (المستجوبين) وحجم العينة، وطريقة اختيارها كما استهداف المستجوبين (في المكان والزمان والعشوائية).

ثانياً؛ من خلال إيضاح المنهجية وعرضها بالتفصيل في مقدمة البحث بما لا يترك أي مجال للشك والمساءلة. لا نغفل عن مسألة بالغة الأهمية وهي أن أي إحصاء ينفّذ، أو دراسة تُجرى تحت ضغط (معيشي – أمني – نفسي..) سيؤدّيان إلى نتائج متحيزة؛ فكيف إذا كانت الدراسة تُجرى على جزء من المستجوَبين تحت القصف والنار والموت والدمار.

ليست هذه المرة الأولى التي انتقد فيها دراسات صادرة تبيّن واقعًا سكانيًّا أو احصائيًّا ما. فقد سبق وفنّدت الأخطاء المنهجية التي وقعت فيها دراسة صادرة عام 2013 وحملت عنوان “الواقع الديموغرافي في لبنان” ثم نشرت باللغة الإنكليزية في مجلة أميركية (أنظر كتاب “ديموغرافيا المشرق[4]” ص 264-266). وكانت هذه الدراسة قد خلصت إلى أن نسبة المسيحيين في لبنان ستصل إلى 38% من مجمل المقيمين و40% من مجمل الناخبين خلال تسعة عشر عاماً (أي عام 2032). إلا أن الواقع يظهر أن نسبة الناخبين المسيحيين اليوم هي بحدود الـ 33% أما نسبة المسيحيين المقيمين فلا تتجاوز الـ 25%[5].

كل المؤشرات اليوم تدل إلى اتجاه مستقبلي سلبي في نسب النمو عند المسيحيين[6]. هكذا، فإن التحليل الديموغرافي والاستطلاعات المصيرية لا يمكن أن ترتكز لا على التفكير بالتمني Wishful Thinking ولا على منهجية الاستطلاعات السريعة التي قد تكون مقبولة في كشف اتجاهات الآراء في المواضيع الاستهلاكية أو الانتخابية أو الآنية، وليس في المواضيع المصيرية.

دراسة “الدولية”

تقع دراسة “الدولية للمعلومات” في 109 صفحات بالإضافة إلى الغلاف وتُبرز عددًا من الصفحات لتقديم الموضوع وشرح أبعاده والوصول إلى خلاصات بقلم جواد عدره، منها: أن اللبنانيين قد تعبوا من الأزمات والحروب (وهذا لا يختلف عليه اثنان) وأن البعد الطائفي وإن كان مهمًّا في فهم الأمور الأكثر تعقيدًا في لبنان إلا أنه ليس الوحيد؛ فعامل العمر يلعب دورًا أساسيًّا أيضًا حيث الأصغر سنًّا هم الأكثر رفضًا للسلام والتطبيع. ومن بعدها، تفرد صفحة للمنهجية (وهو ما سنهتم به بالتفصيل) وصفحة للمقدمة، قبل أن تترك الصفحات الباقية كلها للرسوم البيانية بواقع رسم واحد شامل لكل أفراد العينة، ومن دون تفريع لكل سؤال أساسي، والجداول الإحصائية (بالنسب المئوية وليس الأعداد) لكل سؤال بعد مزاوجته مع متغير ثان (الطائفة، العمر، الجنس، والمحافظة).

يشرح القيّمون على الدراسة المنهجيةَ التي تم استخدامها في اختيار العينة التي تبدأ بعدد محدد وهو 2000 مواطن لبناني موزعين على المحافظات بشكل نسبي ومناصفة بين الجنسين. ثم تم استخدام توزيع نسبي لأفراد العينة حسب الطوائف (سنعود إليه لاحقاً)، ليصل مجموع النسب إلى 37.6% للمسيحيين و62.4% للمسلمين.

تم جمع المعطيات وجاهيًّا باستخدام الألواح الذكية (مما يخفف من أخطاء الترميز والإدخال). وتمت مراعاة المستطلعين النازحين عن منازلهم من خلال مقابلتهم في أماكن النزوح. كما تم الاعتماد على آلية “آخر عيد ميلاد” لاختيار المستجوبين في الأسر من دون أن يكون هناك تحيز في المعاينة Sampling Bias (الذي عادة يكون باتجاه الشخص الذي يستقبل المحققين أو رب الأسرة).

