ماذا تبقّى من خطاب الأحزاب القومية والاشتراكية في لبنان؟

شكّلت الأحزاب القومية والاشتراكية في لبنان منذ منتصف القرن العشرين ركيزة أساسية في الحياة السياسية والفكرية، إذ عبّرت عن طموحات جيل عربي آمن بالنهضة والوحدة والعدالة الاجتماعية. كانت نشأتها امتدادًا للتحولات الكبرى في المنطقة: صعود القومية العربية مع المدّ الناصري، اشتداد الحرب الباردة، وتنامي الحركات التحررية في مواجهة الاستعمار. في هذا المناخ، برزت الأحزاب القومية والاشتراكية كقوى سياسية تسعى إلى تجاوز الانقسامات الطائفية اللبنانية من جهة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني من جهة أخرى.

غير أنّ المشروع الذي حملته هذه الأحزاب اصطدم بجدار الواقع اللبناني المركّب وبالتحولات الإقليمية والدولية العميقة. فالهزائم المتتالية في الصراع العربي– الإسرائيلي، وخصوصًا نكسة عام 1967، كشفت هشاشة المشروع القومي العربي، فيما أدى فشل التنمية الاقتصادية في الدول العربية إلى زعزعة الثقة بالأيديولوجيات القومية والاشتراكية على حد سواء، ومع تحوّل الأنظمة العربية إلى أنظمة عسكرية وشمولية، فقدت هذه الأحزاب بريقها التحرري وتحوّلت تدريجيًا إلى أدوات للوصاية والتبعية، وفي لبنان عمّق النظام الطائفي هذه الأزمة، إذ حال دون نشوء مشروع وطني جامع يتجاوز الولاءات الطائفية، ما أدّى إلى تراجع الخطاب القومي والاشتراكي وتحويله إلى مجرد شعارات رمزية بلا فاعلية سياسية حقيقية.

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، شكّل صعود المدّ القومي العربي حالة فكرية وسياسية من المحيط إلى الخليج، مستندًا إلى تجربة جمال عبد الناصر في مصر وشعارات الوحدة والحرية والاشتراكية.

في لبنان، وجدت هذه الأفكار بيئة خصبة لدى النخب الشبابية والطبقة الوسطى، فظهرت أحزاب حملت مشاريع وحدوية تتجاوز الحدود الطائفية.

أبرز الأحزاب القومية في لبنان:

  1. الحزب السوري القومي الاجتماعي: أسّسه أنطون سعادة في الثلاثينيات، وارتكز على فكرة “الأمة السورية الكبرى” كهوية تتجاوز الطوائف. بلغ ذروته في الستينيات بفضل التنظيم الصارم والحضور الشعبي، لكنه واجه تضييقًا سياسيًا وحملات قمع، ما دفعه إلى التكيّف مع الواقع اللبناني لاحقًا.
  2. الاتحاد الاشتراكي العربي: وهو امتداد مباشر للناصرية في لبنان، جمع بين فكرة الوحدة العربية والمبادئ الاشتراكية، مستفيدًا من الدعم المصري ومثّل محاولة لربط المشروع القومي بالعدالة الاجتماعية، لكنه بقي رهين التوازنات اللبنانية الدقيقة.
  3. التنظيم الشعبي الناصري: حمل إرث عبد الناصر في البيئة اللبنانية، مركّزًا على الوحدة والتحرر الوطني. وبرغم شعبيته في بعض المدن، ظل تأثيره محدودًا أمام سطوة النظام الطائفي وتبدّل موازين القوى الإقليمية.
  4. حزب البعث العربي الاشتراكي (الجناحان السوري والعراقي): انطلق من فكرة أنّ العرب أمة واحدة تجمعها اللغة والتاريخ والثقافة، لكنهم يعيشون في دول قُطرية مزّقها الاستعمار. غير أن انقسام الحزب بين جناحين تابعين لدمشق وبغداد أدّى إلى تآكل استقلاليته الفكرية وتحويله إلى أداة نفوذ إقليمي.

مع مرور الوقت، تراجعت هذه الأحزاب عن مشروعها الفكري الأصلي تحت ضغط التبعية للمحاور الإقليمية (سوريا، العراق، مصر)، فتحوّل خطابها من الدعوة إلى الوحدة العربية إلى الدفاع عن مصالح أنظمة حاكمة مما أفقدها مصداقيتها أمام جماهيرها.

الأحزاب الاشتراكية والشيوعية:

برزت الأحزاب الاشتراكية والشيوعية في لبنان في سياق موازٍ، حملت فيها لواء الدفاع عن الطبقات الشعبية والعمال والفلاحين، مستندة إلى الفكر الماركسي اللينيني والدعم الآتي من الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية، ومن أهمها:

