عن الأرض والشعب المختار.. في الإسلام والتوراة؟

إشكالية الأرض والشعب المختار لم تكن لتنوجد إلا مع انبثاق الشعوب والأمم فهل تعاملوا معها بوعي ومسؤولية وترجمة لإرادة الله أم بأنانية مفرطة أبرزت سطوة الميل البشري إلى التمايز وصولاً إلى تسيد الكون وما فيه كشكل من أشكال حب التملك والإخضاع وصولاً إلى التشفي والانتقام، وإن كان ذلك على حساب القيم والمفاهيم التي يتباهى بحملها في دوغمائية كافرة؟ في هذا النص نستعرض بإيجاز لما في التوراة العبرية ولما في الإسلام لنتلمّس سياقات هذه الإشكالية وما أفرزته.

في التوراة العبرية ربطاً بالمكان ليست القصة محصورة بما جرى مع نوح وإبراهيم وقبلهما مع آدم وحواء كون التركيز على الأرض كمستقر لبشر لهم دور وعلهيم مسؤوليات ومن أهمها التعارف والتشارك الفاعل الذي ينقل الإنسان من حيّز التجمع بلا فعالية إلى حيز المجتمع بكل ما يصخب من مشاعر ومواقف ومحطات فردية وجماعية تترجم من خلالها نسبة إعادة تشكيل الوعي وتجديد بنية معرفية منفتحة تتجاوب مع كل التحديات وتستطيع هضم كل الإشكالات بلا تسطيح وتهاون.

على ما في المزامير: «للربّ الأرض وملؤها، المسكونة وكلّ الساكنين فيها». بحسب سفر التكوين، خلق الله الأرض كي تكون مسكناً للبشر جميعاً، وأراد أن يشترك الإنسان في حسن إدراتها والتناغم معها.

تتطور القضية مع إبراهيم وذريته وتحديداً بما يسمى أرض كنعان حيث يهاجر إبراهيم هجرة جسدية بغاية معرفية تلتقي على اكتشاف الآخر والتعاون معه على أساس محبة الآخر والتضحية بالأنانية البغيضة كون الأرض مساحة واسعة كي يتشارك الجميع في خيراتها وكي يكتب الجميع فيها فعله الذي يرفع من شأن الجميع وتقاس أهمية هذا الفعل بمدى خدمته لجوهر أساسي ألا وهو إقامة العدل وإحقاق الحق حيث يشكل ذلك لب العقيدة وجوهر الرسالات وغاياتها القصوى.

لم يَعِدْ الله أحداً بمكان خاص به يتوارثه ونسله بل الوعد يتضمن دفعاً نحو اختبار إيماني ركيزته الوعي لوظيفة الإنسان في استثماره الحي والإيجابي للأمكنة من أجل تثبيت المعادلة الإلهية في نشر العدل والمساواة ورفع مستوى الوعي لدى الناس وخدمتهم بإخلاص فالقضية في تخصيص الله للبعض بأرض في الخطاب الإلهي ليس امتيازاً شأنياً خاصاً يدفع نحو التكبر والاستغلال والاستعباد وإلغاء الآخر جسدياً ومعنوياً كما حال القصة مع بني إسرائيل والخروج من مصر والعودة إلى أرض كنعان وتوظيفاتها الإيديولوجية والسياسية لاحقا، فالأرض الموعودة لم تكن ولن تكون يوماً ملكاً لأحد فإن ملكها الحقيقي لله، إذ “للربّ الأرض وملؤها”.

بل هي – الأرض – ساحة اختبار لحرية الإنسان وتحرره من قيود الهوى والأنانية نحو فضاءات التلاقي والوحدة الإنسانية العامة، فهل نجح الإنسان فعلاً في هذا الاختبار؟

ولمّا لم يقم بنو إسرائيل تاريخياً بما عليهم وانصرف قادتهم وملوكهم عن إقامة العدل بين الناس حصل ما حصل من خراب وسبي قد أصابهم (مملكة الشمال على يد الآشوريّين (721 ق.م.)، وسبي مملكة الجنوب إلى بابل (587)).

هذا الخراب والسبي ليسا محطة عابرة في الزمن بل نتيجة لابتعاد بني إسرائيل عن تخلقهم بأخلاق الله التي من بينها التواضع والحكمة والمحبة والعدل والرحمة هذه المفردات التي منها يُعرف تأثير الفرد والجماعة وحجم وعيهما ونشاطهما في اقتحام زمن الله الخالد الذي يأبى كل أشكال الرجعية والتخلف والاستغراق في الماديات والأهواء المنحرفة والعصبيات القبلية والحزبية والدينية التي تسلخ عن الناس كل قيمة ومعنى وتكبلهم في مستنقعات من الموت اليومي.

