تتقاطع فوق هذه التلّة الحاكمة أربع إرادات استراتيجية متصارعة: سعي إسرائيلي لتحقيق حسم أمني يُصرف في سوق المنافسة السياسية والانتخابية؛ رغبة أميركية في ضبط إيقاع التصعيد لمنع تفجر مواجهة شاملة تُربك أسواق الطاقة؛ استراتيجية إيرانية تسعى للحفاظ على أوراق نفوذها دون الاستنزاف الكامل لأصولها الاستراتيجية؛ ومحاولة من حزب الله لإثبات فاعلية منظومة الردع في بيئة شديدة التعقيد؛ فيما تحاول الدولة اللبنانية استعادة دورها كفاعل سيادي يمتلك قرار الحرب والسلم بدلاً من البقاء كساحة مفتوحة لإدارة الصراعات.
ولهذا لا يمكن فهم علي الطاهر بتحليل خطي يبدأ من التلّة وينتهي عندها. المطلوب قراءة متعددة الأبعاد: قراءة أفقية تربطها بجبهات المنطقة الإقليمية، وقراءة عمودية تنفذ من ظاهر الاشتباك الميداني إلى بنيته السياسية والأمنية المركبة، وقراءة دائرية تدرس كيف يؤثر كل مستوى في المستويات الأخرى ثم يتلقى آثارها من جديد. فالحدث المحلي هنا ليس محلياً خالصاً، والإقليمي ليس منفصلاً عن الدولي، والانتخابات والضغوط السياسية ليست شأناً داخلياً محضاً حين تصبح الحرب أداة رئيسية في المنافسة على السلطة.
أولاً: الجغرافيا العسكرية وتحول مفهوم «السيطرة الوظيفية»
تختزن التلّة قيمة عسكرية وتكتيكية تتجاوز مساحتها الجغرافية المباشرة. فالمرتفعات، في العقيدة العسكرية، لا تُقاس فقط بما تتيحه من مراقبة بصرية بالعين المجردة، بل بما تمنحه من قدرة فائقة على إنتاج المعرفة الميدانية ورصد مسار الحركة الميدانية للخصم. ومن يملك المعرفة المعززة يملك الجزء الأكبر من عناصر القوة: يرصد التحركات، ويحدد الأهداف الدقيقة، ويوجه النيران الصاروخية والمدفعية، ويتحكم بإيقاع المناورة، ويجعل خصمه مكشوفاً حتى عندما لا يحتل كامل الأرض المحيطة.
ومع التطور الهائل في تقنيات الطائرات المسيرة، وأجهزة الاستشعار الحراري والراداري، والحرب الإلكترونية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكري، لم تعد التلة مجرد موضع تقليدي للمدفع أو مركزاً لمراقب مدفعية؛ بل أضحت عقدة رئيسية داخل شبكة واسعة تجمع البيانات الميدانية، وتحللها في لحظات، وتحوّلها إلى بنك أهداف قابلة للاستهداف الفوري.
تقع علي الطاهر شمال نهر الليطاني، وتُشرف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على النبطية وكفرتبنيت ومداخل إقليم التفاح، فضلاً عن المسالك المؤدية نحو مرتفعات جبل صافي والريحان. لذلك فإن السيطرة عليها لا تعني فقط تحسين موقع تكتيكي للقوات المهاجمة، بل تعني نقل مجال الرقابة المباشرة والتهديد الناري من الحافة الحدودية المتاخمة إلى عمق الجنوب اللبناني.
وهنا يكمن التحول الأكثر خطورة: فإسرائيل لم تعد بصدد تطبيق فكرة إبعاد قوة مسلحة عن حدودها المباشرة، بل بدأت بتوسيع المجال الجغرافي الذي تعتبر أن السيطرة عليه تشكل شرطاً لازماً لأمنها القومي.
هذا التوسع في تعريف مفهوم الأمن ليس جغرافياً طارئاً في العقيدة الإسرائيلية، بل يمثل امتداداً لمفهوم «الدفاع المتقدم» والمناورة خارج الحدود الذي اعتمدته تل أبيب منذ عقود. لكن هذا المفهوم تحول مراراً إلى مسوغ ميداني لاقتطاع الأراضي وإنشاء المناطق العازلة والأحزمة الأمنية. وقد اختبر لبنان هذا النموذج عقب اجتياح عام 1982، ثم عبر الشريط المحتل الذي استمر حتى عام 2000. لذلك لا يمكن التعاطي مع علي الطاهر بوصفها هدفاً تكتيكياً معزولاً عن الذاكرة التاريخية؛ فهي تقع ضمن جغرافيا سبق أن استُخدمت مرتفعاتها لإدارة الاحتلال، وقصف المراكز الحيوية، والسيطرة التامة على حركة السكان والمواصلات.
