“تحلل هذه المقالة سؤالين ونتائجهما، كانا جزءًا من هذا الاستطلاع ويتعلقان بالموقف الإسرائيلي من الناخب والمرشح الفلسطيني في الانتخابات الإسرائيلية. السؤال الأول: هل يحقّ للمواطنين الفلسطينيين أن يصوّتوا؟ أجابت أغلبية المستطلعين بـ”نعم”. أما السؤال الثاني فكان: “هل تقبلون ممثّلًا عربيًا في الحكومة الإسرائيلية؟”. أجابت أغلبية المستطلعين بـ”كلا”. والخلاصة، كما تشرح المقالة أدناه، أن المناخ العام الإسرائيلي يؤيد وجود صوت عربي في الانتخابات الإسرائيلية ما دام لا يشارك في صناعة القرار السياسي؛ في المقابل، لا يؤيد المناخ الإسرائيلي العام اندماج الفلسطيني في بنية الحكم، لأنه قد يشارك في صناعة القرار السياسي.
يركز الاستطلاع على القائمة العربية الموحدة بزعامة النائب منصور عباس، ربما لأن هذا الحزب يمر بتحولات متسارعة في فكره السياسي وفي سلوك مشاركته في الحقل السياسي الإسرائيلي. وقد كان السؤال الذي طرحه “مؤشّر الصوت الإسرائيلي” على العينة المختارة هو: هل تؤيّد انضمام القائمة العربية الموحدة إلى الحكومة المقبلة بعد تصريح النائب منصور عباس بأن إسرائيل أُنشئت كدولة يهودية وستبقى كذلك؟
تجعل هذه الصياغة السؤال أشبه بتجربة مضبوطة (Controlled Experiment)؛ بمعنى أن صيغة السؤال تعرض على المستطلعين حالة يستوفي فيها الفاعل الفلسطيني الشرط المعلن للشرعية، ثم تختبر مدى استعداد الجمهور اليهودي لقبوله شريكًا في الحكم. والنتيجة أن 61% من الجمهور اليهودي يرفضون ذلك. والأهم أن المؤيدين (39%) جاؤوا في معظمهم مما يمكن وسمه في إسرائيل بأنه تيار يساري أو يسار-وسطي؛ أما في الوسط ويمين الوسط واليمين المتشدد، فالموقف رافض على نطاق واسع.
لسنوات، جرى تفسير استبعاد الأحزاب الفلسطينية من المشاركة في الحكومة الإسرائيلية بموقفها من يهودية الدولة. أزال عباس هذا الموقف تمامًا، وأضاف إليه مؤشرات “أسرلة” إضافية، مثل الانفصال عن القائمة العربية المشتركة، وانضمام نائب يهودي، كان ضابطًا في السابق، من حزب “يوجد مستقبل” إلى حزبه. ومع ذلك، بقي الجواب سلبيًا.
وبكلمات أخرى، حين استوفى العربي الشرط، أي التحول الأيديولوجي الذي يجعله أكثر ولاءً لبنية الحقل السياسي الإسرائيلي كما يعرفه اليهودي، ولم يتغير موقف الرأي العام الإسرائيلي منه، فإن هذا يترك مجالًا للاعتقاد بأن هذا الشرط لم يكن سبب الرفض في السابق، بل كان مجرّد غطاء لاستبعاد الفلسطيني من الحكم السياسي في إسرائيل. أي إن ما يمنع قبول الحزب العربي في الحكومة الإسرائيلية ليس ما يقوله الفلسطيني أو ما يقدمه من تنازلات أيديولوجية، بل ما هو عليه، باعتباره فلسطينيًا، داخل بنية السيادة الإسرائيلية.
ولا بد من الإشارة إلى أن 61% من المستطلعين اليهود عارضوا انضمام القائمة العربية الموحدة إلى الحكومة. ومرة أخرى، كان هناك نحو 151 مستطلعًا عربيًا، ولا بد أيضًا من تحليل نتائجهم حيال هذا الملف. فقد أظهر الاستطلاع أن نسبة مماثلة (60%) من المستطلَعين الفلسطينيين تعارض أيضًا انضمام منصور عباس إلى الحكومة.
