من يُراقب الأحداث والمواقف يلاحظ أن واشنطن وطهران يسعيان إلى تجنب سيناريو عودة الحرب. فالطرف الأميركي المبادر للتصعيد يعمل، بحسب تصريحات الرئيس دونالد ترامب، على استخدام العمل العسكري الراهن من أجل تحسين شروط المفاوضات بينهما بعد أن أظهرت مذكرة التفاهم ترجيح كفة الطرف الإيراني، فيما تتبع طهران قاعدة “الضربة تقابلها ضربة”، تماماً كما كانت تشترط سياسة “الخطوة مقابل خطوة” لتنفيذ الاتفاق وبناء ثقة متبادلة بين الجانبين.
من الواضح أن ترامب حاول أن يستفيد من انعقاد قمة دول حلف شمال الاطلسي (الناتو) في تركيا لجر حلفائه الأطلسيين إلى الحرب بعد فشله في ذلك خلال مئة يوم من العدوان، لكنه فشل، بعد أن قرر الحلفاء النأي بأنفسهم عن هذه المغامرة العسكرية، كما حاول ترامب أن يجر تركيا إلى الانخراط في الحرب عبر البوابة السورية باتجاه لبنان لكنه فشل أيضاً. تلقائياً، وجد ترامب نفسه أمام واقع إما الخضوع لمذكرة التفاهم، وهو الأمر الذي سيترك تأثيراً سلبياً على نتائج حزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل وإما العودة إلى العمل العسكري من أجل تحسين شروط المذكرة لصالحه.
وعلى جبهة لبنان، يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان واضحاً في كلامه مع ترامب بشأن لبنان وسوريا، حيث طالبه بانسحاب “إسرائيلي” كامل من الأراضي اللبنانية والسورية والعمل على اقامة مشروع إقتصادي تنموي في المنطقة (لبنان وسوريا والعراق) يكون لأميركا حصة الأسد فيه؛ غير أن هذا المطلب التركي إصطدم بواقع أن رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو يريد أن يبقي الجبهة الشمالية مشتعلة، في ظل حكومة هي الأكثر فاشية في تاريخ الكيان الصهيوني. ما عدا ذلك يعني التفريط بالتحالف الذي تتشكل منه هذه الحكومة كما بنتائج حزبه الليكود وحلفائه اليمينيين في الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
يفضي ذلك للقول إن ترامب يواجه مأزقاً مزدوجاً؛ فهو لا يريد العودة إلى الحرب الواسعة النطاق من جهة وغير قادر على تنفيذ مذكرة التفاهم مع إيران من جهة ثانية. بالمقابل، يواجه نتنياهو مأزق عدم استطاعته التملص من الموقف الأميركي الضاغط باتجاه رفض العودة إلى الحرب الواسعة في لبنان، وفي الوقت نفسه، العجز عن القضاء على المقاومة اللبنانية التي رفضت الإتفاق الإطاري، ناهيك بموقف المؤسسة العسكرية اللبنانية التي رفضت الانزلاق إلى أي ترتيبات عملانية بعنوان “المناطق التجريبية” يكون جوهرها وضع الجيش في مواجهة المقاومة.
هذا المأزق لكل من أميركا و”إسرائيل” لا يعني أن إيران مرتاحة على وضعها، فهي تواجه صعوبات كبيرة وجدية وتخوض منفردة منذ أربعة أشهر ونيف حرباً مع أميركا، القوة العظمى الأولى في العالم، كما مع إسرائيل، واحدة من أقوى الدول في الشرق الأوسط، وما نتج عن هذه الحرب من خسائر بشرية واقتصادية. وبالتالي هي أيضاً بحاجة لانهاء هذه الحرب. لكن القيادة السياسية والعسكرية الجديدة في إيران التي تولت المسؤولية بعد اغتيال المرشد السيد علي الخامنئي لا تستطيع القبول بحل يُكرّس انطباعاً بأنها تخلت سلماً عما رفضت القيادة السابقة التخلي عنه حرباً، لا سيما بعد أن استعادت هذه القيادة المبادرة في الشارع الإيراني عبر التشييع المليوني للمرشد الخامنئي.
في هذا السياق، قرّرت القيادة الإيرانية الرد على محاولة التنصل الأميركية من مذكرة التفاهم بإعادة اغلاق مضيق هرمز والرد على مصادر النيران الأميركية من أي دولة أتت (الكويت والبحرين والسعودية وقطر وعُمان والأردن) ولم تبادر إلى قصف الكيان “الإسرائيلي” الذي واصل اعتداءاته على جنوب لبنان فيما يواصل طيرانه المسير والحربي خرق الأجواء اللبنانية من أقصى شمال شرق لبنان إلى أقصى جنوبه.
