الشرق الأوسط.. نهاية قرن وبداية جغرافيا جديدة!

في تموز/يوليو 2006 وبينما كانت الحرب الإسرائيلية على لبنان في أوجها أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية كوندليزا رايس أن ما تشهده المنطقة ليس سوى "مخاض ولادة شرق أوسط جديد". يومها انصب النقاش على شكل هذا الشرق الأوسط الجديد. لم يتوقف أحد عند احتمال أن يكون ذلك الإعلان إيذانًا بانتهاء صلاحية مفهوم الشرق الأوسط نفسه.

بعد نحو عقدين من ذلك التصريح لا تبدو المنطقة وكأنها تتجه فعلاً نحو “شرق أوسط جديد” بقدر ما تشهد انهيار الإطار الجيوسياسي الذي حكمها طوال قرن كامل. فالتحولات السريعة التي تشهدها المنطقة تدفع إلى إعادة النظر في المفاهيم التي نقرأ بها الواقع. وربما إلى استعادة مفهوم أقدم هو “الشرق الأدنى” أو إلى الإقرار بأننا أمام ولادة مفهوم جيوسياسي جديد يعكس خرائط النفوذ الإقليمي التي تتشكل اليوم.

ليست الأسماء في الجغرافيا السياسية مجرد مصطلحات أكاديمية باردة في الكتب والمراجع. هي انعكاس لموازين القوى التي تنتجها الحروب وتكرسها الاتفاقيات وتحميها المصالح والإمبراطوريات، وحين تتبدل الخرائط تتبدل اللغة التي نصف بها العالم.

تتسارع الأحداث في كل من سوريا ولبنان والعراق. عودة تركية واسعة إلى المجال العربي من بوابة بلاد الشام. احتدام التنافس على المضائق البحرية والممرات التجارية. صعود لافت للانتباه للهضبة الإيرانية كلاعب جيوسياسي مستقل بالرغم من الحرب بين إيران والولايات المتحدة لم تطوِ آخر فصولها. جميعها مؤشرات تدفع إلى مراجعة المفاهيم التي حكمت قراءة المنطقة طوال القرن الماضي.

لم يعد السؤال: كيف يتغير الشرق الأوسط؟ بل أصبح: هل انتهى عصر الشرق الأوسط الذي عرفناه لنعود إلى مفهوم أقدم هو “الشرق الأدنى”؟ أم أننا أمام ولادة مفهوم جيوسياسي جديد يعكس نظاماً إقليمياً مختلفاً؟

من أجل محاولة فهم هذه اللحظة لا بد أولاً من العودة إلى التاريخ. لأن المفاهيم السياسية لا تولد صدفة، بل تولد عندما تحتاج القوى الكبرى إلى وصف المجال الذي تدير فيه مصالحها.

ظهر مصطلح “الشرق الأدنى” في الأدبيات الأوروبية خلال القرن التاسع عشر. تحديداً في أرشيف الدبلوماسية البريطانية والفرنسية لوصف الأراضي التابعة للدولة العثمانية والقريبة من أوروبا. كان يشير بالأساس إلى دول البلقان والأناضول وبلاد الشام ومصر وأحياناً العراق. وارتبط بما عُرف بـ”المسألة الشرقية”، أي مستقبل الدولة العثمانية وتقاسم إرثها بين الإمبراطوريات الأوروبية. كان الشرق الأدنى فضاءً عثمانياً بامتياز. تدور فيه المنافسة بين لندن وباريس وسانت بطرسبورغ وبرلين. وكانت تُقرأ المساحة كوحدة سياسية متصلة مركزها إسطنبول وتتحكم بها الجغرافيا الأناضولية أكثر من العواصم العربية.

في مطلع القرن العشرين بدأ يظهر مصطلح الشرق الأوسط. يُنسب أول استخدام سياسي واسع له إلى الضابط والمنظّر البحري الأميركي ألفريد ثايير مهان عام 1902 حين تحدث عن المنطقة الممتدة بين الهند والخليج كعقدة استراتيجية لحماية طرق التجارة البريطانية نحو آسيا. تبنت بريطانيا هذا المفهوم. ثم أصبح بعد الحرب العالمية الثانية مصطلحاً رسمياً في أدبيات دول عديدة (ثمة مفارقة ان وزارة الخارجية الفرنسية ما تزال الى يومنا هذا تتداول مصطلحي المسألة الشرقية والشرق الأدنى!).

ومع انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى وتوقيع اتفاقية سايكس-بيكو وقيام نظام الانتداب (الإنكليزي والفرنسي في منطقتنا)، ثم قيام الدول الوطنية العربية أصبح “الشرق الأوسط” هو الإطار السياسي الجديد الذي ثبتته نتائج الحرب العالمية الثانية. لم يكن التغيير لغوياً فحسب. بل كان إعلاناً عن انتقال مركز الثقل من إسطنبول إلى منظومة جديدة رسمتها القوى المنتصرة وأنتجت حدوداً ودولاً وهويات سياسية ومصالح اقتصادية ما زال بعضها قائما حتى اليوم. هذه المنظومة التي استمرت قرابة قرن من الزمن، تبدو اليوم وكأنها تدخل مرحلتها الأخيرة. فـ”الشرق الأوسط” الذي تشكل بعد عام 1918 قام على افتراضات وجود دول قومية مستقرة وحدود ثابتة ومراكز قوة معروفة في بلاد الشام والعراق تحديدا.. إلا أن معظم هذه الافتراضات تعرضت للاهتزاز في أعقاب الغزو العراقي للكويت.

