العفيف الأخضر… سيرة مفكر تونسي لم يتوقف عن مراجعة نفسه

في السادس والعشرين من حزيران/يونيو 2026 المنصرم، حلّت الذكرى الثالثة عشرة لرحيل المفكر التونسي العفيف الأخضر (1934-2013)، الذي توفي في منفاه الباريسي بعد صراع طويل مع مرض السرطان. غير أن استعادة سيرته لا تكتسب أهميتها من المناسبة وحدها، بل لأنها تعيد التذكير بمثقف عربي ظل، حتى أيامه الأخيرة، يعتقد أن الحرية تبدأ من نقد الذات قبل نقد الآخرين، وأن الفكر الحقيقي لا يعرف اليقين النهائي.

لم يكن رحيل العفيف الأخضر حدثًا عابرًا في الحياة الثقافية العربية. فقد اختار أن يواجه المرض بطريقته الخاصة، واضعًا بنفسه نهاية لحياته، في قرار أثار نقاشًا أخلاقيًا وفلسفيًا واسعًا، ورآه كثيرون امتدادًا لقناعته القديمة بحق الإنسان في تقرير مصيره. وبغضّ النظر عن الموقف من هذا الخيار، فإنه ظل منسجمًا مع شخصية دافعت طوال حياتها عن الإرادة الفردية وحرية الاختيار.

لكن اختزال العفيف الأخضر في الطريقة التي غادر بها الحياة يظلمه أكثر مما ينصفه. فقد ترك وراءه مشروعًا فكريًا امتد أكثر من نصف قرن، تنقّل خلاله بين تونس والجزائر وبيروت وباريس، ورافق معظم التحولات الكبرى التي عرفها العالم العربي، من حركات التحرر الوطني وصعود اليسار، إلى أفول المشروع القومي وصعود الإسلام السياسي. وفي كل محطة كان يعيد مساءلة أفكاره، حتى لو كلّفه ذلك خسارة رفاق الأمس أو فتح جبهات جديدة مع خصومه.

اليُتم.. والبحث عن آباء بدلاء

لفهم شخصية العفيف الأخضر لا تكفي قراءة كتبه ومقالاته، بل لا بد من العودة إلى تجربته الأولى مع الفقد. فقد توفي والده وهو في الثالثة عشرة من عمره، تاركًا في نفسه جرحًا لم يندمل. وقد روى لاحقًا أنه كان يركض خلف الفلاحين القادمين إلى أسواق تونس، متأملًا وجوههم وبرانسهم، لعلّه يعثر بينهم على ملامح أبيه، في مشهد يكشف عمق الصدمة وصعوبة التصالح معها.

غير أن هذا اليُتم المبكر لم يتحول إلى انكفاء، بل إلى بحث دائم عن نماذج معرفية وإنسانية يقتدي بها. لذلك وجد لنفسه ثلاثة “آباء” ترك كل واحد منهم أثرًا حاسمًا في تكوينه.

كان أولهم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، الذي تتلمذ على يديه في جامع الزيتونة، ونشأت بينهما علاقة تجاوزت حدود الأستاذ والتلميذ. ثم جاء طه حسين، الذي بلغ إعجابه به حدّ تقليد هيئته وطريقة إلقائه، حتى إنه وضع عصابة على عينيه وهو شاب، متخيّلًا نفسه يسير على خطى “عميد الأدب العربي”. أما الأب الثالث فكان الحبيب بورقيبة، الذي رأى فيه خلال شبابه نموذجًا للزعيم الإصلاحي القادر على انتشال تونس من إرثها التقليدي وبناء دولة حديثة.

لكن اللافت للانتباه أن الأخضر لم يبق أسير أي من هذه المرجعيات. فقد ظل وفيًا لابن عاشور وطه حسين، بينما مارس، في وقت مبكر، ما يمكن تسميته “قتل الأب السياسي”، حين انقلب على بورقيبة بسبب نزوعه إلى الحكم الفردي، مع احتفاظه بتقدير واضح لإصلاحاته الحداثية، وفي مقدمتها مجلة الأحوال الشخصية. وستصبح هذه المفارقة سمة ملازمة لمسيرته الفكرية: نقد الأشخاص من دون إنكار منجزاتهم، والتمييز بين الفكرة وصاحبها.