تم اختيار أفراد العينة من الذين تبلغ أعمارهم 21 عاماً وأكثر. وجرت المقابلات بين 28 نيسان/أبريل و5 أيار/مايو 2026. كما أن نسبة رفض الاستجابة بلغت 26%. ومن الواضح أن الرفض لم يتم إدخاله في التحليل لأن الجداول كلها تشير إلى أن عدد المستجوبين كان 2000 أي أن المحققين توجهوا بداية إلى 2000 مستجوب وبعد رفض 26% الإجابة (أي 520 شخصاً) تمت مقابلة أشخاص آخرين إلى أن وصل عدد المقابلات المنفّذة فعلياً إلى 2000 مقابلة.

تتمتع الدراسة بعدة نقاط قوة أهمها حجم العينة الذي يبلغ 2000 فرد، وتوزّعُها على المحافظات ضمن مراكز الأقضية وبلدات محيطة؛ كما توزّعها على الطوائف وفق نسبة كل منها؛ كما اعتمادها على المقابلة الوجاهية وعلى تبنّي طرق إحصائية في اختيار المبحوثين.

وقبل أن نطرح الملاحظات النقدية على الدراسة، لا بد من التساؤل عن الفئة التي تتوجه إليها هذه الدراسة. على الأكيد، أنها ليست دراسة أكاديمية. بل تتوجه للجمهور العام، أولًا؛ وللترويج الإعلامي، ثانيًا؛ وللاستخدام السياسي ثالثًا وأساسًا. فالإعلام شُغل بنتائج الدراسة حيث خُصّصت لها مسحات وافرة على مختلف المواقع والمنصات، وتناولتها حلقة تلفزيونية بشكل حصري.

هذا ما دفع الدراسة ونتائجها لأن تصبح محور الاهتمام والحديث في البلد، حيث تلقّفها اللبنانيون (كالعادة) بين مرحّب مصدّق ورافض مشكّك. من هنا، سنُبين في هذه المقالة الأخطاء المنهجية التي وقعت فيها هذه الدراسة، وحدّت من إمكانية تعميم نتائجها كمرجع حقيقي على موقف اللبنانيين من المسائل المطروحة مهما كانت هذه المسائل (ومنهم من تم استطلاعه “تحت النار”[7])، وبالتالي سينحصر النقد في الآتي: اختيار العينة (الحجم والتوزيع)؛ نسبة الرفض؛ التوزع الجغرافي لبعض المجيبين بالإضافة إلى طريقة عرض المعطيات في الجداول الإحصائية.

أولاً؛ اختيار العينة:

تقدّم الدراسةُ العينةَ بشكل اسقاطي، من الأعلى للأسفل، حيث تتخذ عددًا محدًدًا وهو 2000 فرد من دون أي تبرير علمي لسبب اختيار العدد. وتعتمد القواعد الإحصائية للمعاينة على مبدأ اختيار العينة الأدنى ضمن حدود معاينة وخطأ معياري. فإذا أردنا أن نختار العدد الأدنى الممثل لجماعة متجانسة (أي لا اختلاف بين أفرادها) نبدأ بتحديد نسبة الخطأ المعياري (أي الخطأ المقبول من قبل الباحث)، بالإضافة إلى حدود الثقة (أي مدى ثقتنا بالمعاينة). هاتان النسبتان عادة ما تكونان 5% للخطأ و95% لحدود الثقة. وعليه، وعند تطبيق المعادلة الإحصائية، فإن أقل حجم مقبول للعينة هو 384 مفردة[8].

قامت الدراسة بالاعتماد على 2000 أي 6 أضعاف ما نشير إليه، أليس هذا ممتازًا؟ لو كان المجتمع متجانسًا[9] كانت العينة المختارة تزيد عن الحاجة البحثية. إلا أن المجتمع اللبناني متنوّع ومنقسم على مقاربة المسائل الحساسة (وهذا ما كان واضحًا في هذا البحث) حيث قام المعِدّون بالتحليل على المستويات التالية: الجنس والمحافظات والأقضية والطوائف. وهذا ما يحتّم أخذ عينة قد تصل في حدها الأعلى إلى 384 مفردة، ولكن لكل فئة من فئات التحليل، مثلاً: 384 أنثى شيعية من محافظة النبطية في قضاء النبطية. بهذه الطريقة يرتفع عدد المفردات إلى أكثر من 40 ألف فردًا. إلا أن تنفيذ دراسة على عينة بهذا الحجم سيكون مستحيلًا في وقت قصير[10]. وبما أن الآراء تتغيّر، فلا جدوى عملية أو إحصائية لهذا التفريع.

