الشباب الأميركي.. الإشتراكية لم تعد تهمة!

لعقود طويلة، كان وصف أي سياسي أميركي بـ«الاشتراكي» كفيلًا بالقضاء عليه سياسيًا، وإخراجه من دائرة الضوء، وإنهاء مسيرته السياسية. واليوم، يحكم مدينة نيويورك ــ المدينة التي يراها كثيرون الأهم في أميركا والعالم ــ زهران ممداني، العمدة الشاب الذي وصل إلى هذا المنصب المرموق في انتخابات حرة، معتمدًا على أجندة اشتراكية.

ولا ينفرد ممداني بكونه الاشتراكي الوحيد ضمن دائرة النخبة السياسية الأميركية، إذ سبقه السيناتور عن ولاية فيرمونت بيرني ساندرز، والنائبة الأشهر حاليًا في مجلس النواب ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، وآخرون.

وفي الوقت ذاته، تظهر استطلاعات الرأي المتكررة أن الشباب الأميركيين تحت سن الثلاثين ينظرون إلى الاشتراكية بنظرة أكثر إيجابية من شباب الأجيال السابقة. ولا يجد علماء الاجتماع أو السياسة منطلقات مقنعة لفهم هذه الظاهرة التي لا يبدو أنها ستختفي في أي وقت قريب.

ويرى البعض أن توحش الرأسمالية الأميركية، واختلال توزيع الثروة داخل المجتمع الأميركي بصورة أكثر حدة مما اعتاد عليه الأميركيون، وفشل السياسات الليبرالية التقليدية والجديدة في تحسين مستوى معيشة الأميركيين، ولا سيما الشباب منهم، مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة الأساسية، قد أسهمت جميعها في الدفع نحو الاشتراكية.

***

منذ أن نشأت الولايات المتحدة قبل 250 عامًا، لم يكن للأفكار الاشتراكية وجود يُذكر. إلا أنه، بحلول القرن العشرين، تسربت إلى المجتمع الأميركي أفكار الاشتراكية بعد انتشارها في العديد من المجتمعات الأوروبية. وفي انتخابات عام 1912، حمل المرشح الرئاسي يوجين ديبس راية الاشتراكية، وفاز بما يقرب من 6 في المئة من أصوات الأميركيين. ونجح ديبس في بناء تحالف ضم النقابات العمالية، والمهاجرين الجدد، والعاملين في المزارع.

وخفت بريق الاشتراكية، ولا سيما بعد تأسيس الاتحاد السوفياتي وطموحاته العالمية، وتحديدًا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وما نتج عنها من حالة استقطاب استغلها المكارثيون داخل الولايات المتحدة لمطاردة الشيوعيين والاشتراكيين بصفة عامة.

ومع تزامن انتشار حركة الحقوق المدنية وسياسات الضمان الاجتماعي في أوائل ستينيات القرن الماضي، خشي الحزبان، الجمهوري والديموقراطي، من انتشار الأفكار الاشتراكية، فهُمِّشت الأجنحة المتعاطفة مع هذه السياسات، واقتصر وجود الاشتراكيين على بعض الأوساط الأكاديمية والأحزاب الصغيرة واليسار العمالي، وغاب ممثلوهم عن السباقات الانتخابية.

إلا أن وقوع الأزمة المالية عام 2008، وانتقال تداعياتها من الولايات المتحدة إلى بقية العالم، دفع ملايين الشباب إلى مشاهدة المؤسسات المالية والبنوك تتلقى حزم إنقاذ بمليارات الدولارات، في وقت فقدت فيه ملايين العائلات منازلها ووظائفها ومدخراتها. كما أدى ركود الأجور، وارتفاع تكاليف التعليم العالي والرعاية الصحية، وابتعاد فكرة شراء منزل عن قائمة أحلام الشباب، إلى تراجع إيمان هذه الأجيال بالرأسمالية الأميركية في بنيتها الحالية، المنحازة لمصلحة عدد متناهٍ في الصغر من الأميركيين.

ومع ظهور حركة «احتلوا وول ستريت» عام 2011، تكررت الإشارة إلى مفهوم «الواحد في المئة في مقابل التسعة والتسعين في المئة» في الخطاب السياسي لدى كثير من مرشحي الحزبين.

