بالطبع، أخبار وتفسير الأحداث مهمة، وإن كانت مواقع الإنترنت قد باتت المصدر الأساسي للأخبار التي تصل إلى المهتمين (وغير المهتمين) بطريقة «بوش» (Push). فإما أن يقرأها حامل الهاتف أو يتجاهلها، خصوصاً إذا كانت تروي ما لا يحب معرفته. ويسمى هذا النوع من المتابعين «النعامة»، فهو يدفن رأسه في ما يحب، ولا يريد أن يسمع أو يقرأ أو يرى ما لا يحبّذ.
أما التعليقات ومقالات الرأي في صحافتنا العربية، فهي تنقسم (بنظري) إلى ثلاث فئات، وقد صنفتها بأسماء خفيفة ظريفة لا تحمل أي إساءة، بل تدل فقط على منظور الكاتب إلى الأحداث:
- الثائر المُلَوَّع.
- المُطَبِّع الناعم.
- المردِّد لما يعرفه الجميع.
قبل الدخول في تحليل الفئات الثلاث، لنضع سؤالين أمام الكتبة فيها: لمن تكتبون؟ لمن تتوجهون؟ من هو المتلقي لما تكتبونه؟ وما أفق هذه الكتابات؟
الجواب سهل: يخاطبون أبناء جلدتهم، إخوانهم وشركاءهم في العروبة.
الثائر المُلَوَّع يشارك إخوانه ومواطنيه همومهم، ويصف بالتفصيل ما يصيبهم، ويوضح لهم مكامن الألم، ويشير إلى مسبّب هذه الآلام، رغم أنه يعرف تمام المعرفة أنهم يدركون من يقف وراء مصائبهم.
إذاً، دوره القيام بنوع من «العلاج الجماعي» (Group Therapy): يفشّ خلقه وخلق قرائه، برغم أن الحلول ساكنة في عقولهم؛ فالجميع يدرك أين الخلل، ومن هو المسبّب، وكيف يدير هذه المآسي، وفي كثير من الأحيان يعرف.. القَصر، عنوان إقامته.
أما المُطبّع الناعم، فيبني «رأسماله الكتابي» على أفكار جديدة تقشعرّ منها أبدان قرائه، لكنه يربطهم بخيط الوعود وتزيين المستقبل وإعطاء أمثلة (تقود أي طفل إلى الضحك)، كأن يعد بأن تصبح أحوال الطرق في القرى مثل طرق سويسرا، أو يعد، متوجهاً إلى الساعين لكسب الرزق في الشوارع، الذين يمدّون أيديهم عبر شبابيك السيارات الفاخرة (وغير الفاخرة)، بأن حقوق الإنسان يجب أن تُطبَّق، ويعطي أمثلة من فنلندا، حيث للحيوانات أيضاً حقوق!
المُردِّد لما يعرفه الجميع يختلف كثيراً عن الثائر المُلَوَّع. فهو لا يسعى إلى ترداد ما يحزّ في قلوب قرائه، ولكنه يشير إلى الفاعل:
إسرائيل، وأميركا، والغرب، وماكدونالدز، وهوليوود، والاستعمار، والسادات، والبترودولار، والرقميات، وسوروس، ومارك زوكربيرغ، وفيسبوك، وإيلون ماسك… ومؤخراً دونالد ترامب.
ولكن إذا أجبرت «ظروف الحياة» الكاتب على تغيير «موقعه» لكسب لقمة العيش، يشير إلى فاعلين من الضفة الأخرى:
روسيا، والأسد، وشافيز، ويعود إلى صدام واليسار العالمي، وحتى الـNGOs ومنظمات اليونسكو، إلخ..
الإشارة إلى الفاعل والمسبّب لا تحل أي أزمة لإخوانه العرب، ولا تسد رمق الفقراء أو جوعهم؛ فقط تشير لهم إلى أن عليهم أن «يعرفوا» المسبّب، ويُعتبر ذلك مثل حساء مسائي يسكّن الألم والجوع.
هذا الثلاثي الممسك بتلابيب القراء لم يعطِ حتى الآن إجابة عن السؤال الأساسي: لماذا يكتب، ولمن يكتب؟ وما الهدف الذي يريد بلوغه؟
هل تصل كتاباتهم إلى الغرب المؤثر في السياسة العالمية؟ هل تصل إلى دائرة بوتين المقرّبة؟ هل يتناولها مستشارو شي جين بينغ في الصين؟ بالطبع لا. وحتى إن وصلت، فهل ستؤثر فعلاً في طريقة تفكير ترامب أو ماكرون أو بوتين أو شي جين بينغ، أم ستبدو لهم مجرد خطاب عربي موجّه إلى ذاته؟
حتى الأمم المتحدة، بكافة فروعها، برغم أنها انفتحت مؤخراً على تعيين موظفين إما من أصول عربية أو يجيدون لغة الضاد، لا تضيع وقتها في قراءة هذا الثلاثي. أضف إلى ذلك أن «أعراض سقوط دبلوماسي العالم الثالث» باتت معروفة. خلاصتها: ما إن يُنتدب موظف لوظيفة في إدارة دولية، حتى يتحول دماغه ليصبح، في أغلب الأحيان، غربي الميول، فلا يقرأ الصحافة العربية إلا بعيون غربية. وفي العديد من الأحيان، حين تنتهي مهمته، لا يرغب في العودة إلى بلده، بعدما يكون أولاده قد انسجموا واندمجوا في تلك المجتمعات: سويسرا، باريس، نيويورك، وبروكسل!
في النهاية، متى يتوجه الكتبة إلى العقل الغربي، وإلى مجتمعات الدول التي تُبدي قدراً من التأييد للقضايا العربية، مخاطبين إياها بلغاتها ومن داخل فضائها الثقافي والإعلامي؟ البرازيل تؤيد العرب وفلسطين؛ فمن يكتب بالبرتغالية؟ سلوفينيا، ما لغتها؟ من يتكلم ويخاطب فنلندا أو يتحدث إلى السويديين بلغتهم؟ جنوب أفريقيا مع فلسطين، وإيرلندا مع فلسطين؛ وهؤلاء «تلزمهم» اللغة الإنكليزية.
وهنا يصبح السؤال: هل تقوم بعض القنوات العربية الناطقة بالإنكليزية بهذه المهمة فعلاً، أي مخاطبة الآخر والتأثير في تصوّراته، أم أنها سقطت بدورها في «الوعاء الغربي»، وصارت تنظر إلى قضايانا من داخله؟ أم أنها ما تزال تبحث عن طيب الذكر إدوارد سعيد كي تعيد قراءة كتابه «الاستشراق»؟
(*) بالتزامن مع “أخباربووم“
