الجحيم على الأرض: مأساة «الهيباكوشا» وإرث العصر النووي

في الثامنة والربع من صباح السادس من آب/أغسطس 1945 في هيروشيما، ثم في الحادية عشرة ودقيقتين من صباح التاسع منه في ناغاساكي، لم يكن ما رآه الناس في السماء مجرد انفجار أكبر من تلك التي عرفوها خلال سنوات الحرب. كان حدثاً فيزيائياً جديداً: ومضة حرارية هائلة، تلتها موجة ضغط مدمرة، ثم إشعاع مؤيّن لا لون له ولا صوت ولا رائحة، لكنه يستطيع أن يعبر الأنسجة ويؤذي الخلايا من الداخل. وقد اختصر بعض اليابانيين التجربة في التعبير الذي صار جزءاً من ذاكرة المدينتين: «بيكا-دون» (Pika-Don)، أي «الوميض» ثم «الدوي». في لحظة واحدة، اتحد الضوء والحرارة والضغط والإشعاع ليصنعوا نوعاً من الجحيم لم يكن الطب نفسه يمتلك بعد لغة كاملة لوصفه.

قرب مركز الانفجار، وصلت حرارة بعض الأسطح إلى عدة آلاف من الدرجات المئوية، وتعرض البشر والمواد لفيض حراري بالغ الشدة أحدث حروقاً وتفحماً وتلفاً فورياً في المواد المكشوفة. ومن أكثر الآثار غرابة ما عُرف لاحقاً بـ«الظلال النووية». لم تكن هذه الظلال بقايا أجساد تبخرت، بل آثاراً صنعها الضوء والحرارة: فقد غيّر الوميض الحراري لون ومظهر السطوح المكشوفة، وأحدث في بعضها تقشيراً وتلفاً سطحياً، بينما حجبت أجساد البشر والأعمدة والعربات جزءاً من الإشعاع عن المساحات الواقعة خلفها. وبقي الفرق بين الجزء المكشوف والجزء المحمي مرسوماً على الحجر، كصورة سلبية للحظة كان فيها إنسان حي يقف بين النار والأرض. أما الذين نجوا من اللحظة الأولى، فعُرفوا في اليابان باسم «الهيباكوشا» (Hibakusha)، أي الأشخاص المتضررين من القصف الذري وآثاره. وهذه المقالة الأخيرة ليست عن القنبلة بوصفها سلاحاً، بل عنهم: عن اللحظة التي خرجت فيها المعادلات والنيوترونات والعدسات المتفجرة من المختبر، ودخلت الجلد والدم والنخاع والذاكرة الإنسانية.

الجزء الأوّل: عندما دخلت الفيزياء جسد الإنسان

لم تكن القنبلة النووية مجرد متفجر تقليدي أكبر حجماً. فقد هاجمت الجسم البشري بثلاث آليات متزامنة: موجة ضغط حطمت المباني وقذفت الأجساد والزجاج والحطام بسرعات هائلة؛ وإشعاع حراري تسبب بحروق مباشرة وأشعل الملابس والخشب والورق؛ وإشعاع مؤيّن أصاب الخلايا والحمض النووي ونخاع العظام والأمعاء حتى لدى بعض الذين لم تظهر عليهم إصابات خارجية خطيرة. وفي ناغاساكي كانت الكارثة أشد قسوة لأن جزءاً مهماً من بنيتها الطبية نفسها وقع داخل المنطقة الأشد تدميراً؛ فقد تعرضت كلية ناغاساكي الطبية ومستشفاها الجامعي، الواقعتان على مسافة تقارب نصف كيلومتر إلى أقل من كيلومتر من مركز الانفجار، لأضرار كارثية، وقُتل نحو 890 من العاملين والطلاب والمرتبطين بالمؤسسة. وهكذا لم تصل القنبلة إلى المرضى وحدهم، بل حطمت أيضاً جزءاً من الجهاز الطبي الذي كان يفترض أن ينقذهم.

كان منظر المصابين بالحروق من أكثر المشاهد التي تكررت في شهادات الناجين. شوهد أشخاص يسيرون وأذرعهم ممدودة أمامهم، والجلد المحروق والمتقشر يتدلى من اليدين والذراعين. ومن المرجح أن هذه الوضعية خففت أيضاً احتكاك الأسطح المصابة بعضها ببعض، لكن المشهد نفسه هو الثابت في شهادات الناجين أكثر من تفسير آلي واحد له. واندفع كثير من الجرحى نحو أنهار هيروشيما طلباً للماء والبرودة، حتى امتلأت الضفاف بالمصابين وظهرت في الأنهار أعداد هائلة من الجثث الطافية. ومن مفارقات طب الحروق أن أشد المناطق احتراقاً لا تكون دائماً الأكثر ألماً؛ ففي الحرق كامل السماكة قد تُدمّر النهايات العصبية نفسها، فيفقد مركز الجرح الإحساس، بينما تبقى الأنسجة المحيطة الأقل عمقاً شديدة الألم.