***

مثّل ترشح السيناتور بيرني ساندرز لانتخابات الرئاسة عام 2016 نقطة تحول مهمة؛ إذ ترشح ساندرز صراحة بصفته اشتراكيًا ديموقراطيًا، وفاز بأكثر من عشرين ولاية في الانتخابات التمهيدية، وصوّت له أكثر من 13 مليون ناخب. وجذب ساندرز أعدادًا هائلة من الناخبين الشباب الذين حفزتهم مقترحات مجانية التعليم الجامعي، والرعاية الصحية المجانية للجميع، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولارًا للساعة، وفرض المزيد من الضرائب على الثروات. ولم يفز ساندرز بالترشيح، لكنه طبع خطابًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا جديدًا في العقل السياسي الأميركي.

وتكرر عدم توفق ساندرز في انتخابات عام 2020، إلا أنه نجح في بناء تيار اشتراكي شرعي داخل الحزب الديموقراطي، بدلًا من بقائه على الهامش اليساري.

وجاء انتخاب النائبة البارزة ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز عام 2018، بوصفها أصغر امرأة تُنتخب للكونغرس على الإطلاق، ليستمر الاهتمام بهذا التيار الصاعد بين الشباب، ولا سيما بعدما أصبحت أوكاسيو-كورتيز واحدة من أكثر السياسيين متابعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما منح الاشتراكية الأميركية متحدثة بارعة أسهمت في جذب المزيد من الشباب الأميركيين.

ثم جاء اختراق ممداني لعمودية مدينة نيويورك في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر الماضي ليدشن نضج الحراك الانتخابي للاشتراكيين الأميركيين. فقد نجح الشاب ممداني، البالغ من العمر 34 عامًا، في هزيمة الحاكم السابق لولاية نيويورك أندرو كومو في الانتخابات التمهيدية الديموقراطية لمدينة نيويورك، ثم فاز في الانتخابات العامة بحملة مبنية على أجندة اشتراكية صريحة. وأصبح ممداني أول عمدة مسلم للمدينة، وأول عمدة من أصول جنوب آسيوية، وأول عمدة اشتراكي.

ومثّل فوز ممداني في عاصمة المال والإعلام دليلًا على أن المرشح الذي يستخدم كلمة «اشتراكي» بفخر ومن دون اعتذار، يمكنه أن يفوز بتفويض حاسم بين الناخبين الشباب من أبناء الطبقات العاملة والمتوسطة، في واحدة من أكثر مدن العالم رأسمالية.

***

فتحت هذه الانتصارات شهية الاشتراكيين الأميركيين لخوض سباق الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028. وصرح ممداني، الذي لا يحق له الترشح للرئاسة لكونه مولودًا خارج الولايات المتحدة، بضرورة دخول مرشح أو مرشحة اشتراكية ديموقراطية سباق الانتخابات الرئاسية.

إقرأ على موقع 180  المصير البائس للإنتفاضة السودانية

ومن المرجح أن يكون للحراك الاشتراكي تأثير كبير في سباق عام 2028، ولا سيما مع كثرة التسريبات التي تشير إلى رغبة النائبة أوكاسيو-كورتيز في الترشح.

ويخشى بعض الاشتراكيين من خسارة قدرتهم على تغيير أجندة الحزب الديموقراطي عبر نفوذهم في تعبئة الناخبين الشباب وأبناء الطبقات العاملة، الذين قد لا يصوتون لأي من الحزبين التقليديين. وفي الوقت ذاته، يرى آخرون أن قوة التيار الاشتراكي المتنامية قد تمنح الجمهوريين وسيلة هجومية في الولايات المتأرجحة للتحذير من هذا التيار والترهيب منه، كما فعل الديموقراطيون أنفسهم ضد ترشح ساندرز في عامي 2016 و2020.

وبعيدًا عما قد يحدث في انتخابات عام 2028، فقد نجح الاشتراكيون بالفعل في إطلاق عملية إعادة تشكيل للحزب الديموقراطي من الداخل، إذ وجدت العديد من الأفكار الاشتراكية الأميركية طريقها إلى الحياة، بعدما تصور كثيرون أنها دُفنت إلى الأبد قبل أعوام قليلة.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
محمد المنشاوي

كاتب متخصص في الشؤون الأميركية، مقيم في واشنطن

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  "مباط عال": هكذا يُستقبل شي.. وقبله بايدن في السعودية