هنا سنزيل من الحساب المتغيرات التي على الأرجح لن تؤثر في آراء المستجوبين: الجنس لن يكون ذا تأثير يذكر (وهذا ما تبيّن في الجداول)، المحافظة والقضاء لا يكونان أيضاً ذا تأثير يذكر إلا في ما تحتوي كل منها على توزيع طائفي محدد (قارن مثلًا الإجابات بين محافظات بعلبك-الهرمل والنبطية والجنوب). التأثير الأبرز إذاً كان لمتغيرين: الطائفة أولًا، والعمر ثانيًا.

وعليه، كان يجب بناء العينة من الأسفل إلى الأعلى، أي من الأصغر وصولًا للمجموع. نبدأ هنا باختيار أصغر فئة عددًا في العينة، وهي فئة العلويين الذين من المفترض أن تكون نسبتهم 0.9% كما اختارها المنظّمون. إلا أن عدد الناخبين العلويين وفق لوائح الناخبين يبلغ 42241 فردًا، فتكون العينة المقبولة بينهم هي 381. ويبنى على هذا الرقم في اختيار المكونات الأخرى للعينة ليصبح حجم العينة بحدود 42300، وهذا يُصعّب كثيرًا مسار تنفيذ الاستطلاع.

وحتى إذا أردنا الاكتفاء بالحجم الأدنى للعينة لكل مجموعة دينية، نعتمد على 384 مفردة لكل طائفة، ما يوصل العدد إلى 3456، وهو في الأصل أكثر من العدد المعتمد في الدراسة بحوالي ال75%. ولكن من عيوب هذه العينة أنها لن تمثل تمثيلًا نسبيًّا الآراء وفق أحجامها في البلد.

من جهة أخرى، لم توضّح المنهجية سبب تقسيم الـ 2000 مفردة على الطوائف بهذه الطريقة. فالنسبة المئوية لتوزّع الناخبين في لبنان لعام 2026 تُبين أن 33.9% منهم مسيحيين وأن 66.1% مسلمين. إلا أن معدّي الدراسة اعتمدوا على عينة بلغت نسبة المسيحيين فيها 37.6% دون أي إيضاح أو تفسير. هذا الخطأ المنهجي الأول في اختيار العينة. وإن افترضنا جدلًا أن السبب في تغيير التمثيل النسبي يعود إلى إعطاء تثقيل مختلف وفقاً للإقامة الفعلية[11]، فهذا يعني أن نسبة المسيحيين في الدراسة يجب أن تكون أدنى من 33.9% وليس فقط أدنى من 37.6% (راجع الجدول رقم 1).

ومع ذلك، وحرصًا على دقة النتائج، لا يمكن الاعتماد على عينة من 2000، وبخاصة عندما يتم التحليل في جداول تحتوى على 9 فئات لمتغير ما يختار كل مجيب فيهم جوابًا من أصل 5، لأن عدد الإجابات سيتوزّع على عدد خانات يساوي حاصل ضرب عدد الفئات بعدد الأجوبة على السؤال.

لنأخذ مثلاً الجدول الخاص بالعلاقة بين الطائفة والموقف من المسائل المطروحة: يحتوي كل جدول على 9×5= 45 خانة إجابة، نظرياً ستتوزع الأجوبة بواقع 2000\45= 44 جواباً لكل خانة أما في الواقع فكان العدد أقل من هذا في الكثير من الخانات حيث نجد العديد من الخانات بقيم صفرية، الملاحظة نفسها تساق على الجداول التي فيها متغير العمر أو المحافظة. فكما يشير “غروفس” وآخرون (Groves et al., 2009)، تعتمد دقة التقديرات الإحصائية بشكل مباشر على حجم العينة داخل كل خانة في الجدول، وليس فقط على الحجم الكلي للعينة. وعندما يتم توزيع عينة لا تتجاوز 2000 شخص على جدول (9*5)، فإن ذلك يؤدي إلى انخفاض حاد في الأعداد المشاهدة ضمن العديد من الخانات، وبخاصةً عند الفئات الأصغر حجمًا في الدراسة (مثل العلويين والمسيحيين من الأقليات وإلى حد ما الدروز). وقد أكد “كيش” (Kish, 1965) أن وجود خانات فيها أعداد صغيرة يزيد من هامش الخطأ، مما يجعل النتائج شديدة الحساسية لأي تغير بسيط في البيانات. هكذا، فإن عرض جداول كبيرة قد يعطي انطباعًا زائفًا بالدقة.

