قد يكفُل الحظ الحَسَن لصاحبه تجاوزَ المهالِك مرَّة؛ لكن المثلَ يقول “مش كلّ مرَّة تسلم الجرة“، وقد صارت شوارعنا مصيدةً يومية منذ فترة، يتحرك الناسُ على أقدامهم فيها وهم يتمنون السَّلامة، يحاولون انتقاءَ اللحظة المناسبة للعبور الخَطِر؛ لكن اتساعَ المسافة يُزيد من فُرَص الحوادثِ المُميتة ويتجاوَز في كثير الأحيان احتمالات النجاة.
***
يؤكد المثلُ الشعبيّ أهميةَ الحَظَّ، وأفضليته على غيره من العوامل المؤثرة في حياة الإنسان: “قيراطُ حظّ ولا فدان شطارة“، والشاهد أن الشَّخصَ الماهر قد يخونه التوفيق؛ فلا يُصيبُ من النجاح ما يأمل، أما المَحظوظ فلا حاجة به للمهارة؛ إذ يتيسَّر أمره مهما كانت خيبتُه ظاهرة. في سياق مشابه تأتي الحِكمةُ العربيَّة: “كفُّ بختٍ خيرٌّ من كرّ عِلم“، والمقولتان على طرافتهما مُحبِطتان؛ إذ تقللان من شأن المعرفة والبراعة والإجادة، لصالح ما لا يد للإنسان فيه ولا تعريف واضح له، وفي شخصية “محظوظ” بمجلة “ميكي” نموذج طريف دال، وفي نسبة لا بأس بها من مباريات كرة القدم، ما يعكس أيضًا هذا المعنى؛ حيث يبذلُ فريقٌ جلَّ جهده ويقدم مُستوى عاليَ من الأداءِ والحرفية؛ لكنه يخسر وسط ذهول الجماهير ويقال حينها إنه لم يكن مُوفقًا.
***
تُعرِّف المأثوراتُ سيءَ الحَظ بأنه مَن: “يلاقي العَظم في الكِرشة“. الكرشة جزءٌ من الجهاز الهضمي في البهائم، يستمتع بأكلها بعضُ الناس، وهي خالية بتعريفها من أيّ أنسجة صَلبة؛ فإن تعثر الآكلُ فيما لم يتوقَّع؛ كان السَّبب حظه التعس. يُستخدَم المأثور عندما يقع أمرٌ استثنائي سيءٌ، يخالف الثابت المعتاد، وحين يصبح عادة متكررة يقال عن صاحبه: “بخته مايل”، وللتأكيد على الموقف يُقال: “المَنحوس مَنحوس ولو علقوا على راسه فانوس“؛ والمعنى ألا فائدة من مطاردة الحظوظ أو محاولة استجلابها بأي وسيلة.
***
“حظك اليوم” باب شبه ثابت في عدد من الصحف، يعتمد على تصنيف الناس في أبراج تبعًا لتاريخ الميلاد. تتكرر العبارات وتدور من برج لآخر، حتى يكاد متابعها يحفظها؛ بل وقد يتنبأ بالعبارة التي ستكون اليوم من نصيبه. في أيام الطفولة كنا نتباهى بارتداء الحظاظة؛ وهي سوار يطوق المعصم ويتفاءل به كثيرون، وفي سياق التفاؤل أيضًا يحتفظ بعض الناس بأرقام مُحدَّدة؛ يعدونها علامة الحظ والاستبشار التي إن ظهرت في اللحظة المناسبة؛ تيقنوا من نجاح ما يقومون به. طالما التففنا صغارًا وكبارًا حول لعبة بنك الحظ؛ إلى ابتلعتنا مشاغل الحياة وأبعدتنا عن اللعب نواكبها، ولم يتبق منها سوى ذكريات سعيدة هانئة، نستدعيها من حين لأخر هربًا من بؤس واقعنا.