ثانياً: من «احتلال المساحة» إلى «السيطرة الشبكية»
برغم هذه الأهمية الاستراتيجية، لا تبدو إسرائيل اليوم راغبة في إعادة إنتاج نموذج احتلال عام 1982 بصورته الكلاسيكية القديمة. فالاحتلال المباشر والسيادة الإدارية على المساحات الواسعة مكلفان بشرياً واقتصادياً وسياسياً، ويتطلبان تحشيد قوات كبيرة وخطوط إمداد طويلة ومعقدة، مما يحول الجيش المحتل إلى شبكة أهداف ثابته في بيئة شعبية وجغرافية معادية.
ما تسعى إليه العقيدة العسكرية الحديثة هو الانتقال من «احتلال المساحة» إلى «احتلال الوظيفة» عبر نموذج السيطرة الشبكية:
التثبيت النقطي (أو النقطوي): السيطرة على نقاط مرتفعة ومفصلية محددة تمنح أسبقية في الرؤية والنار دون التورط في التمدد الأفقاني داخل القرى.
البنية التكنولوجية: بناء شبكات مراقبة وإنذار مبكر، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لتأمين تغطية نارية دقيقة على مدار الساعة.
الضغط الهيكلي: تدمير البنى العسكرية التحتية، وإبقاء خيار الانسحاب الميداني مرتبطاً بترتيبات أمنية وسياسية قسرية تُفرض على الدولة اللبنانية.
هذا التفوق التقني يتيح محاولة تحقيق هيمنة عسكرية من مسافة، تعتمد على بعض النقاط الأرضية الحاكمة، والطيران المسيّر، والجهد الاستخباري المكثف. وعلي الطاهر تُعد بيئة نموذجية لهذا التطبيق لأنها تمنح سيطرة وظيفية على مجال جغرافي وأمني أوسع بكثير من المساحة الفعليه للموقع ذاته.
ثالثاً: معادلة «إنكار السيطرة» وفخ الاستنزاف
وبرغم ملاءمة هذا النموذج على الخرائط العسكرية، إلا أن تطبيقه على الأرض يخضع لتعقيدات الميدان والمقاومة؛ فالمرتفع الذي يمنح أفضلية استطلاع ميداني يمكن أن يتحول في الوقت نفسه إلى هدف مكشوف، والطرق التي تُمد عبرها القوات بالذخائر والمؤن قد تتحول إلى محاور للكمائن الصاروخية، والتحصينات التي تحمي الأفراد قد تغدو أهدافاً معلومة الإحداثيات للصواريخ الموجهة والمسيّرات الانقضاضية.
من هنا، تكمن المعضلة الرئيسية ليس في القدرة على دخول التلّة أو فرض السيطرة النارية عليها، بل في القدرة على تثبيت التواجد فيها دون الوقوع في فخ استنزاف كاسر وشديد الكلفة.
وهذا الواقع يتطابق مع معادلة حزب الله الميدانية القائمة على استراتيجية «إنكار السيطرة» (Denial of Control) بدلاً من استراتيجية استعادة الأرض التقليدية. والمقصود بهذه الاستراتيجية عدم السماح للقوات المهاجمة بتحويل المرتفع إلى نقطة ارتكاز آمنة ومستقرة، حتى لو تمكنت من دخول أجزاء منها. فالطرف الأقل تفوقاً في القوة النارية لا يحتاج دائماً إلى منع خصمه من الوصول الفعلي، بل يكفيه جعل بقائه مكلفاً وغير قابل للاستدامة، وهي البيئة التي تولّد حرب الاستنزاف المفتوحة.
تخضع حركة الأطراف الرئيسية الميدانية لحسابات وتناقضات استراتيجية عديدة:
موقف إسرائيل: تعتمد إسرائيل استراتيجية السيطرة الشبكية وتوظيف عنصر الوقت عبر احتلال نقاط مفصلية تحول التواجد الميداني إلى ورقة تفاوضية فرضية. إلا أن هذه الاستراتيجية تصطدم بـ فخ الاستنزاف؛ حيث تتحول النقاط المرتفعة والمكشوفة إلى أهداف سهلة للكمائن والمسيّرات، مما يُعزز حجّة الخصم بأن الاستمرار في حمل السلاح هو ضرورة لمواجهة الاحتلال قائم الذات.
موقف حزب الله: يعتمد الحزب استراتيجية «إنكار السيطرة» لجعل التواجد الإسرائيلي مكلفاً وغير قابل للاستدامة دون الانزلاق الكلي نحو حرب مفتوحة شاملة. وتواجه هذه الاستراتيجية تحدي اتساع الفجوة المجتمعية؛ إذ إن المحافظة على معادلة الردع العسكري باتت تتقاطع مع إنهاك البيئة المدنية وتزايد معدلات النزوح والدمار والضغط الاقتصادي الشديد.
رابعاً: الأبعاد الحسابية والانتخابية الدولية والإقليمية
تتقاطع معركة التلّة مع أجندات ومواعيد سياسية وانتخابية حاسمة تحكم سلوك الفاعلين الدوليين والإقليميين على عدة مستويات:
القيادة الإسرائيلية: تسعى لاستغلال الاستحقاقات الانتخابية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026 عبر تقديم «صورة إنجاز» ميداني يُثبت تغيير البيئة الأمنية في الشمال. إلا أن التورط في معركة استنزاف طويلة تؤدي إلى خسائر بشرية وعودة الصواريخ إلى العمق قد ينقلب إلى عائق انتخابي حاد أمام بنيامين نتنياهو.