أمام هذه المشهدية الشائكة تبرز مآزق كبرى تعيشها دول غير منخرطة بالحرب بصورة مباشرة ولكنها متأثرة بها سلباً إلى درجة كبيرة، أولها دول الخليج، التي تجنبت الدخول بصورة مباشرة في الحرب وهي لا تستطيع أن تمنع الجانب الأميركي من استخدام قواعده العسكرية على أراضيها، وبالتالي تصبح هذه الأخيرة عرضة للقصف الصاروخي الإيراني. كما أن أي تصعيد أميركي باتجاه قصف بنى تحتية إيرانية سيواجهه الجانب الإيراني بقصف بنى تحتية خليجية. هنا تجدر الإشارة إلى أن دول الخليج تتعرض لخسائر فادحة جراء اقفال مضيق هرمز من جهة وانحسار الحركة الاقتصادية الداخلية وتعثر الاستثمارات الخارجية من جهة أخرى.
أما الدول الأخرى التي تتأثر سلباً بالواقع الراهن فهي دول الاتحاد الأوروبي، فارتفاع أسعار النفط والغاز الناجم عن اقفال مضيق هرمز يضغط بقوة على اقتصاديات هذه الدول التي تعاني أساساً بسبب استمرار الحرب الروسية الأوكرانية منذ أكثر من أربعة اعوام، ومن المعروف أن دول الاتحاد الأوروبي هي الطرف الأساس في دفع فاتورة هذه الحرب بسبب دعمها لأوكرانيا، تسليحاً وتذخيراً.
أما روسيا والصين فلكل منهما هواجسه. بالنسبة لروسيا، فهي منشغلة في حرب أوكرانيا وبالتالي فإن استمرار الحرب الأميركية على إيران يستنزف قدرات خصومها الأوروبيين من جهة والقدرات التذخيرية الأميركية من جهة ثانية. فيما الصين تجد نفسها أمام خيارين صعبين، ولكن بامكانها تحملهما، فاقفال مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط يضغطان على اقتصادها من جهة ويجعلانها اكثر اعتماداً على روسيا من جهة ثانية وبخاصة بعد خسارة حليفتها فنزويلا. وهي، كما روسيا، تستفيد من الاستنزاف الذي تعانيه أميركا جراء هذه الحرب، لكنها أيضاً لا مصلحة لديها بسقوط إيران أو استسلامها لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى سيطرة الولايات المتحدة الأميركية على مصادر الطاقة في كل أنحاء العالم ويعطيها اليد الطولى في تسعير برميل النفط وطن الغاز كما تشاء.
ومن يراجع التصريحات الأميركية في الأيام الأخيرة، يلاحظ ارباك واشنطن في التعامل مع الموقف، وفي هذا السياق كان لافتاً للانتباه تشديد نائب الرئيس الأمريكي، جي. دي. فانس، على أن الخيار العسكري وحده لن يكون كافياً لإنهاء التوتر في مضيق هرمز، مشدداً على أن الحل النهائي للصراع مع طهران لا يمكن تحقيقه إلا عبر القنوات الدبلوماسية والتفاوض المباشر، وأضاف: “يمكننا قصف الإيرانيين وتدمير بعض قدراتهم العسكرية، لكن إطلاق النار على السفن والناقلات في المضيق يظل أمراً سهلاً بالنسبة لهم، ولذلك لا بد من الاستعداد للحوار والتفاوض”.
وبرغم سوداوية المشهد فإن خيار الحرب الشاملة يبقى مستبعداً كونه يتطلب اجتياحاً أميركياً برياً لإيران، ومن دونه لا يمكن لأهداف العدوان أن تتحقق، ولكن من خلاله تغرق أميركا في رمال متحركة سبق لها أن جرّبتها في افغانستان والعراق وفيتنام، لذلك فإن عودة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات أمرٌ لا مفر منه، أما الحرب بالنقاط فلا يمكن أن تستمر طويلاً، لأن تأثيرها السلبي يطال الاقتصاد العالمي برمته وليس الدول التي تشكل مسرحاً لهذه الحرب. وبما أن الجانب الأميركي هو المبادر للحرب فإن وقفها يقع على عاتقه مهما كانت الأثمان.