في سوريا لم يعد الصراع مجرد حرب أهلية. أصبحت ساحة للنفوذ التركي والأميركي والإيراني والروسي والإسرائيلي. في لبنان تحولت الأزمة من إعادة الاندماج في العالم العربي إلى أزمة موقع داخل شبكة إقليمية جديدة عنوانها الطاقة.. أما العراق فأصبح نقطة التقاء بين المشروعين الإيراني والاميركي. ساحات تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي والموارد والجغرافيا والديموغرافيا..

في هذا السياق يعود مفهوم الشرق الأدنى إلى الواجهة. لذا، يتطلب فهم التحولات في سوريا ولبنان والعراق النظر شمالاً إلى أنقرة حيث تتحرك تركيا اليوم باعتبارها وريثة جغرافيا كانت حتى عام 1918 تشكل المركز السياسي والإداري للمنطقة. سياساتها في شمال سوريا وحضورها في العراق واهتمامها بشرق المتوسط تعكس رؤية تتجاوز حدود الجمهورية التركية نحو المجال الذي كان يُعرف بالشرق الأدنى. يمكن تتبع تحركات السفير الأميركي في انقرة توم براك. هذا المطور العقاري ما انفك عن الدعوة الى عصر جديد يعيد لم شمل الشرق الأدنى من بوابة تركيا الأطلسية. لا يعني ذلك إعادة إنتاج الدولة العثمانية. بل أن الجغرافيا التي صنعت النفوذ العثماني لم تختف. هي بقيت تفرض نفسها على حسابات الأمن القومي التركي مهما تغيرت السياسات. تتناغم رؤية براك مع حاجة تركيا ودول الخليج العربي إلى تقديم نموذج اقتصادي وسياسي عراقي وسوري ولبناني يُحرر هذا المثلث من النفوذ الإيراني أولاً ومن التمدد الإسرائيلي ثانياً..

إقرأ على موقع 180  من زمن القطبين.. و"البونسيانا" إلى "العصر التريليوني"

في الوقت نفسه، يُدرك الخليج العربي أن من يُسيطر على الهضبة الإيرانية يمتلك إشرافاً طبيعياً على الخليج ومضيق هرمز. فقد ظل الموقع الإيراني عاملاً ثابتاً في معادلات القوة. بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي في طهران. إعادة رسم النفوذ في الخليج ترتبط بموقع إيران داخل النظام الإقليمي الجديد. كما أن إعادة ترتيب بلاد الشام ترتبط بموقع تركيا. وهو ما يعيدنا إلى منطق “الشرق الأدنى” عندما كانت الهضبة الأناضولية والهضبة الإيرانية محورين رئيسيين في التحكم بديناميات المنطقة.

الخطأ الأكبر اليوم هو الإصرار على قراءة التحولات الجديدة بأدوات فكرية صيغت قبل قرن من الزمن. فكما انتهى مفهوم “الشرق الأدنى” مع انهيار الدولة العثمانية، قد يكون مفهوم الشرق الأوسط الذي ولد مع سايكس-بيكو يقترب من نهايته. إسرائيل أصبحت لاعباً بنيوياً. دول الخليج صارت مراكز مالية وتقنية تحتل موقعاً متقدماً عالمياً. إيران اكتسبت أدوات نفوذ عابرة للحدود. تركيا أعادت تعريف دورها. والقوى الدولية تتعامل مع المنطقة كعقدة للممرات الاقتصادية وسلاسل الإمداد والطاقة لا كساحة صراع عسكري فقط.

قد لا يكون العالم أمام عودة حتمية إلى “الشرق الأدنى”. ربما نحن أمام ولادة مفهوم جيوسياسي ثالث لم تتبلور ملامحه بعد. مفهوم يقوم على شبكة من الممرات البحرية والبرية وسلاسل التوريد والطاقة والذكاء الاصطناعي وخرائط الدرونات (نسبة الى الدرون) وليس فقط على الحدود التقليدية. حين يكتمل هذا التحول قد يدرك المؤرخون أن ما يحدث اليوم أقرب ما يكون الى لحظة انتقال تاريخية تشبه ما أعقب انهيار الدولة العثمانية قبل أكثر من قرن. فالخرائط لا تتغير فجأة. تبدأ بتغير اللغة التي نصف بها العالم. ثم تتبعها السياسة. ثم تلحق بها الجغرافيا.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
طارق زيدان

كاتب سعودي

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  حين يتحوّل نفط فنزويلا إلى إغراء سهل.. ومضيق هرمز إلى مأزق استراتيجي