الإدارة الأمريكية: ترتبط حساباتها بالانتخابات النصفية للكونغرس في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، حيث تسعى واشنطن لمنع ارتفاع أسعار النفط أو الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة. وتُوظّف القوة الإسرائيلية لتفكيك البنى العسكرية الضاربة وإسناد انتشار الجيش اللبناني، لكنها تخشى في الوقت نفسه أن يؤدي الإفراط في استخدام القوة إلى إفشال ترتيبات التهدئة الإقليمية برمتها.
الإستراتيجية الإيرانية: تتأثر المعركة بمسار التفاهمات المتعثرة مع واشنطن، وتداخل الساحات الإقليمية من الهرمز والبحر الأحمر إلى سوريا. وتتلخص الحسابات الإيرانية في الحفاظ على حزب الله كقوة ردع قائمة وتفادي استنزاف أصولها المشرقية في مواجهة غير محسوبة النتائج، مع اعتماد الرد الموزع وغير المباشر.
خامساً: أزمة الدولة اللبنانية وهندسة «التزامن المشروط»
يقف لبنان الرسمي والمجتمعي في قلب هذه الدوائر المتداخلة بوصفه الطرف الأكثر تأثراً بالنتائج والأقل قدرة على التحكم بالمجريات. فالدولة مطالبة دولياً بمنع استخدام أراضيها لتهديد أمن الجوار، لكنها، في المقابل، لا تحصل على ضمانات سيادية كافية تمنع الاعتداء على أراضيها أو احتلال مرتفعاتها. كما يُطلب من الجيش اللبناني الانتشار والسيطرة، بينما تظل قدراته الدفاعية والتسليحية مقيدة، وتستمر الانقسامات السياسية حول مفهوم المقاومة وسلاحها.
وتبقى الدعوة إلى استعادة سيادة الدولة منقوصة ما لم تقترن بتمكين قدراتها الذاتية. وفي المقابل، فإن الدفاع عن السلاح يفقد مقومات مشروعيته إذا تحول إلى قرار حربي يستقل عن الدولة ومؤسساتها الدستورية.
ولا يمكن للدولة استعادة قرارها عبر إنذارات خارجية تطالب بنزع السلاح القسري، لأن ذلك قد يدفع باتجاه أزمات داخلية حادة؛ كما لا يمكنها الاكتفاء بإدارة الانقسام إلى مالانهاية، لأن كل جولة مواجهة تلتهم أجزاء جديدة من الاقتصاد والعمران وتفاقم معضلة الديموغرافيا.
المخرج الواقعي الوحيد يتطلب صياغة آلية «تزامن مشروط ومتبادل» محددة زمنياً وتخضع للتحقق الإجرائي:
الانسحاب الإسرائيلي الكامل: انسحاب مؤكد وتدريجي من كافة النقاط المحتلة مع توقف الغارات والعمليات العسكرية.
الانتشار العملاني للجيش: فرض سيطرة الجيش اللبناني الكاملة، وإنهاء أي مظاهر مسلحة غير شرعية في منطقة جنوب الليطاني.
آلية رقابة متوازنة: وجود رقابة دولية محايدة تتحقق من التزامات الطرفين بالتوازي، بحيث لا تقتصر المتابعة على الجانب اللبناني وحده دون ضبط الانتهاكات الإسرائيلية.
استراتيجية دفاعية وطنية: إدماج قدرات الردع ضمن استراتيجية دفاعية تناقشها وتقرها المؤسسات الدستورية، لضمان احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم.
الخاتمة: علي الطاهر كمعمل لهندسة ما بعد الحرب
لا يُقاس النصر أو الفشل في معركة علي الطاهر بمن يرفع رايته فوق المرتفع في لحظة عابرة، بل بمن يستطيع تحويل النتيجة العسكرية الميدانية إلى نظام أمني وسياسي قابل للاستمرار.
فإذا احتلت إسرائيل التلة ولم تستطع البقاء فيها بأمان، لم يتحقق لها نصر استراتيجي. وإذا منع حزب الله الاحتلال لكنه عجز عن حماية بيئته ومجتمعه من الدمار والنزوح، لا يكون قد حقّق نصراً كاملاً. وإذا انتشر الجيش اللبناني دون امتلاك القرار والقدرات والضمانات، يكون قد تسلم عبء الصراع لا السيادة عليه.
ليست تلة علي الطاهر مجرد تلّة على هامش مواجهة مسلحة، بل هي المختبر الذي سيُحدد نموذج الجنوب القادم: هل يتجه نحو جنوب تحكمه الدولة اللبنانية، خالٍ من الاحتلال ومحميٍ بالقرارات الوطنية والسيادية؛ أم يبقى ساحة مقسمة بين نقاط سيطرة شبكية، ومناطق نفوذ مسلح، وآليات رقابة خارجية، وقرارات تُصنع خارج حدود مؤسساته الرسمية؟
