الاتّفاق الإيراني-الأميركي.. ثلاثة تّحوّلات كبرى مُحتملة

أخيراً، وقّع الطّرفان الايرانيّ والأميركيّ، بناءً على نتائج الحرب التي حصلت ابتداءً من الأوّل من آذار/مارس من السنة الجارية، مذكّرة التّفاهم المنتظرة. وما يرد حتّى الآن من معلومات ومن معطيات يبيّن أنّ الاتفاق النّهائيّ نفسه بات قريباً جدّاً، بل يبدو أقرب من أيّ وقت مضى إلى التّحقّق. ولكنّ ذلك يعني أيضاً، في المقابل، أنّ علينا أن ننتظر تغيّرات كبيرة في الإقليم، وربّما تغيّرات عميقة وجذريّة إلى حدّ بعيد نسبيّاً. فما هي الملامح الأساسيّة لهذه التحوّلات المنتظرة؟

النّقطة الأولى؛ تتعلّق بقبول أميركا والغرب، بالإضافة إلى دول الخليج العربيّ الحليفة لهما، بدور ايرانيّ يتناسب أكثر مع ما تمثّله إيران: حضاريّاً، وتاريخيّاً، وديموغرافيّاً، وجغرافيّاً، واقتصاديّاً، وعسكريّاً. فمن الواضح أنّ حرباً كهذه بنتائجها التي ظهرت بوضوح عالٍ نسبيّاً، واتّفاقاً مرتقباً كهذا، سيؤدّيان في نهاية الأمر إلى تقبّل عال المستوى نسبيّاً، أو ربّما تقبّل شبه كامل بالنّسبة إلى المرحلة.. للدّور الايرانيّ – الطّبيعيّ أو شبه الطّبيعيّ – في المنطقة.

وهذا بالضّبط ما كان الغرب والعقليّة الاستعماريّة الغربيّة يرفضانه عمليّاً منذ انتصار الثّورة الإسلاميّة في إيران عام ١٩٧٩.. ويجرّان معهما في ذلك كثيراً من حلفائهما الاقليميّين.

ولهذه النّقطة تبعات كثيرة محتملة، على رأسها: ما يعني اتّجاه وادارة ملفّات متعدّدة في المنطقة، أوّلها الأمن الإقليميّ كما يُعبّر عن ذلك أكثر فأكثر.. وليس آخرها ملفّات مثل الملفّ العراقيّ أو الملفّ اليمنيّ أو الملفّ اللبنانيّ.. إلى ما هنالك.

النّقطة الثّانية؛ تتعلّق بنشوء أو بالأحرى بتجلّي ميزان قوّة جديد بين أميركا وحلفائها الإسرائيليّين والعرب من جهة، وبين الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران وحلفائها من جهة ثانية. نحن نتحدّث هنا تحديداً عن “ميزان قوّة جديد” يزيل عمليّاً “الميزان الوهميّ” إن صحّ التّعبير.. والذي اعتقد البعض أنّه الميزان الواقعيّ لا سيّما بعد حرب عام ٢٠٢٤ على لبنان وبعد سقوط النّظام السّوريّ السّابق؛ فإذا به “ميزان وهميّ” إلى حدّ كبير وإن جاز التّعبير.. تأخذنا الوقائع اليوم منه، نحو: ميزان أكثر واقعيّة وحقيقيّة.

وهذا يعني في ما يعنيه: أنّ القوّة الأميركيّة في المنطقة لم تعد مطلقة ولا وحيدة كما يُمكن أن يتصوّر البعض، بل أصبحت أو هي أصلاً نسبيّة ومضطّرّة إلى قبول التّشارك، بصورة أو بأخرى، مع المعسكر الآخر وبطريقة أكثر واقعيّة ممّا سبق ربّما على مدى نصف قرن.. وحتّى مع بعض الحلفاء متصاعدي النّفوذ والهوامش من مثل تركيا.

ولا نتحدّث هنا فقط عن الميزان العسكريّ والأمنيّ بطبيعة الحال، وإنّما أيضاً عن الميزان السّياسيّ والاقتصاديّ، وحتّى الماليّ، بل و”الثّقافيّ” إن جاز التّعبير.. وفي كلّ المنطقة.

