– تقول في عملك الروائي «شمرايا»، الصادر حديثًا، إنه «من أجل أن ترى جيدًا عليك أن تبتعد عن اللوحة وتنظر إليها من مسافة». سؤالي: ما الذي يراه منذر بدر حلوم/موسكو في منذر بدر حلوم/اللاذقية؟
- لو تأملت نفسي، بوصفي لوحةً رسمتها يداي على مبدأ «يداك أوكتا وفوك نفخ»، لاستعرت من الأزرق الذي سقط من السماء وأضفته إليها، ومن بطولات «أولاد سكيبة» الطفولية، ولجعلت المعلم وابنة مريم أيقونة في عمق اللوحة، كما هما أيقونة حياتي، وقلت لهما: برغم أنه «كأن شيئًا لا يحدث»، فقد حدثت أشياء عظيمة، ليس في عين الغار فحسب. هذه الروايات الثلاث كتبتها في لاذقيتي التي لا تشبه إلا نفسها، وما زلت أشد بحبي لها وللبشر الذين كتبت عنهم أزر نفسي، ولكن حين أنظر إلى نفسي في المرآة أجد كم أن الحب عمّق التجاعيد في وجهي، وما ابتسامتي إلا ارتسام للأثلام في روحي. يخطر في بالي أن كلًا منا رقيم لا يجيد قراءته إلا الله، سواء في موسكو أم اللاذقية.
– تدافعت السنون مثقلة وغزيرة بالأحداث والمفاجآت، اخترت أنت منها ما استطعت، واختارت لك ما قدرت عليه. ضمن أية دائرة اخترت أن تكون حاليًا؟
- خياري دائمًا أن أكون مع الإنسان ضد الوحش. أنا مع المظلوم أيًا يكن، وضد الظالم كائنًا من يكون. لا يوجد انتماء يسوغ قبول الظلم، ولا إيمان يسوغ الوحشية حتى ضد عدو. في «قمصان زكريا»، ينده عبود: «انظروا، انظروا.. يا إلهي، الناس فرحون.. يا الله، ما أجمل الناس حين يفرحون من كل قلبهم. لعنة الله على من يحرمكم من الفرح».
– ما الذي يقطع نبع الأمل والألم؟
- العماءات التي تحكم الواقع لا تترك ثغرة للأمل يتسلل منها إلى دم العاقلين أو حبرهم. وقصر حياة الإنسان ومحدوديتها يجعلان هذا الكائن المحكوم بالموت يؤمن بالغيب، فمن منا لا يتمنى أن يُحق الحق في حياته؟ أما من لا يوجعه وجع الناس، فعليه أن يتأكد، بطريقة ما، من أنه حي. الفنان يصنع الأمل، ويفرح ويندهش إذا تحقق شيء منه، لكنه يفجع بموت آماله في ناسه ومجتمعه ودولته.
– ما الذي يمنع حضورك الإعلامي وانخراطك في «اللايكات» و«الترندات».. لكأن أعمالك الروائية تصدر بلا ضجيج؟
- تمامًا، «الترندات” و”اللايكات» هي بالذات ما يمنعني. لا أريد أن أشارك في صناعة التفاهة، ولا أستطيع. روحي تعضني لو حاولت. أريد أن أصدق أن للروح أنيابًا مخصصة حصرًا لعض صاحبها. إيماني بأن الإنسان كل متكامل في سلوكه، كما في خَلْقه وخُلُقه، يمنعني، ويجعلني أتساءل: من أجل ماذا أفعل؟ وماذا أخسر مقابل ما أكسبه؟ لا أريد أن أخجل يومًا من قول أو فعل صدر مني في بازار الترندات.
– وبماذا يؤشر تساؤلك في «شمرايا»: «هل الصداقة البسيطة هي التي زالت، أم الأصالة، أم الإنسان؟»
- معنى أن يكون الإنسان إنسانًا، للأسف، بات تحت علامة استفهام حمراء، وربما صفراء، دلالة على طاعون الجهل وجائحات الوحشية والتفاهة والارتداد إلى الانتماءات البدئية، وصولًا إلى القرد القابع فينا والمتربص بالإنسان الذي صيرتنا الثقافة إليه.
أما الأصالة، فتعني بالنسبة لي أصالة القيم، وليس آخرها قيمة الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص. للأسف، كثير من المثقفين يلهثون للحاق بقطعان قبائلهم وطوائفهم وعشائرهم، بينما يتمسك كثير من بسطاء الناس بالقيم الأصيلة.
وبالنسبة للبعض، الصداقة سلعة لها تاريخ صلاحية، فحين يصبح «الصديق» غير صالح للاستعمال يُرمى في سلة المهملات.
– هل أنت مُبعَد، أم بعيد، أم آليت الابتعاد؟
- روحي ترفض أن أعرض نفسي في بازار الأدب، «أو قلة الأدب»، كما يقول صديقي المثقف الأصيل غازي أبو عقل؛ البازار الذي من يفز فيه يكون من الخاسرين. ولست أتحدث عن دين الخاسرين ولا دين المبشرين بالفوز العظيم.
