“المطاوعات” اللبنانيَّة في واشنطن

سقطت ورقة التين الأخيرة. تأكَّدت سَوْأة المفاوضات أكثر من أيِّ وقتٍ قريب مضى. الميثولوجيا الدِينَويَّة عن تناول آدم وحوَّاء من ثمار الشجرة المحرَّمة تحوَّلت إلى ميثولوجيا سياسية، تحققت عمليَّاً إذِْ تناولتِ السلطة من ثمار الشجرة الوطنيةِ التي لا تراها محرَّمة. أوْقعتْ نفسها في الخطيئةِ التي دبَّرتها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي. اخترعا "هدنةً مؤقَّتةً" جديدة تنتهي في آخر حزيران/يونيو المقبل، وتحمل في طيَّاتها كلَّ عوامل استمرار العدوان. السقف الزمني في حدِّ ذاتِهِ شُبهة كبيرة.

يبدو واضحاً أنَّ السلطة لا تريد أن تتعلَّم من التجارب السابقة. ما زالت تهرب إلى الأمام وتتحدَّثُ عن إنهاء “حالة الحرب”، وكأنَّ في يديها أوراقاً قويَّة تفاوض على أساسها فيما هي تجاهلت خصائص الوضع اللبناني، وأشاحت بعينيها عن معنى “الجنوبِ” اللبناني سياسياً ووطنيَّاً، وسلَّمت أمام واشنطن وربيبتها “إسرائيل” بأنَّ المشكلة هي سلاح المقاومة، وكيفية نزعه، لا الاحتلال نفسه.

اِسْتِعراءُ السلطة في ما يسمَّى “المفاوضات” المرتقَبِ استئنافها في الأيام المقبلة، حوَّلها إلى “مطاوعات”. لم يبقَ فيها شيءٌ إلا إملاءات المعنى الأميركي – الإسرائيلي، والمُطاوعة اللبنانية الرسميَّة. مواقف الخارجيّة الأميركية تؤكِّدُ ذلك. يظهر هذا الأمرُ في مثلَّثٍ خطير يتكوَّنُ من:

  • اتساع الغموض المتعمَّد في مفهوم وقف إطلاق النار المنسوف أصلاً بمزاعمِ ما يُسمَّى “حقّ إسرائيل في الدفاع عن النفس وحريَّة الحركة”. كلمات هُلاميَّة فضفاضة تقدِّم ورقة رابحة للعدوِّ الإسرائيلي، تعطيه حرية التفسير لا حرية الحركة فحسبُ وتجعله يبتزُّ لبنان بتغطية أميركية أعلنت عنها مراراً- وبوضوح حرفي- بيانات الخارجية والبيت الأبيض.. سكتت السلطة.
  • تصاعُد التشديد على نزع سلاح المقاومة، وتصويرها بأنها خارجة على القانون. وهنا نطقت السلطة ولم تسكت بل قدَّمت هذه الورقة قبل جلسات “المطاوعات”.
  • الضبابية المشينة في قضية مطلب الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، واختراع نظرية الانسحاب على مراحل طويلة، وإغفال خطورة الدعوة إلى إعادة ترسيم الحدود.. سكتت السلطة أيضاً.

هذا المثلث الأسود هو الذي سيحكم مستقبل لبنان القريب. كان لدينا أملٌ فقلنا إنَّ السلطة وقعت في الخطأْ. أمَّا اليوم فنقول إنَّ السلطةَ تعمَّدَتْ فوقعت في الخطيئة. وإذا كان ممكناً أنْ يأتي إلى مائدة “المفاوضات” عَدُوَّانِ أو أكثر، كما هو معروف في تاريخ الحروب والصراعات، فإنه من غير الطبيعي أن يأتوا إلى مائدةٍ نصفها خِوان. فارغة إلَّا من مصلحة طرفٍ واحدٍ يأكلُ ما ارتضى الآخرونَ أنْ يُحضِّروهُ له بناءً على طلبه فيما هم يتَلَمَّظـُّون ويسْتبْلِعُون. هكذا اختارت السلطة عندنا أن تكون منذ بداية ما سمِّي “مفاوضات” في الرابعَ عشرَ من نيسان/أبريل الماضي وصولاً إلى ما هو منتظرٌ في الاجتماع العسكري في البنتاغون المخططِ له في التاسع والعشرين من أيار/مايو الجاري ثم إلى جلسة “مطاوعات” سياسية جديدة في الثاني والثالث من حزيران/يونيو المقبل.