إقرأ على موقع 180  لبنان: ثنائي أمل - حزب الله من التقرير والتعطيل إلى.. "الفِرجة"!

كل هذا ولم نأخذ في الاعتبار أن التحليل لم يكتف بإبراز الرأي من الأسئلة المطروحة، ولكنه فصل في العلاقة بين الرأي والمتغيرات الأخرى. وعند عرض الإجابات قدم النسب المئوية ولم يقدم الأرقام. وهذا ما يضخم من تصوّرنا للنتائج Perception. هذه المقاربة لا تشكّل مشكلة عندما يكون التحليل على أساس الذكور والإناث فقط (في هذه الدراسة). فحين نقول أن 23% من الذكور يؤيّدون بشدّة توقيع اتفاق سلام، فهذا يعني أن 230 ذكراً يؤيدون ذلك. أما حين نقول أن 33.3% من العلويين يؤيدون توقيع اتفاق السلام، فهنا تبدأ النتائج بالوقوع في التعميم والابتعاد عن الدقة: عدد العلويين في الاستطلاع هو 0.9%×2000= 18 فردًا. أي أن الذين يؤيدون توقيع اتفاق سلام من العلويين هم 6 من أصل 18، وكقاعدة إحصائية لا يمكن تحويل المجموعات الصغيرة (أقل من 50-100) إلى نسب بل نكتفي فقط بمقارنتها بالمجموع. وهذا ما يشير إليه “أغريستي” حين يقول “تُعدّ النسب المئوية المبنيّة على أعداد صغيرة من الملاحظات غير المستقرة إحصائيًّا، حيث إن تغيّر حالة واحدة أو حالتين فقط يمكن أن يؤدي إلى تغيّر كبير في القيمة النسبية المحسوبة، مما يضعف من موثوقية التفسير الإحصائي” (Agresti, 2007).

هكذا، فإن الملاحظة نفسها تنطبق على الأقليات المسيحية (20 فردًا) والأرمن (68 فردًا). كان من الأفضل هنا، دمج الفئات الأقل نسبة ضمن فئة “الأقليات الدينية” أو الاكتفاء بمقابلة الفئات الـ 6 أو الـ 7 التي ستزيد حصتها في العينة عن 100 فرد. أضف إلى ذلك أن نسبة الخطأ التي تم التصريح عنها (ولم يتم الحديث عن كيفية الوصول إليها) والبالغة 3.2% تعبر عن خطأ المعاينة لـ 2000 فرد، أما عند الحديث عن الطوائف فيرتفع هامش الخطأ ليصبح 11% عند الروم الأرثوذكس و12% عند الدروز و13% عند الروم الكاثوليك و22% عند الأقليات المسيحية و30% عند العلويين.

وقد قام المنظمون بخطوة تحسب لهم حين حرصوا على تمثيل الشيعة النازحين من أهل بنت جبيل والنبطية وغيرها، فطرحوا عليهم الأسئلة في أماكن نزوحهم، ولكن لم يتضح لنا هل هذه الأماكن هي مراكز نزوح أو منازل مستقلة. أهمية هذا الأمر هو تأثر المبحوث بالبيئة المحيطة به في الإجابة عن أسئلة الرأي حيث يلطّف من خياراته تماشياً مع البيئة المحيطة الأمر الذي سينعكس على نوعية الإجابات.

وهنا تطرح مسألة أخرى في غاية الأهمية وهي كيفية اختيار الأفراد المستجوبين. في العينات المستخدمة في الاستطلاعات والدراسات نكون أمام نوعين من أنواع العينة (اختيار المستجوبين) الأولى وهي العينة غير العشوائية Non Random Sample بحيث لا يتساوى الأفراد في حظوظ الاختيار بل تتم مراعاة معايير متعددة في اختيارهم كالقصدية والتعمد أو السهولة، كأن يكون مناسبًا للمحقق اختيار فرد من الأفراد، وهذا ما حصل على الأرجح في هذه الدراسة. أما النوع الثاني فهو في الاختيار العشوائي Random Sampling حيث يتم اختيار المستجوبين (الذين يتساوون في حظوظ الاختيار) عشوائياً. ولكن العشوائية هذه تتطلب شرطًا بالغ الأهمية، ولا يمكن الاستغناء عنه، وهو وجود قاعدة معاينة، أي لائحة بأسماء جميع أفراد المجتمع الذي تتم اختيار العينة منه مع طرق الاتصال بهم (عنوان منزل، هاتف، بريد…) ثم تسحب الأسماء بالقرعة (أو من خلال أنظمة رقمية) للوصول إلى العدد المستهدف (Kish, 1965).