من الناحية الشكلية، طُرح السؤال نفسه، بالصيغة نفسها، على المجموعتين اليهودية (600 مستطلع) والعربية (151 مستطلعًا). لكن من واجبنا، كباحثين، أن ندخل إلى الصورة ما نعرفه عن آليات عمل الاستطلاعات ذاتها؛ فتطابق نصّ السؤال لا يعني تطابق السؤال نفسه من وجهة نظر المستطلَع. وهذا يعني، من الناحية السوسيولوجية، أن المستجيب لا يجيب عن الجملة المكتوبة أمامه، بل عن السؤال الذي يفهمه انطلاقًا من موقعه.
وعلى ما يبدو، فإن المستطلَع اليهودي هنا يجيب، من موقع من يملك السيادة، عن سؤال: “مَن يحقّ له أن يشارك في حكمي؟”، وجوابه هو رسم لحدود جماعته السياسية، إذ يرفض 61% انضمام النائب عباس إلى الحكومة. أما المستجيب الفلسطيني فيجيب، من موقع المحكوم، عن سؤال آخر: “هل يليق بممثّلي أن يجلس في حكومة تفعل بشعبي ما تفعله؟”، وجوابه هو بمثابة حكم على جدوى المشاركة وكلفتها الأخلاقية. الرفض الأول يُنتج الإقصاء، والرفض الثاني هو بمثابة ردّ فعل طبيعي على إقصاء قائم أصلًا، وإن كانت النتيجة متطابقة شكليًا.
من هنا، فإن الخلاصة التي يمكن استخلاصها من هذا البند ليست أن “الطرفين يرفضان”، بل أن مسار الاندماج السياسي لحزب منصور عباس يبدو متجهًا نحو الانسداد بفعل رفض أغلبية المستطلعين اليهود وأغلبية المستطلعين العرب، لكن أسباب الرفض لدى كل منهما متعاكسة.
من هذا الباب المغلق ننتقل إلى الباب المفتوح ظاهريًا، أي حقّ الاقتراع. وقد طرح الاستطلاع السؤال على اليهود وحدهم: هل ينبغي أن يتمتّع المواطنون العرب في إسرائيل بحقّ التصويت للكنيست؟ أجابت أغلبية يهودية بارزة بـ”نعم”. يبلغ التأييد 89% في اليسار و92% في يسار الوسط، ويستقرّ عند 74% في الوسط و75% في يمين الوسط، ثم يهبط هبوطًا حادًّا إلى 46% في اليمين المتشدد.
وللتفصيل، لا يتجاوز التأييد 22% بين ناخبي يهدوت هتوراه الحريديين، و32% بين ناخبي حزب “قوة يهودية” بزعامة إيتمار بن غفير، ويتراوح بين 46% و48% بين ناخبي الليكود وشاس والصهيونية الدينية. ويبدو هذا الرقم الأخير ذا دلالة، إذ إن نحو نصف قاعدة أحزاب الحكم لا ترى أن للمواطن الفلسطيني حقًّا في التصويت. أما الأغلبية التي تؤيد حق العربي في التصويت بشكل عام، فإنها تتمركز في الوسط واليسار، أي خارج منظومة الحكم الحالية؛ أي إنها أغلبية موجودة، لكنها معطلة سياسيًا، حتى الآن.
أخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن هذا الاستطلاع نفذه ميدانيًا معهد Shiluv I2R، بهامش خطأ أقصاه ±3.58% ومستوى ثقة يبلغ 95%. وتُعرض النتائج وفق ثنائية “يهود/عرب”، مع تصنيف العينة اليهودية بحسب الانتماء السياسي ومستوى التدين ونية التصويت. ويخص هامش الخطأ المعلن العينة الكاملة، فيما يرتفع كثيرًا في العينة الفلسطينية الصغيرة. كما طرح الاستطلاع بعض الأسئلة على اليهود وحدهم، وهو خيار يستحق التحليل بوصفه جزءًا من طريقة بناء الاستطلاع، وليس مجرد تفصيل إجرائي”.
(*) المصدر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)