التعليم.. معركة الحداثة الأولى

لم تتوقف حماسة العفيف الأخضر عند الدفاع عن تحرير المرأة، بل امتدت إلى التعليم، الذي رآه المدخل الحقيقي لبناء مجتمع حديث. ومنذ سنواته الأولى، كتب مطالبًا بدمج التعليم الزيتوني في منظومة التعليم العصري، معتبرًا أن استمرار النظامين معًا يعني استمرار الانقسام بين ثقافتين ورؤيتين للعالم.

وعندما استجاب بورقيبة لهذا التوجه ووحّد التعليم، رحّب الأخضر بالقرار، لكنه عاد بعد سنوات ليقدّم مراجعة نقدية لهذه التجربة. فقد رأى أن نقل عدد كبير من شيوخ الزيتونة إلى المدارس الحديثة لتدريس التربية الدينية أدى، من حيث لا يُراد، إلى انتقال كثير من المفاهيم الفقهية التقليدية إلى المناهج الجديدة. وبذلك، تحولت المدرسة التي كان يُفترض أن تكون أداة للتحديث إلى فضاء حافظ، في جانب منه، على البنية الفكرية التي كانت الحداثة تسعى إلى تجاوزها.

في هذه القراءة تتجلى إحدى السمات الأساسية للعفيف الأخضر: رفضه الاكتفاء بالاحتفاء بالإصلاحات، وإصراره على مساءلة نتائجها الفعلية. فالمشروع الحداثي، في نظره، لا ينجح بمجرد صدور القوانين، بل يحتاج إلى ثورة موازية في الثقافة والتعليم والعقل النقدي.

بيروت تعيد تشكيل المفكر

يصعب فهم المسار الفكري للعفيف الأخضر من دون التوقف عند محطته اللبنانية، فبيروت لم تكن مجرد مدينة لجأ إليها بعد خروجه من الأردن، بل كانت الفضاء الذي اكتملت فيه شخصيته الفكرية. هناك، في مطلع السبعينيات، وجد نفسه في قلب مدينة عربية تعجّ بالتيارات السياسية والفكرية، وتتيح مناخًا نادرًا من حرية النشر والجدل، فكانت بالنسبة إليه أكثر من منفى؛ كانت مختبرًا للأفكار.

بعد انتقال المقاومة الفلسطينية من الأردن إلى لبنان في مطلع سبعينيات القرن الماضي، استقر الأخضر في بيروت، وانخرط في أوساطها الثقافية والسياسية، ليصبح واحدًا من أكثر الكتّاب والمترجمين نشاطًا في صفوف اليسار العربي. كتب، وترجم، وأشرف على نشر نصوص فكرية وسياسية أصبحت مراجع لدى التنظيمات اليسارية العربية، وفي مقدمتها ترجمته الدقيقة لـ«البيان الشيوعي»، التي سعى من خلالها إلى تجاوز الترجمات التي عدّها غير أمينة للنص الأصلي.

لم يكن حضوره في بيروت يقتصر على الكتابة، بل كان جزءًا من حيوية المدينة نفسها. فقد كانت العاصمة اللبنانية، في تلك المرحلة، مركزًا للنشر العربي، ومنبرًا مفتوحًا للأفكار المتعارضة، ومكانًا يلتقي فيه القوميون واليساريون والليبراليون والإسلاميون في سجال يومي لا تعرفه مدينة عربية أخرى. وفي هذا المناخ، وجد العفيف الأخضر البيئة التي سمحت له بأن يختبر أفكاره باستمرار، وأن يخوض معاركه الفكرية من دون وصاية.

لكن سنوات بيروت لم تكن سهلة. فقد عاش حياة شديدة التقشف، وعانى ضيقًا ماديًا دائمًا، ولم يسلم من حملات التشهير التي طاولت كثيرًا من مثقفي تلك المرحلة. وبرغم الشائعات التي حاولت النيل من سمعته، ظل يعيش ببساطة تكاد تلامس الزهد، مستندًا إلى شبكة من الأصدقاء والمثقفين الذين وفروا له ما عجزت الظروف عن توفيره.