تضمن العشوائية عدم تحيز الإجابات لأي سبب من الأسباب بحيث لا تقتصر على ما هو مناسب للباحث أو أسهل للمُحقّق، ما يزيل جزءاً كبيرًا من أخطاء المعاينة.

ثانياً؛ نسبة رفض المشاركة:

النقطة التي أثارت تحفّظنا أكثر من غيرها في هذه الدراسة هي مسألة عينة الرافضين للإجابة. فقد ذكرت منهجية الدراسة بوضوح أن نسبة الرفض كانت 26%. وهي نسبة مرتفعة تبين أن المبحوثين لم يشعروا بالراحة في الإجابة عن الأسئلة، ولم يتجاوبوا مع الأسئلة المطروحة عليهم.

واللافت للانتباه أن البحث لم يُقدّم لنا أولًا كيف توزّعت نسب الرفض، ومن هي الفئات العمرية والطائفية الأكثر رفضًا للموضوع. إلا أن الأفدح، أن الرفض لم يدخل ضمن التحليل. فالرفض هنا، وبخاصة مع هذه النسبة المرتفعة، يصبح إجابة بحد ذاته. وكان يجب الإبقاء على الرفض ضمن التحليل لدلالته المرتفعة. فهو هنا وكأنه مقاطعة للانتخابات وليس ورقة بيضاء فحسب.

هكذا، فإن نسبة الذين أجابوا بـ(نعم) على القبول بالمفاوضات وهي 49%، كانت ستصبح 39% لو أن الباحثين أضافوا رفض المشاركة في الاستطلاع إلى المجموع الأصلي، أي 2000+512، وكان رفض هذه المشاركة سيكون 26%، أي 520 فردًا، والقبول كان سينقص إلى 39% من الـ 2512 فردًا مبحوثًا.

نشير هنا إلى أن الإجابة بـ”لا أعرف/أرفض الإجابة” كانت على أسئلة محددة وليست من ضمن الـ 26% كنسبة رفض[12]. صحيح أن الرفض لا يدخل في صلب التحليل، أي لا يتم الاكتفاء بـ 2000 استمارة من ضمنها 520 استمارة رُفض الإجابة عنها بل يتم استبدال الرفض بالعدد المناسب وصولًا إلى العينة المستهدفة.

أدّى تجاهل هذا الأمر في التحليل إلى تحيّز كبير في الإجابات، بحيث لم يُجب إلا من لم يرفض المشاركة في البحث، إذ يشير “غروفس” وآخرون (Groves et al., 2009)) و”كيش” (Kish, 1965) إلى أن التحيّز لا ينشأ فقط من حجم العينة، بل من الفروقات المنهجية بين المستجيبين وغير المستجيبين. كما يوضّح “بيثليهِم” (Bethlehem, 2002) أن التحيّز الناشئ عن رفض المشاركة يحدث عندما يكون احتمال المشاركة مرتبطاً بموضوع الدراسة، وهو ما حصل تماماً في موضوع سياسي حسّاس كما هو المطروح أمامنا بحيث نتج رفض المشاركة عن الموضوعات التي تطرحها الدراسة. ويُعزّز ذلك ما أشار إليه “تورانجو” و”يان” (Tourangeau, Yan, 2007) من أن معدلات الرفض ترتفع في القضايا الحسّاسة، ما يجعل الامتناع عن الإجابة (وهنا نُميّزه بأنه رفض المشاركة وليس تمنّع الإجابة عن بعض الأسئلة) تعبيرًا إحصائيًّا بالغ الأهمية، وليس مجّرد نقص في البيانات.