النّقطة الثّالثة؛ من الواضح أنّ المرحلة الجديدة ستجبر دول مجلس التّعاون الخليجيّ – بشكل خاصّ – على إعادة نظر جدّيّة، وربّما جذريّة، في ما كانت تعتبره استراتيجيّة “أمنها العربيّ” أو “أمنها الخليجيّ” أو “أمنها القوميّ”. ومن الواضح أيضاً أنّ سياسات متعدّدة لهذه الدّول في المنطقة ستتغيّر نتيجة لذلك كلّه، لأنّ التّعامل مع إيران بعد الاتّفاق المرتقب أو بعد التّسوية المرتقبة على كلّ حال، كما التّعامل مع الولايات المتّحدة أو مع “إسرائيل”، لن يكون كما كان قبله.

النّقطة الرّابعة؛ ستعيد تركيا الأردوغانية النّظر مجدّداً في دورها الاقليميّ بشكل أو بآخر. ومن المرجّح أيضاً بالتّالي: أن تُحاول أن تعرض نفسها، أكثر فأكثر، بوصفها “المنافس السّنّي” الجدّي الوحيد – أو الأكثر جدّيّة – لإيران في المنطقة. وهذا ما قد يؤدّي، على الأرجح كذلك، إلى تدخّل تركيّ متصاعد في ملفات متعدّدة، ومنها ربّما الملفّ اللّبنانيّ في ظلّ استمرار التّخبّط في السّاحة السّياسيّة السّنّيّة اللّبنانيّة (خصوصاً مع إصرار القرار السّعوديّ، لأسباب تخصّه هو أدرى بشِعابها، على عدم حلّ هذه المسألة بطريقة واقعيّة).

النّقطة الخامسة؛ من الواضح إذن أنّ المنطقة لا يمكن أن تستمرّ بالطّريقة الاداريّة والسّياسيّة السّابقة نفسها. وهذا ما سينعكس على ملفّ لبنان تحديداً من بين ملفات متعدّدة، وهو ملفّ مهمّ جدّاً، كما نعلم، للطّرفين الأميركيّ والايرانيّ، وأيضاً بالنّسبة إلى بعض الأطراف العربيّة.

ففي لبنان، من المرجّح أن نعود إلى وضعيّة أقلّ اختلالاً في موازين القوى بين طرف “فريق المقاومة” من جهة، وطرف حلفاء أميركا من جهة أخرى. ولذلك، فمن العقلانيّ اعتبار أنّ المرحلة القادمة في لبنان ستكون مرحلة تسوية بالقوّة إن جاز التّعبير وعلى الطّرفَين.. سيدفع أكثر اللّاعبين الاقليميّين والدّولييّن إلى جعلها تسوية متكاملة، ضمن سلّة متكاملة، تفضي إلى حلّ طويل الأمد إذا أمكن للأزمة اللّبنانيّة.

أخيراً وليس آخراً؛ في ما يعني الملفّ السّوريّ، فإنّ خطوة الرّئيس الانتقاليّ أحمد الشّرع ونظامه القاضية بعدم التّدخّل إلى جانب “إسرائيل” في لبنان (حتّى الآن).. سيكون لها أيضاً انعكاسات ونتائج مهمّة في تقديري. أغلبها ايجابيّ واقعاً بالنّسبة إلى استقرار النّظام اقليميّاً وداخليّاً، وبعضها سلبيّ بالتّأكيد من الجهة الاسرائيليّة تحديداً. ولذلك، فعلينا على الأرجح أن ننظر إلى السّاحة السّوريّة أيضاً.. بكثير من التّرقّب والحذر في المرحلة القادمة.

في الخلاصة، هذه بعض المعالم الكبرى لما يُمكن أن يكون بانتظار الإقليم، من حركة ومن تغيّرات أقرب إلى التّرجيح، ويمكن اختصار أهمّ هذه المعالم الكبرى بثلاث نقاط أساسيّة واقعاً:

أوّلاً؛ الاعتراف ضرورةً بدور إيران في المنطقة (وربّما بدورها الطّبيعيّ في قلب العالم القديم بأكمله).

ثانياً؛ زوال وهم التّفرّد الأميركيّ (والإسرائيليّ)، إلى حدّ كبير، خصوصاً في مسألة ادارة شؤون ومستقبل الاقليم.

ثالثاً؛ فتح الباب أمام تسويات معقولة (أو جذريّة حيث أمكن) في أكثر الملفّات، على أساس توازن جديد – أكثر واقعيّة – بين الطّرفين الأساسيّين المعنيّين – حتّى الآن – وحلفائهما.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  إلى الشّيخ سبينوزا: هل بيدنا "فعل" أيّ شيء؟ (2)
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  من كييف إلى بيروت وطهران: الجيوبوليتيك وصراع السيطرة على مفاتيح أوراسيا