***
يتمتع الشخص الموصوف بأن “حظه في رجليه” بحسن الطالع المُستدام، أينما حطَّ رحالَه وَجَد ما يسُره ويحقق له الفائدة، والناس يلحظون أمره ويغبطونه، وأحيانًا ما يغتاظون ويتمنون لو كانوا مكانه. إذا وصل الزوج على مائدة عامرة قيل: “حماتك بتحبك”؛ والقصد أنه محظوظ باختيار اللحظة المناسبة، والمثل لا يقال في المقابل للزوجة، فالأعرافُ المستقرة تقضي بأن يكون الطهوُ وتجهيزُ الطعام وإعداد الموائد من عملها، وغالبًا ما تترقب “حماتها” أداءها وتتحفز لانتقاده.
***
يقال إن “الدنيا حظوظ” كنوع من المواساة؛ متى انعقدت مقارنة بين مَن تبوأ مركزًا عاليًا، ومَن خسفت به الحياةُ الأرضَ، والغالب أن يكون كلاهما على درجة جيدة من التعليم والاجتهاد، لا يفسر اختلاف المصائر ما حصلا من شهادات أو مراتب؛ إنما هو واقع الحال التي لا تتمتع دومًا بالعدالة الكاملة والإنصاف.
***
إذا سَرَد الواحد ما أضحك الجالسين معه قالوا: “ربنا يحظك” وهو دعاء بأن يمتع الربَّ هذا الشخص الذي تسبَّب في إسعادهم؛ بالخير والحظوظ الوفيرة، وفي مواقف متباينة قد يغبطون آخرًا فيقولون إن “حظه من السماء” والمعنى أنه أصاب ما يشبه المعجزة التي لا تنجبها الأرض، ولا شك أن الحظ القادم من عند الرب لا يمكن الاعتراض عليه.
***
إن أفلح امرؤ غير مؤهل في تحقيق ما أعجز الأكثر منه علمًا وتأهيلًا، علق الناس مغتاظين: “حظ المبتدئين“، والقصد ألا فضل له ولا كرامة فيما أنجز؛ إنما هي مصادفة تأتي مرة واحدة لمن لا خبرة له بالأمور ولا دراية، أما “حظ العوالم“؛ فتعبير شائع يحمل ما لا يخفى من التعريض؛ هو حظ فائق ولا شك؛ لكنه غير مَشروع ولا مُستحَق، وفي النية أيضًا أنه غير مُتمتع بالاحترام الكافي، ولا يخفى أن العوالم هن الراقصات أصحاب الباع، القادرات على إدارة أعمالهن من واقع الخبرة الأصيلة.
***
يقولُ الشاعر السودانيُّ إدريس محمد جماع: “إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه.. ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه“. البيتُ قاسٍ في الوَصف لا يترك مساحة لتحسُّن الأحوال أو انصلاحها، بل يرسم مشهدًا مستحيلًا. لم أمر بأشعار إدريس جماع من قبل؛ لكني ما إن عثرت على هذا البيت حتى راقني المجاز وأعجبتني الصورة، فضمَمته إلى الأبيات التي استوطنت الذاكرة من قديم.
***
هذا الذي: “يطلع مِن حفرة يقع في دُحدِيرة” قد تخلى عنه الحظُّ وغادره؛ ما إن يعبر أزمةً حتى يصطدم بأسوأ منها. كلما اقترضنا وافترضنا أن القرضَ هو الأخير، وأنه سيحلّ بعضَا من أزماتنا المتصاعدة المرهقة؛ كلما أتبعناه بآخر بدعوى تسديد ما تراكم، والملحوظ أننا نمضي من الحفرة التي حفرناها بأنفسها إلى هُوَّة عميقة يتعذَّر الخروج منها، واستنزفنا حظوظنا فيما لا ينفع، والأمل أن ندرك المصير الوشيك وأن نعدل المسار بما يُيسّر لنا النهوض من الكبوة.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