وعليه، تُشكّل النسبة المرتفعة للرفض انتقاصاً من صدقية النتائج ودقتها وبخاصة إذا كانت خصائص الرافضين تختلف جوهرياً عن خصائص المستجيبين، وهذا ما يعكس آراء الأفراد الذين وافقوا على الإجابة فقط. وما يُعزّز ما نُقدّمه هنا هو أن القيمين على الدراسة لم يحددوا خصائص رافضي المشاركة، فإذا كانوا بمعظمهم من الفئات التي عارضت السلام مثلاً فإن مشاركتهم كانت ستعني زيادة نسبة رافضي السلام، والعكس صحيح.

الخيارات المتاحة

قد تبدو الأخطاء المذكورة أعلاه “بسيطة” بالنسبة لغير المتخصصين في الإحصاء أو للقارئ والمشاهد. إلا أن تراكمها يؤدّي إلى خدش صدقية المعطيات في أي دراسة؛ فكيف إذا كانت حول موضوع بهذه الخطورة يُبيّن، على قول المنظمين، “التناقضات العميقة داخل المجتمع اللبناني”.

نلخص هذه الأخطاء بما يلي:

  • الأخطاء المنهجية المتعلقة بحجم العينة وطريقة اختيار المستجوبين وتفريع الفئات الذي أنتج مجموعات صغيرة الحجم في العينة من دون الإشارة إلى ارتفاع هامش الخطأ إلى ما يزيد عن 20% أحياناً.
  • إجراء الدراسة في ظروف الحرب والتهجير وما ينتج عنه من حذر في التعاطي مع الدراسة من قبل المستجوَبين، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبة الرفض.
  • زيادة تمثيل الطوائف المسيحية من خلال إعطاء المسيحيين نسبة 37% عوضاً عن 33%، مما ضخّم وزن آراء المسيحيين على حساب المسلمين وبخاصة الشيعة.
  • عدم الإشارة إلى الرفض (26%) كعامل مؤثر في التفسير مما يضعف المخرجات التي توصلت إليها الدراسة.

ولكي لا ننتقد من دون استنتاجات عملية؛ كان معدو هذه الدراسة أمام خيارين: الخيار الأول هو الذهاب باتجاه عينة ممثلة فعليًّا لتناقضات المجتمع اللبناني ويبلغ حجمها حوالي 42000 فرد (إذا تضمنت العلويين والأقليات المسيحية) أو 20 ألف فرد (إذا اعتمدت على الطوائف الأكثر عددًا مع فئة للأقليات). وهذا من دون أن نأخذ بالاعتبار تقسيمها على الأعمار. وعينات بهذا الحجم تجعل العمل أصعب وأكثر كلفة، ولكنه يجعل العينة ممثَّلة والنتائج أكثر دقة. وأقل من ذلك لا يكون مقبولاً في مسائل وطنية كبرى. أما الخيار الثاني فهو ما قامت به المؤسسة المنفّذة للدراسة.. وهو يُمثّل الطريق الأقصر والأقل كلفة في استطلاعات الرأي.

لكل ما تقدّم أعلاه، لا يمكن اعتبار كل دراسة مبنيّة على معاينات غير دقيقة، بأنها تُعبّر بشكل دقيق عن الرأي الحقيقي لاتجاهات اللبنانيين في المسائل المصيرية التي لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال استفتاء عام، وهو ما نستبعد حصوله نظرًا لحساسية الموضوع مع أنه الأكثر أهمية في تاريخ لبنان الحديث.

نكتفي بهذا القدر من الملاحظات العلمية والمنهجية، آملين من المشرفين على الدراسة أخذها في الاعتبار في دراسات لاحقة.

 المراجع:

  • Agresti, A. (2007). *An introduction to categorical data analysis* (2nd ed.). Wiley.
  • Bethlehem, J. (2002). Weighting nonresponse adjustments based on auxiliary information. *Journal of Official Statistics, 18*(2), 149–165.
  • Cochran, W. G. (1977). *Sampling techniques* (3rd ed.). Wiley.
  • Groves, R. M., Fowler, F. J., Couper, M. P., Lepkowski, J. M., Singer, E., & Tourangeau, R. (2009). *Survey methodology* (2nd ed.). Wiley.
  • Kish, L. (1965). *Survey sampling*. Wiley.
  • Lohr, S. L. (2010). *Sampling: Design and analysis* (2nd ed.). Brooks/Cole.
  • Tourangeau, R., & Yan, T. (2007). Sensitive questions in surveys. *Psychological Bulletin, 133*(5), 859–883. https://doi.org/10.1037/0033-2909.133.5.859

[1]. وهنا نعرف عما نتحدث بعد خبرة طويلة في العمل الاحصائي تدرجت في كل المهام البحثية من محقق إلى رئيس فريق ثم مسؤول عن العمل الميداني وصولاً إلى إعداد الأبحاث وتنفيذها على رأس فرق إحصائية.