نقرأ في كتاب إرمياء مثلاً:

«ها أيّام تأتي، يقول الربّ، وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً. ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر، حين نقضوا عهدي فرفضتهم، يقول الرب: بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيّام، يقول الربّ: أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً. ولا يعلّمون بعد كلّ واحد صاحبه، وكلّ واحد أخاه، قائلين: اعرفوا الربّ، لأنهم كلّهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الربّ: لأنّي أصفح عن إثمهم، ولا أذكر خطيئتهم بعد».

هذا النص دعوة إلى الانخراط في اختبار الله بمسؤولية ووعي وإصلاح بين الناس وأن الناس متنوعون وأن هذا التنوع مدعاة غنى للبشرية ولا يجوز أن يكون مصدر نزاعات وحروب إلغائية وإقصائية، وفيه تصريح بمجيء شعوب أخرى غير بني إسرائيل وأن وجودها بذاته هو تعبير عن هذا التنوع البشري الذي لا بد أن يقوم ويهدف إلى تكريس العدل والتعاون والتشارك في كل وجوه البر والخير فلم يعد للمكان خصوصية بل كل الخصوصية للفعل البشري النافع والواعي لحركته في الحياة.

من هنا لم يعد لأرض الميعاد ولاستغلال الفكرة من أهمية لأن شريعة الله تتسع للجميع كما أرضه تتسع.

فكرة الشعب المختارلدى الجميع قد يستغلها أصحابها من أجل الغطرسة والسيطرة وحب التملك والانتقام على أساس بشع كما مع ما يسمى بدولة إسرائيل الحالية التي لا تتقبل حتى الانتقاد مهما كان ومن أية جهة بناءً على الشعور القومي القائم على فكرة الشعب المختار من الله الذي هو شكّل بتلاعبهم امتيازاً حصرياً للتسيد على العالم لا بل التلاعب بمصير الشعوب وهضم حقوقها.

لم يعد مفهوم اختيار بني إسرائيل دينياً وعملياً امتيازاً وتفضيلاً لنوعهم على غيرهم، بل أضحى صوتاً صارخاً لاستقامة واعية تعبر عن فعل إنساني أصيل على مستوى الانتماء القيمي والأخلاقي.

ففكرة الاختيار لم تكن في لحظة من اللحظات إلا تعبير صادق عن إرادة إلهية داعية إلى بناء دولة الإنسان والتعارف بين الناس والتحاور وإلغاء كل عصبية وتحطيم كل جهل وتخلف ومواجهة كل باطل وانحراف هذا ما في التوراة الحقيقية التي هي في تجلياتها انعكاس للدعوة إلى الرحمة والمحبة لا إلى القتل والتدمير وتهجير الشعوب واقتلاعها من أرضها وإلى سفك الدماء والظلم والعدوان على الحقوق والكرامات.

يا ترى ما يفعله المشروع الصهيوني ينسجم مع الشعب المختار ومفهومه الحقيقي الذي يتلطى هذا الكيان تحت شعاره؟ أم أن هذا الكيان قد انقلب على الله وعلى كل المفاهيم الحقة وأساء إلى البشرية ككل بهمجيته؟

إقرأ على موقع 180  وعيُنا لا ينفصل عن تاريخِنا.. وإلا مجرد "كلامولوجيا"!

في مقابل ما في التوراة نجد في الإسلام مزيداً من التأكيد على معايير التفضيل والاختيار التي تهدف في محصلتها إلى التمسك بالحق وإبطال كل باطل فمن يتمسك بالحق ويسلك في سبيله مهما كانت التحديات ومن يواجه الباطل والفساد والحرمان هو من يختاره الله كي يتبوأ الموقع القيادي لحركة الحياة فالاختيار إذ ذاك هو مزيد من تحمل المسؤولية ولعب الدور بإبداع وفعالية فيضحي تكليفاً وليس امتيازا ًيشعر صاحبه معه بانتفاخ الشخصية والتكبر والاستعلاء فهذا خُلْف إرادة الله.

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: الآية 70).

بداية الاختيار النوعي للبشر في أصل الخليقة في مقابل بقية المخلوقات غير العاقلة أي في الدائرة الإنسانية الواحدة، هذا النوع المختار جعل الله فيه كل القابليات التي تحتاجها الحياة في توازنها في كل ساحاتها المتنوعة.