  1. الحزب الشيوعي اللبناني: تأسس عام 1924، وكان من أقدم الأحزاب العربية اليسارية. لعب دورًا سياسيًا وثقافيًا بارزًا في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، لكنه ظلّ يتأرجح بين ارتباطه بالأممية الشيوعية من جهة، وتفاعله مع الخصوصية اللبنانية من جهة أخرى. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فقد الحزب مرجعيته الفكرية، ما أدى إلى تراجع حضوره الشعبي وواجه حالات من التشظي ما زالت آثارها مستمرة حتى يومنا هذا (حركة اليسار الديموقراطي، الانقاذ والتغيير، الحركة اليسارية اللبنانية إلخ..).
  2. الحزب التقدمي الاشتراكي: تأسس على يد كمال جنبلاط بصفته حزبًا اشتراكيًا إصلاحياً عابرًا للطوائف عام 1949 ولعب دوراً محورياً في ثورة العام 1958، إلا أن الحرب الأهلية أعادت تشكيله ضمن إطار طائفي محدّد. تحوّل تدريجيًا إلى حزب زعامة، وظلّ الخطاب الاشتراكي فيه أقرب إلى الموروث الرمزي منه إلى مشروع سياسي متكامل.
  3. منظمة العمل الشيوعي في لبنان: تأسست على يد محسن إبراهيم عام 1970 نتيجة اندماج «لبنان الاشتراكي» و«منظمة الاشتراكيين اللبنانيين». تبنت المنظمة الفكر الماركسي من جهة والقضية القومية (فلسطين) من جهة ثانية.. بعد انتهاء الحرب الأهلية، تراجع حضور المنظمة التنظيمي والسياسي. قررت مؤخراً تغيير اسمها لتصبح منظمة العمل اليساري الديموقراطي العلماني وانتخبت زكي طه أميناً عاماً خلفاً لمحسن إبراهيم بعد رحيله.

مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، دخلت الأحزاب القومية والاشتراكية مرحلة انحدار حاد، فالتقسيم الطائفي والمناطقي جرّ هذه الأحزاب إلى الاصطفافات المذهبية، ودفعتها الظروف إلى التحالف مع قوى إقليمية متصارعة. تحولت الأحزاب التي كانت ترفع شعار “الوحدة والتحرر” إلى أدوات في صراعات بالوكالة، ففقدت قدرتها على إنتاج خطاب وطني مستقل.

كما أسهم فشل المشروع العربي بعد حرب 1967، وانهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينيات، في حرمان هذه الأحزاب من مرجعيتها الفكرية والدعم الخارجي. أضف إلى ذلك عجز الأنظمة العربية عن بناء تنمية اقتصادية حقيقية أو مؤسسات ديمقراطية، ما جعلها تنزلق نحو الشمولية العسكرية. وقد انعكس هذا المسار على الأحزاب التابعة لها، التي باتت تبرّر السلطوية بدلاً من أن تقاومها.

إقرأ على موقع 180  رونين بيرغمان: لا إستراتيجية إسرائيلية لإعادة المستوطنين إلى الشمال

أدّى تراجع الأحزاب القومية والاشتراكية إلى خلق فراغ سياسي وفكري، استغلّته الأحزاب الدينية التي قدّمت نفسها كبديل واقعي. اعتمدت هذه الحركات على خطاب يجمع بين الدين والمقاومة والعدالة الاجتماعية، مستفيدة من الدعم الإقليمي (الإيراني والسوري وغيره) ومن إخفاق النخب القومية في تحقيق أيّ من وعودها.

لم يكن هذا التحول محليًا فحسب، بل كان انعكاسًا لموازين القوى في المنطقة، ولتراجع المشروع القومي، وتفكّك الدولة الوطنية، وصعود الإسلام السياسي كقوة تعبئة جماهيرية بعد الثورة الإيرانية وانهيار الاتحاد السوفياتي. في لبنان، وجد هذا الخطاب بيئة خصبة في النظام الطائفي الذي يكافئ الولاءات الدينية والمذهبية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

هذا، ويُعتبر النظام الطائفي اللبناني العقبة البنيوية الأكبر أمام تطور الأحزاب القومية والاشتراكية. فبينما تدعو هذه الأحزاب إلى المواطنة والوحدة، يقوم النظام السياسي اللبناني على مبدأ المحاصصة الطائفية الذي يُعيد إنتاج الولاءات الطائفية.

وفي هذا السياق، يجد أي حزب عابر للطوائف نفسه مضطرًا للتكيّف مع منطق الزعامة الطائفية كي يستمر، ما يؤدي إلى إفراغ خطابه الفكري من مضمونه التحرري. ومع غياب الدولة المركزية القادرة على فرض هوية وطنية جامعة، تحوّلت الأحزاب القومية والاشتراكية إلى كيانات رمزية أو أدوات تابعة لأنظمة إقليمية.

في الخلاصة، تختزل تجربة الأحزاب القومية والاشتراكية في لبنان أزمة المشروع العربي؛ فالهزيمة أمام إسرائيل، وفشل التنمية، وانهيار الحلم الديموقراطي في العالم العربي، كلّها عوامل ساهمت في تفكك البنية الفكرية لهذه الأحزاب وتحولها إلى قوى سياسية هامشية.

إن إعادة بناء خطاب قومي– اجتماعي حديث في لبنان اليوم تتطلب تجاوز منطق الوصاية والتبعية، وتأسيس مشروع سياسي جديد يقوم على المواطنة، العدالة، والاستقلال الوطني. فالتاريخ اللبناني يثبت أن الفكر القومي والاشتراكي، مهما ضعف، يبقى حاجة وطنية، شرط أن يتحرّر من إرث الشعارات وأن يستعيد روحه التغييرية الأولى.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  "أتلانتك" عن حزب الله وإسرائيل: سؤال الحرب.. متى تقع؟