[2]. ستنشر قريباً في مجلة محكمة عالمية.

[3]. https://www.instagram.com/reel/DX6u4QgtqmQ/?igsh=OW5jdnludXZjNXVw   – 

https://www.instagram.com/reel/DYrpFcZovxg/?igsh=MXM0dXphdnBvbXM4dQ==

[4]. لتنزيل كتاب “ديموغرافيا المشرق”:

https://almashreq-center.com/wp-content/uploads/demography%20machreq%20_%20final.pdf

[5]. النسبة المستنتجة تعود لبحث قيد النشر للباحث وصل فيه (بعد تفصيل منهجية التحليل) إلى أن عدد اللبنانيين المقيمين في لبنان لا يتجاوز 3.8 مليون نسمة وأن نسبة المسيحيين المقيمين في لبنان لا تتجاوز الـ25% وذلك في منتصف عام 2024.

[6]. يشير الباحث كمال فغالي إلى هذا الاتجاه في دراسته حول نسبة الناخبين وتوزعهم على الطوائف لعام 2026، كما يمكن لأي فرد يملك لوائح الناخبين أن يرى الاتجاه السلبي لنمو الناخبين المسيحيين حيث كانت نسبهم تقارب الـ 39% مثلًا عام 2009. أما اليوم فهي أقرب إلى 33%. كما أن أعداد المسيحيين الذين أصبحوا ناخبين (أي أتموا 21 عامًا) سنة 2026 هي أقل بكثير من مثيلهم عند المسلمين مما يشير إلى الفجوة الكبيرة في الخصوبة بين المسيحيين والمسلمين أقله تلك التي كانت موجودة قبل عام 2005. (سبق وتحدثنا عن مسألة الخصوبة التفاضلية في المقالات السابقة على موقع 180 بوست)

[7]. ليس بالضرورة أن يكون المكان الذي يوجد فيه النازح يتعرض للقصف لنستخدم مصطلح تحت النار إذ يكفي أن يكون منزله وبلدته عرضة للقصف والتدمير حتى لو كان بعدياً عنهما.

[8]. يحسب حجم العينة من خلال تطبيق معادلة إحصائية وهي: n = (Z² × p̂(1 − p̂)) / e²
n= حجم العينة
Z للتعبير عن حدود الثقة حيث تكون القيمة= 1.96 عند حدود ثقة 95%

p̂ للتعبير عن نسبة ما في المجتمع وتترك عادة بقيمة 0.5

e الخطأ المعياري مثلاً 5%.

ويمكن استخدام أداة سريعة وسهلة في الحصول على العينات من الموقع التالي:

https://www.calculator.net/sample-size-calculator.html

[9]. لا تشير عبارة التجانس هنا إلى اختلاف ثقافي أو بنيوي، بل إلى أن جميع الأفراد المبحوثين غير مختلفين عن بعضهم بعضًا لناحية المتغيرات الأساسية، فإذا كنا نضع فرضية بإمكانية أن يكون الجنس أو الطائفة أو العمر من المتغيرات المؤثرة على الرأي، وكان الأفراد يختلفون لناحية أحد هذه المتغيرات، عندها لا يمكن اعتبار الأفراد متجانسين.

[10]. يستخدم هذا الحجم من العينات في المسوح الإحصائية كالتي تجريه إدارة الإحصاء المركزي مثلاً، ولكن هذا ما يعزز ما نذهب إليه في حساسية الاعتماد على استطلاعات سريعة في الأمور المصيرية.

[11]. تدرج لوائح الناخبين كل ناخب لبناني مسجل في الداخل والخارج. نسبة المسيحيين المسجلين في الخارج تتساوى مع نسبة المسلمين تقريباً، هذا ما يعني أن نسبة المسيحيين المسجلين في الداخل هي أقل من 33.9%.

[12]. كأن يرفض المستجوب الإجابة عن سؤال أو سؤالين وليس الاستمارة ككل.

Print Friendly, PDF & Email
شوقي عطيه

باحث متخصص بالديموغرافيا وأستاذ جامعي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  بن سلمان أقوى من بايدن سعودياً.. ولا عزاء لخاشقجي!