هذا ما يلفت النظر إليه المرجع السيد محمد حسين فضل الله بقوله:

“هذا النوع ما فيه من مميزات ومؤهلات إنسانية من عقل وعلم وقدرة تتحرك في مجالات النمو والإبداع، فالإنسان وما فيه كنوع هو سيد الأرض وحامل الرسالة ومستودع علم الله الذي يريد للإنسان أن يحمله، وخليفته في إدارة النظام الكوني بالمقدار الذي يستطيع معه أن يستوعب أسراره، ويملك حركته فهذه الخصائص الجديدة يطورها الإنسان من خلال اكتساب خصائص أخرى، تضيف إلى عقله عقلاً جديداً وإلى علمه علماً منفتحاً وإلى حركته في الواقع قوة جديدة..” (تفسير من وحي القرآن).

الأساس الثاني كذلك في الدائرة الإنسانية العامة في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13). ففي هذه الدائرة نرى ضرورة العمل على التكامل والتعارف الإنساني والإفادة من كل الخبرات والتنوع المعرفي في سبيل خدمة الناس والحياة فالاختيار والتفضيل هو ما يتمتع به كل فرد من تقوى نفسانية أصيلة تنفتح على الدور والمسؤوليات فليست القضية في اختيار شعب أو جماعة على أساس خصوصية عرقية أو دينية أو ثقافية أو ذاتية بل اختيار الجماعة التي تحمل شعار التقوى وتطبقه في الحياة فتدفع نحو إحقاق الحق وإقامة العدل ونشر الفضيلة ومقاومة الأنانيات والعصبيات.

أما الأساس الآخر في القرآن ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143).

فمعنى الوسطية -كما يوضح السيد فضل الله – في تفسيره هو في مقدارما يستعمله الناس من قدرات تجعلهم في الموقع الأرقى في قيادة المجتمع وتوجيه حركة الحياة من خلال قيامهم بدورهم في إحداث التوازن المطلوب في المجتمعات وبين الناس في كل أوضاعهم وعلاقاتهم على قاعدة الحق والعدل في الموقف والشعور والحركة..

وهناك معيار آخر أشار إليه القرآن وحضّ عليه ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110).

هنا الاختيار للمسلمين وغير المسلمين من كل الجماعات يكون في مدى الالتزام بفريضة الأمر بالعروف والنهي عن المنكر كوجه بارز من وجوه الإيمان والتوحيد العملي المنفتح على الوجود كله فالتمايز والتفاضل بين الأمم هو في سعيها العملي والسلوكي في إقامة المعروف وتأكيده في كل الأوضاع والعلاقات العامة والخاصة وفي كل الميادين الحياتية اليومية فالمعروف هو البر والخير والحق والعدل والمساواة سمه ما شئت كذلك النهي عن المنكر هو موقف والتزام وحركة في مواجهة كل أشكال الجهل والتخلف والظلم والعدوان والانحراف السياسي والأخلاقي.

لذا فالتمايز بين الأمم والجماعات هو أيضاً في الإيمان الحقيقي بالله الدافع نحو الوعي والانفتاح على المسؤوليات فلا تمايز ولا أفضلية لأحد من مسلمين وغير مسلمين سوى في تصديهم الفعلي والقيادي لجهة إقامة الفضيلة والعدل والخير في ربوع الحياة، فليس الاختيار امتيازاً لأحد فمن لم يُقم العدل والخير ويسعى إليهما فلا فضل له ولا نفع فيه.

من نافلة القول أيضاً أن القرآن يشير أيضاً إلى ما كان من اختيار وتفضيل لبني إسرائيل على أساس ما آتاهم الله من كثرة النعم والمعجزات والأنبياء والكتب ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 47). مع ذلك لم يقم بنو إسرائيل بما عليهم فهنا وكأن الآية تتضمن معنى التوبيخ والتقريع لهم لأنهم ابتعدوا عن الاستقامة وخالفوا إرادة الله فلم يستفيدوا من كل ما آتوه كي يكونوا في موقع الريادة والانخراط في مشروع الله والتماهي الفاعل والإيجابي مع كلماته فسلبوا عن أنفسهم هذا التفضيل وأفرغوه من مضمونه فسقطوا من عين الله..

خاتمة؛ كل من يفتح نافذة على الحق والعدل والخير هو المعني الأول والأخير بقضية اختيار الله له كي يكون في الموقع الريادي في توجيه حركة الحياة بما يلزم، وهو المعني الأول والأخير بتفضيل الله له لجهة ما يقوم به على مستوى الوجود كله وليس حصراً في بقعة جغرافية محددة.

إن الله لا يحابي أحداً فهو حاشاه ليس على شاكلة البشر الذين يتوهمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، فمن يحبه الله ويختاره هو من يحيا في درب الاستقامة والعدل والخير في كل شيء.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

باحث وكاتب، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  رسالة إسرائيلية للبنان عبر باريس: إذا إندلعت الحرب هذه أهدافنا!