وفي مقدمة هؤلاء، برز اسم المفكر السوري صادق جلال العظم، الذي استضافه في منزله، ووقف إلى جانبه في أصعب مراحل إقامته في بيروت. ولم ينس الأخضر هذا الموقف، فكان يردده في أكثر من مناسبة قائلاً إن فضل العظم عليه لم يكن شخصيًا فحسب، بل كان فضلًا على مشروعه الفكري كله، لأن ذلك الاحتضان أتاح له مواصلة الكتابة والنشر في وقت كانت فيه حياته مهددة بالانقطاع.

العفيف الأخضر و«السفير»

إذا كانت بيروت قد احتضنت مشروع العفيف الأخضر، فإن جريدة «السفير» كانت منبره الأبرز. فمنذ تأسيسها عام 1974، وجد فيها مساحة تنسجم مع شخصيته المشاكسة، ومع ميله إلى تجاوز التعليق السياسي المباشر نحو مساءلة البنى العميقة التي تنتج الأحداث.

إقرأ على موقع 180  زيف الضمانات الأميركية.. والأوهام اللبنانية!

لم يكن ينجذب إلى الحدث اليومي بوصفه خبرًا عابرًا، بل كان يعتبره عرضًا لمرض أعمق. ولذلك جاءت مقالاته مختلفة عن السائد في الصحافة السياسية آنذاك. فبينما كان كثيرون ينشغلون بتطورات الحرب أو موازين القوى، كان هو يحاول تفسير ما يجري من خلال الثقافة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والتاريخ، معتبرًا أن السياسة ليست سوى الوجه الظاهر لتحولات أعمق داخل المجتمع.

ومن هنا اكتسب حضوره في «السفير» خصوصيته. فقد لم يكن مجرد كاتب رأي، بل مفكرًا يستخدم الصحيفة بوصفها مختبرًا لأفكاره. وكثير من الموضوعات التي ستظهر لاحقًا في كتبه، بدأت مقالات أو نقاشات في صفحاتها، قبل أن تتبلور في مؤلفات مستقلة.

ولم تكن العلاقة بين العفيف الأخضر و«السفير» ورئيس تحريرها طلال سلمان علاقة نشر فحسب، بل علاقة انتماء ثقافي. فقد مثلت الصحيفة، في سنواتها الأولى، نموذجًا لصحافة عربية جمعت بين المهنية والانخراط في قضايا التحرر، وبين الانفتاح على السجال الفكري. لذلك بدا حضور الأخضر فيها طبيعيًا، كما بدا غيابه عنها لاحقًا جزءًا من التحولات التي أصابت بيروت نفسها.

وعندما انتشرت شائعة وفاته قبل سنوات من رحيله الحقيقي، ثم عندما توفي بالفعل عام 2013، كان كتّاب «السفير» من أوائل من استعادوا سيرته، لا بوصفه زميلًا في المهنة فقط، بل بوصفه أحد الأصوات التي تركت أثرًا واضحًا في تاريخ الصحيفة والحياة الثقافية العربية.

إن قراءة تجربة العفيف الأخضر في بيروت تكشف أن المدينة لم تكن مجرد محطة في منفاه، بل كانت المكان الذي انتقل فيه من دور المناضل السياسي إلى دور المفكر النقدي. ففيها تعمقت مراجعاته، واتسعت قراءاته، وبدأت المسافة تكبر بينه وبين كثير من اليقينيات التي حملها في شبابه، وهي المسافة التي ستقوده لاحقًا إلى أكبر تحول في مسيرته الفكرية.

التحول الذي صنع العفيف الأخضر

لا تكتمل سيرة العفيف الأخضر من دون فهم التحول الفكري العميق الذي طبع حياته. فالرجل لم ينتقل من اليسار إلى الليبرالية نتيجة تبدل سياسي عابر، ولا سعياً إلى موقع جديد، بل بعد مراجعة طويلة وقاسية قادته إلى إعادة النظر في معظم المسلمات التي آمن بها في شبابه.

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان الأخضر واحداً من أكثر أصوات اليسار العربي راديكالية. شارك في الثورة الجزائرية، ثم انخرط في العمل الفلسطيني، وتنقل بين الجزائر وعدن وبيروت، مؤمناً بأن الثورة الشاملة قادرة على تحرير الإنسان العربي وإعادة بناء المجتمع. لكنه، في الوقت نفسه، لم يكن ماركسياً تقليدياً؛ فقد مال مبكراً إلى “المجالسية” التي أعطت الأولوية للمبادرات الشعبية وللسلطة المباشرة على حساب المركزية الحزبية.