لم يبعدني أحد، بل لعلي ممن أنعمت عليهم الدنيا بالقدرة على الابتعاد عن وقع حوافر المتسابقين إلى الأوهام والعيش بسلام. أليست نعمة ألا تعاير كلمتك بمعيار الربح والخسارة؟ أليس أفضل اللصوص ألصهم، وأفضل الكذابين أكذبهم، وأفضل الغشاشين أكثرهم غشًا؟ لا أريد، بل أربأ بنفسي، أن أفاضل بين سيئ وأسوأ. شكرًا للرب على أنني أستطيع ألا أفعل.
– كيف تقارع ذاكرتك: بالكتابة؟ بالرسم؟ بالمحو؟
- ذاكرتي هي إياي. ذاكرتي بيت روحي. الإنسان بلا ذاكرة مجرد كتلة لحم، لا ينتج إلا الفضلات والروائح الكريهة. للكلام أيضًا رائحة لا يخطئها أنف الفن. أكتب وأمحو كثيرًا، ومما يبقى أنشر القليل. بحسبي، قيمة الخجل عظيمة. لا أريد أن أخجل من حبري.
– أين أصابك التغيير؟ وما المفردات التي حذفتها من قاموسك؟
- أين التغيير؟ نحن ماضون نحو القاع منذ مئات السنين، ولا نرى من المستقبل إلا الفقاعات التي يراها الغريق على سطح الماء قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. التاريخ هو الذي يحذف. ويا للمفارقة، فإن الأشياء التي يحذفها التاريخ من الواقع تترسخ في معاجم اللغة، فيغدو العرب مفردة مكتوبة بلا حركات، صوتًا، والمروءة والشهامة وإغاثة الملهوف مفردات. المهم أنني لم أحذف كلمة «الحب»، ولن أحذفها، كما لم أحذف إيماني بالحرية، ولن أحذفه.
– من يحمي الآخر: أنت تحتمي باللغة الأم لضمان التواصل والاستمرار، أم أن اللغة الأم تمنحك الأمان من الغياب؟
- لم يسبق أن وضعت نفسي في مواجهة اللغة. في «شمرايا»، يقول فؤاد لتوأمه عماد: «الروح تريد سماع الناس يتحدثون باللغة التي تبعث كيمياء الحياة». وأنا أقول هذا حين تمر شهور لا أسمع فيها مفردة عربية، لكن سرعان ما أشعر بالأسف مما أسمعه من بشر أحب فيهم أشياء لا تراها عيني ولا تسمعها أذني، بل أتوهم أنها موجودة فيهم، والأسف على الوقت الذي هدرته من عمري، وسرعان ما أشعر بالحزن عليهم، ثم أغيب من جديد شهورًا، غالبًا ما تزيد على ثلاثة، أرسم خلالها وأكتب، وأتأمل وجوه الناس في الشارع والمقهى. كم هم الناس محزنون.
– في ظل دفق الأعمال الروائية لأدباء سوريين، ولك فيها نصيب، كيف تصف هذا الدفق: حرية تعبير، انفجار غضب، أم فرصة للتغيير؟
- لا أعرف لماذا يكتب الآخرون، لكنني أعرف أنني أكتب لأعيد الأزرق إلى سماء أهلي بعدما أدركت أنه سقط منها. «اكتب!»، يقول لي الوجع: «هيّا، ما بك صامت؟”، ويقول لي الفن: «اهتدِ بالجمال».
تذكرني «الأبله» بأن «الجمال سينقذ العالم»، بوصفه مصدرًا للإلهام والخير، وتذكرني «شمرايا» بما قاله عماد عن توأمه فؤاد: «معياره في كل شيء الجمال».
«هذا ليس جميلًا»، يقول، و«هذا قبيح»، و«هذا مخجل»، و«هذا ضعف»، و«هذا طمع»، و«هذا جشع»، و«هذا جبن»، و«هذا تخاذل»، و«هذه دناءة»، و«هذه خسّة»، و«هذه وضاعة»، و«هذه ليست رجولة»، و«هذا سلوك غريزي»، و«هذا سلوك رخيص»، وأشياء كثيرة ينهيها بعبارة: «هذا كله غير جميل».
وأنا شخصيًا أرى من واجب المشتغلين بالفن والأدب أن يجعلوا العالم أجمل. وللأسف، باتت مقولة الواجب تثير السخرية.
– في «شمرايا» فقرات تشبه الكاريكاتير بمرارة سخريتها، مثل: «رجال صفر يُدخلون رؤوسهم في التنور لتعجيل شي الفطائر التي سيلتهمها سيدهم»، أو «رمي لحم الدجاج إلى الدجاجات التي تتسابق لتناول لحم إخوتها بامتنان». أهذه هي التبعية العمياء التي وصفتها بسياسة الإفناء الذاتي؟
- نعم، نحن العرب في مرحلة متقدمة من عملية إفناء الذات، لكنها عندنا عملية مقدسة، قدسية تجعل هزائمنا انتصارات.