الأمر المريب جدَّاً في هذا المناخ، هو الحديث عن “تنسيقٍ عسكري لبناني-إسرائيلي” بخصوص الوضع في الجنوب خاصةً وفي لبنان عامّةً. ما هو هذا التنسيق وهل تجري في الخفاء اتفاقاتٌ تخشى السلطة أن تعلنها، فتتركها لتظهر تباعاً بوصفها أمراً واقعاً؟ وهل تريد السلطة من اللبنانيين، ولا سيَّما من الجنوبيين، أن يتكيّفوا معَ الاحتلال تحت أوهام القول لاحقاً إنَّ التنسيق يخدم تحقيق وقف إطلاق النار؟

حقُّ اللبنانيين، وفي طليعتهم أبناء الجنوب، أن يتشككوا في هذه المسألة تشكُّكاً كبيراً. وهم يعرفون أنَّ الاحتلال الإسرائيلي لا يحترم المواثيق والتعهُدات، حتى لو ادَّعى بالموافقة عليها. وما زالت في الذاكرة قضية القرار 425 (تاريخ 1978) الذي لم تنفِّذْه “إسرائيل” إلَّا بعد 22عاماً بفعل المقاومة، فكيف يمكن الوثوق اليوم بهدنة مقطوعة الرأس سلفاً بخمسة وأربعين يوماً؟

هذه المعطيات تكشف أنَّ “الهدنة الجديدة” ليست أكثر من غطاءٍ، ومدةٍ إضافيةٍ، اكتسبَها العدوُّ الإسرائيلي ليستمرَّ في عدوانه، وليواصل مخططه في تدمير قرى الجنوب، وليُوسِّعَ نطاق جرائم الاغتيال في أي منطقة لبنانية، وليتابع التحريض على الانقسام الداخلي الذي بلغ للأسف الشديد أخطر الدرجات. أمَّا في جانب السلطة فقد استفادت دعائيَّاً، وبصورة مؤقتة، ممَّا يسمَّى الهدنة للقول بأنها حقَّقت إنجازاتٍ. هذه الاستفادة لا تعفيها من المسؤولية الآتية عندما يزداد انزلاق لبنان نحو أوهام السلام، أو عندما تتواصل الغارات الإسرائيلية على الجنوب وغيره.

ربَّما لا ترغب السلطة في أن تدرك أنَّ لبنان يحتاج إلى حوارٍ داخلي أكثر من أيِّ دولة عربية عندما يتعلَّق الأمر بمواجهة العدوِّ الإسرائيلي. ثمَّ إنَّ السلطة ما زالت تتوهَّم أنها تستطيع فصل لبنان عن الوضع الإقليمي ـ الدولي في المنطقة، بينما لو أخذت هذه النقطة بالحُسبان لكانت تمتَّعت بشيءٍ من الحنكة، ولكان ذلك في مصلحة لبنان، إذْ إنَّ كلَّ ما يجري الآن سيتأثر سلباً أو إيجاباً بالمفاوضات الأميركية – الإيرانية عبر باكستان والدورين الروسي والصيني، سواء اِقتنعتِ السلطة بذلك أم لا.

أيامُنا المقبلة في لبنان صعبة، والهُدنة لعبة جديدة، لكنَّ التاريخ يُثبتُ أن استمرار الاحتلال بأشكاله المختلفة سيُنتج حتماً مقاومة بأشكالٍ مختلفة، فأين الهرب من التاريخ؟

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  عندما يُصبح الفن شريكاً في الجريمة
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  في جنوب لبنان.. FPV أخطر من الترسانة الإسرائيلية!