غير أن التجربة نفسها بدأت تهز يقيناته.

جاءت صدمة “أيلول الأسود” (الأردن)، ثم الحرب الأهلية اللبنانية، وبعدها الثورة الإيرانية وصعود الإسلام السياسي، لتدفعه إلى مراجعة الأسئلة التي شغلت جيلاً كاملاً من اليساريين العرب. ولم يعد مقتنعاً بأن تغيير السلطة وحده كافٍ لتغيير المجتمع، ولا بأن الثورة المسلحة قادرة، بمفردها، على إنتاج إنسان جديد.

وهنا بدأت أهم مراجعاته الفكرية.

خلص العفيف الأخضر إلى أن أزمة العالم العربي ليست سياسية فقط، بل حضارية وثقافية أيضاً. فالمشكلة، في نظره، لا تكمن في شكل النظام وحده، بل في البنية الذهنية التي تعيد إنتاج الاستبداد مهما تبدلت الأنظمة. ومن هنا انتقل اهتمامه من نقد السلطة إلى نقد الثقافة، ومن الصراع الطبقي إلى إصلاح التعليم، ومن الثورة إلى التنوير.

لم يكن هذا التحول سهلاً، ولا مرّ من دون أثمان.

فقد اتهمه كثير من رفاقه السابقين بالارتداد عن اليسار، فيما شنّت عليه التيارات الإسلامية حملات تكفير وتشويه بسبب دفاعه الصريح عن العلمانية وحرية الاعتقاد وحقوق المرأة. لكنه لم يُبدِ استعداداً للعودة إلى يقين قديم، وظل يعتبر أن الفكر الذي لا يراجع نفسه يتحول، مع الزمن، إلى عقيدة مغلقة.

ولعل ما يميز العفيف الأخضر عن كثير من مثقفي جيله أنه لم يتعامل مع مراجعاته باعتبارها هزيمة شخصية، بل بوصفها دليلاً على حيوية العقل. كان يرى أن المفكر لا يُقاس بمدى وفائه لأفكاره الأولى، بل بقدرته على التخلي عنها عندما يكتشف قصورها.

بهذا المعنى، لم يكن انتقاله من الماركسية الراديكالية إلى الليبرالية التنويرية قطيعة مع الماضي بقدر ما كان استمراراً لبحث واحد عن الحرية، وإن اختلفت أدواتها. فقد استبدل الإيمان بالبندقية بالإيمان بالعقل، واستبدل فكرة الثورة الشاملة بفكرة الإصلاح الثقافي الطويل، لكنه ظل وفيّاً للسؤال نفسه: كيف يمكن تحرير الإنسان العربي من أشكال الوصاية كافة، السياسية والدينية والفكرية؟

خاتمة

يصعب اختزال العفيف الأخضر في انتماء سياسي أو مدرسة فكرية واحدة. فقد عاش حياته في مواجهة مستمرة مع السلطات، كما عاشها في مواجهة يقيناته الخاصة. وربما لهذا السبب بقي شخصية إشكالية حتى بعد رحيله؛ فأنصاره يرونه أحد أبرز دعاة التنوير العربي، فيما يرى خصومه أنه بالغ في قطيعته مع التراث ومع التجارب الثورية التي انتمى إليها في شبابه.

لكن، بصرف النظر عن الموقف من أفكاره، يبقى الدرس الأبرز في سيرته هو شجاعة المراجعة؛ فالفكر العربي الحديث نادراً ما شهد مثقفاً امتلك الجرأة على إعادة النظر في مواقفه بالوضوح الذي فعلَه العفيف الأخضر، من دون أن يحاول تبرير تحوّلاته أو إخفاءها.

في الذكرى الثالثة عشرة لرحيله، لا تبدو أهمية العفيف الأخضر في كونه قدّم أجوبة نهائية عن أسئلة النهضة والحرية والدولة، بل في أنه ظلّ يذكّر بأن الأسئلة الكبرى لا تُصان باليقين، وإنما بالنقد المستمر. ولعل هذه هي الرسالة التي تجعل حضوره الفكري يتجاوز مناسبة الرحيل، ويمنحه مكانة خاصة في تاريخ الفكر العربي المعاصر.

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  "إسرائيل" وسط أكورديون ناري.. ماذا بعد رد "الحزب"؟