من إسلام آباد إلى بيروت.. سؤال النظام هل يأخذنا إلى “دوحة 2″؟

تكشف التجارب التاريخية أن الحروب لا تنتهي بالضرورة عندما تصمت المدافع. فكثيراً ما تغادر المعارك ساحات المواجهة العسكرية لتستقر داخل المجتمعات والدول نفسها، حيث تعود الصراعات بأشكال أكثر تعقيداً تتصل بالسلطة والهوية والاقتصاد وتوزيع النفوذ. وما أن تتراجع حدة المواجهة الخارجية حتى تطفو على السطح التناقضات الداخلية التي كانت الحرب تؤجل انفجارها.

من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة التطورات اللبنانية الراهنة بوصفها مجرد نقاش حول سلاح المقاومة أو التطبيع مع إسرائيل، بل باعتبارها مؤشراً على أزمة أعمق تطاول بنية النظام السياسي نفسه. فلبنان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية تتجاوز الخلافات التقليدية بين السلطة والمعارضة، لتطرح سؤالاً يتعلق بمستقبل الجمهورية التي نشأت بعد اتفاق الطائف، وبمدى قدرتها على الاستمرار في ظل التحولات التي شهدها الداخل اللبناني والإقليم خلال المرحلة الممتدة من العام 1989 حتى يومنا هذا.

لقد قام اتفاق الطائف على توازن سياسي دقيق نشأ في ظل ظروف إقليمية ودولية مختلفة تماماً عن تلك القائمة اليوم. فالصيغة التي حكمت لبنان منذ عام 1989 استندت عملياً إلى شراكة مارونية ــ سنية شكلت العمود الفقري للسلطة التنفيذية والسياسية، فيما مُنح الشيعة موقعاً متقدماً قياساً بما كان عليه وضعهم قبل الحرب الأهلية، بينما لعب الدروز، بقيادة وليد جنبلاط، دور الضابط للتوازنات بين المكونات المختلفة.

غير أن العقود الماضية حملت تغيرات جوهرية. فصعود الثنائي الشيعي وتحوله إلى أحد أبرز مراكز القوة السياسية والشعبية والعسكرية في البلاد، إلى جانب التحولات الإقليمية التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 والحروب التي أعقبت الربيع العربي عام 2011؛ هذه الوقائع أنتجت موازين قوى فعلية تتجاوز التوازنات التي كرّستها النصوص الدستورية قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن.

من هنا، يمكن فهم جانب أساسي من التوتر القائم اليوم بين السلطة والثنائي الشيعي. فالمسألة لا ترتبط فقط بمستقبل سلاح المقاومة أو بملف التفاوض مع إسرائيل، بل بشعور متنامٍ داخل البيئة الشيعية بأن القرارات المصيرية التي تمس الصراع مع العدو ومستقبل البلاد تُتخذ خارج التوافق الوطني، ومن دون مشاركة فعلية للمكوّن الذي يعتبر نفسه شريكاً أساسياً في إنتاج السلطة وحماية الكيان اللبناني.

ويزداد هذا الشعور مع ما يُنظر إليه داخل أوساط الثنائي الشيعي باعتباره إعادة إحياء لثنائية مارونية ــ سنية ممسكة بمفاصل القرار السياسي، تتجسد في المرحلة الحالية من خلال العهد الرئاسي والحكومة القائمة. بالنسبة إلى هذا الفريق، يُصبح الذهاب إلى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل، أو تبني مقاربات تتصل بحصرية السلاح وترتيبات ما بعد الحرب، من دون توافق وطني شامل، بمثابة تجاوز للميثاقية التي قام عليها النظام اللبناني منذ الاستقلال حتى يومنا هذا.

لكن المسألة لا تتوقف عند حدود الخلاف الداخلي. فالتطورات الإقليمية، وخصوصاً مسار التفاهمات الأميركية ــ الإيرانية، تضيف بعداً جديداً إلى المشهد. فالتاريخ الدولي يعلمنا أن القوى الكبرى لا تنتقل إلى التفاهم لأنها تخلت عن مصالحها أو صراعاتها، بل لأنها تدرك أن كلفة المواجهة المفتوحة أصبحت أعلى من كلفة إدارة التنافس ضمن قواعد أكثر انضباطاً.

وفي هذا السياق، قد لا يكون التفاهم الأميركي ــ الإيراني المحتمل مجرد تفاهم يهدف إلى خفض التوتر في المنطقة، بل إطاراً لإعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية وفتح المجال أمام إعادة رسم حدود النفوذ الإقليمي.

ويبدو لبنان في قلب هذه المعادلة. فالحرب الأخيرة وما أعقبها من سجالات حول السلاح والتفاوض والسيادة كشفت حجم الأزمة البنيوية التي يعيشها النظام. فالدولة اللبنانية لم تعد تواجه فقط مشكلة أمنية أو اقتصادية أو مالية بل أزمة تتعلق بأصل النظام نفسه وكيفية إنتاج القرار الوطني ضمن هذه الصيغة الرجراجة.

لقد أظهرت التجارب المقارنة أن الدول التي تعجز عن إنتاج عقد اجتماعي جديد يواكب التحولات السياسية والاجتماعية تصبح معرضة لأزمات متكررة تهدد استقرارها وشرعيتها. وهذا ما يجعل السؤال المطروح اليوم في لبنان يتجاوز مستقبل الحكومة أو العهد الحالي، ليطال مستقبل اتفاق الطائف نفسه؛ فهل ما نشهده هو مجرد أزمة سياسية عابرة داخل النظام، أم أننا أمام بداية مرحلة انتقالية تقود إلى إعادة تأسيس النظام برمته؟

هذا السؤال يفسر الحديث المتزايد عن دور قطري محتمل في المرحلة المقبلة. فكما لعبت الدوحة عام 2008 دوراً أساسياً في إنتاج تسوية أنهت أزمة داخلية حادة وأعادت توزيع موازين القوى، ثمة مؤشرات إلى أن لبنان قد يحتاج خلال السنوات المقبلة إلى تسوية جديدة تتجاوز معالجة الخلافات الظرفية، لتصل إلى إعادة تعريف قواعد الشراكة الوطنية وآليات اتخاذ القرار داخل الدولة.

وفي حال نضجت الظروف الإقليمية والدولية لذلك، فقد لا يكون الحديث عن «دوحة ثانية» مجرد توصيف إعلامي، بل تعبيراً عن حاجة فعلية إلى عقد سياسي جديد يراعي التحولات التي شهدها لبنان منذ الطائف وحتى اليوم.

ولهذا فإن لبنان يقف اليوم أمام مفترق تاريخي. فإما أن تتحول مرحلة التهدئة الإقليمية إلى فرصة لإعادة إنتاج عقد وطني أكثر توازناً وعدالة واستقراراً، وإما أن تستمر الصراعات الداخلية بالتفاقم تحت عناوين مختلفة، فتنتقل المواجهة من الحدود إلى قلب النظام السياسي نفسه. عندها لن يكون السؤال عن مصير المقاومة أو الحكومة أو المفاوضات، بل عن مصير الجمهورية التي ولدت في اتفاق الطائف، وما إذا كانت تتجه نحو التجديد والتطوير، أم نحو نهاية مرحلة كاملة من تاريخ لبنان وبداية مرحلة جديدة لم تتضح معالمها بعد.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  العبوة تنفجر وعماد مغنية الشبح.. "قُتِلَ أخيراً"! (123)
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  البابا يستعد لزيارة سوريا.. والموعد "سيكون مفاجئاً"!