– في «شمرايا» أيضًا – وأنا لست ناقدة أدبية – جموح فلسفي، وسرد متألق وحيوي وغائص في نفوس شخصيات الرواية، لمن تنتصر؟
- إذا كان الأدب لا يكشف ما يختبئ حتى في عتمات العقل، وليس في عتمات المجتمع والعقائد فحسب، فما قيمته؟
أعمل الآن على نص عنونته بـ«الشيطان وإياي». لا تنقصنا في ثقافتنا الحكايات، إنما ينقصنا التحليل الوجداني لفهم لماذا نحن هكذا.
«شمرايا» تنتصر للحق والجمال، ولا يمكن الانتصار لهما إلا بإعادة إنتاج الواقع بما فيه، واقع الشخصيات النفسي والمادي، وتأمل عميق للجماعات، فنحن ما زلنا جماعات لم ترقَ إلى «شعب» بعد. في كل كثرة منا واحد مكرر هو الزعيم، وليت فينا كثرة متباينة هي الناس.
– في روايتك «قمصان زكريا» اخترعت «ثورة الموتى» لتنبيه الأحياء/الأموات في تصوير مثير للمخيلة والمشاعر، وفي «شمرايا» نلمس قهر السخرية اللاذعة والتهكمية، بدءًا باختيارك أسماء الأشخاص، وصولًا إلى الأماكن، وإلى أسلوب تبادل الحوارات بين أبطال الرواية، المفعم بالدينامية كأنها عواصف لا تهادن؟
- كم هو مؤسف أن الإنسان في بلداننا يسمع عن شيء اسمه الحياة ويحاول تقمّصها. «قمصان زكريا» عن توارث القهر والظلم وتراكم مسببات التمرّد جيلًا بعد جيل. ثلاثة أجيال في الرواية تئن تحت حكم ساكن القمر، ولا يبقى إلا أن يُسقط الموتى قدسية القمر بمن فيه من عقول الناس، لتغدو الحياة ممكنة.
وفي «شمرايا» سخرية من رجولة الذكور، واحتفاء بـ«رجولة» النساء. في الرواية فعلت الخبّازة خضرا ما لم يستطعه الرجال، والعرس الجماعي احتفاء بغدٍ ستلده نساء مجهولات الاسم. وفيها غير قليل عن تفوق النساء على الرجال في البحث في صلة الرحم.
– لو أنك في عهد ستالين، هل كنا سنقرأ اسمك على لائحة «فرسان الحرية في الثقافة الروسية»، عنوان إصدارك الثمين؟
- ربما كان مصيري سيكون شبيهًا بمصير فارلام شالاموف، الذي أنكره أقرب الناس إليه، إنما الأرجح أنني كنت سألقى مصير «جينا» عند غافريل كولوسنيكوف في «صرخة بكماء»، الذي لم يتوقف ولم يلتفت إلى الخلف حين أمره حارس المعتقل بالوقوف، بل تابع سيره بانتظار الطلقة التي سترديه، إلى أن قتلته الرصاصة الثالثة.
قلة من نعرف عن فروسيتهم، وما أكثر الفرسان الذين لم يكتب عنهم أحد، لأن أسماءهم ليست بيّاعة. «اسم بيّاع»، تعبير يُستخدم في إنتاج الفن الذي يُجمّل التفاهة ويُفهّه الجمال الحقيقي.
– ما هو تعريفك لـ«غمضة عين»؟
- أنا أؤمن بتأثير الفراشة، ومثله تأثير الأدب والفن. أؤمن بإمكانية انقلاب العالم رأسًا على عقب في غمضة عين.
-هناك أقدام تركل كرة مستديرة للفوز، وهناك أرجل تركل مصائر بشر الكرة الأرضية بالمزيد من العنف. فأي منطق يحكم حياتنا؟ والتساؤل هنا لك، أم أن «الحياة حيرة العاقلين» كما تذكر في «شمراياك»؟
- أريد أن أتوهم أنني من العاقلين الذين تشغلهم الحياة عن الموت، ولا أحار في اختيار طريقي، بل أظنني أعرفه، برغم أن الواقع يسخر مني.
للحياة تعاريف كثيرة: فلسفية وبيولوجية وفيزيائية، أما بالنسبة إلى مبتلى بالانتماء إلى جغرافيا الموت، فالحياة هي كل شكل من أشكال مقاومة الموت، المعنوي منه والمادي.
ولكن، كم أرجو أن يعيش الناس حبًا بالحياة، بوصفها قيمة عظمى، وليس نكاية بالموت. فهل يستطيع الأدب والفن فعل شيء؟ نعم، يستطيعان الكثير.