ومع مرور الأشهر ظهرت لدى بعض أصحاب الحروق ندوب ضخمة بارزة عُرفت باسم «الكيلايد» (Keloids)، وهي نمو مفرط للنسيج الليفي أثناء التئام الجرح. لم تكن أوراماً سرطانية كما قد يوحي مظهرها، لكنها كانت سميكة ومؤلمة ومشوِّهة، وقد تحد من حركة المفاصل إذا امتدت عبر مناطق الثني. وهكذا تحولت لحظة حرارية استغرقت ثواني إلى علامة يراها الناجي في المرآة سنوات طويلة. ولم تكن الندبة مجرد ظاهرة جلدية؛ ففي مجتمع ما بعد الحرب أصبحت لدى بعض الناجين بطاقة هوية غير مرغوب فيها، تعلن للآخرين أنهم من «أهل القنبلة» قبل أن ينطقوا بكلمة.

الجزء الثاني: الموت الذي جاء بعد النجاة

كان الجانب الأكثر غموضاً للأطباء اليابانيين في الأيام والأسابيع الأولى هو أن بعض الأشخاص الذين بدا أنهم نجوا من الانفجار بدأوا يمرضون بلا جرح يفسر مرضهم. ظهرت حالات غثيان وقيء وإسهال، ثم نزف وبقع أرجوانية في الجلد، وتقرحات في الفم والحلق، وتساقط شديد للشعر وحمى والتهابات متكررة. نعرف اليوم أن هذه مجموعة من مظاهر «متلازمة الإشعاع الحادة» (Acute Radiation Syndrome)، وأن شدتها تعتمد على الجرعة التي تلقاها الجسم. فالإشعاع يدمر خصوصاً الخلايا التي تنقسم بسرعة: الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم في نخاع العظام، وخلايا بطانة الأمعاء، وخلايا بصيلات الشعر. ومع تضرر النخاع تنخفض الكريات البيضاء التي يعتمد عليها الجسم في مقاومة العدوى، وتنخفض أيضاً الصفائح الدموية الضرورية للتخثر، فتظهر النمشات والفرفرية تحت الجلد ويصبح نزف اللثة والأنف والجروح الصغيرة أكثر صعوبة في الإيقاف. ومع انهيار المناعة ظهرت لدى بعض المصابين تقرحات شديدة والتهابات نخرية في الفم واللثة والبلعوم، بينما أدى تضرر الأمعاء إلى الإسهال والجفاف.

وكان تساقط الشعر واحداً من أكثر العلامات رعباً للناجين. فالإشعاع يدمر الخلايا النشطة في بصيلات الشعر، فتصبح الشعيرات رقيقة وهشة وسهلة الانكسار؛ ولهذا كان بعض المرضى يجد خصلات كبيرة في أيديهم أو أمشاطهم عند لمس الرأس أو تمشيطه. وفي مجتمع لم يكن يعرف بعد ما يجري داخل الجسم، أصبح ظهور الشعر في الكف إشارة مخيفة إلى أن المرض الخفي قد بدأ. ولهذا بدا الموت الإشعاعي كأنه يعمل بمنطق شبحاني: الشخص الذي خرج من بين الأنقاض يمشي على قدميه قد ينهار بعد أسابيع، فيما يبقى سبب المرض غير مرئي. وعندما دخل الصحفي الأسترالي ويلفريد بيرشيت هيروشيما في مطلع أيلول/سبتمبر 1945 وكتب عن «الطاعون الذري»، لم تكن السلطات الأمريكية قد استوعبت علناً بعد الصورة الكاملة للمرض الإشعاعي؛ بل تُظهر سجلات مشروع مانهاتن أن ليزلي غروفز ومسؤولين آخرين شككوا في البداية في التقارير اليابانية عن الوفيات الإشعاعية المتأخرة، قبل أن تؤكد البعثات الطبية الأمريكية نفسها أن التأثيرات السريرية للإشعاع كانت حقيقية في جوهرها.

وفي السنوات التالية استخدم بعض الهيباكوشا تعبير «بورابورا» لوصف حالة من الوهن والإرهاق المزمن وفقدان الطاقة والدافع. كانت هذه المعاناة حقيقية، لكنها لا تمثل اليوم متلازمة إشعاعية عضوية واحدة ذات آلية محددة؛ فالناجون عاشوا مزيجاً استثنائياً من الإصابات والإشعاع وسوء التغذية وفقدان العائلة والمنزل والفقر والصدمة النفسية والوصم الاجتماعي. أما الآثار السرطانية المتأخرة فهي من أكثر النتائج ثبوتاً: بدأ الارتفاع الزائد في اللوكيميا يظهر بعد نحو عامين من التعرض، وبلغ ذروته تقريباً بعد ست إلى ثماني سنوات، وكان أوضح لدى من تعرضوا في سن صغيرة. ثم بدأت الزيادة في السرطانات الصلبة تظهر بعد نحو عقد من القصف واستمرت على مدى العمر، مع ارتفاع الخطر مع الجرعة واختلافه بحسب العضو والعمر والجنس. ولم يكن كل سرطان أصاب الهيباكوشا «سرطاناً ذرياً»، لكن الإحصاء السكاني أثبت أن التعرض رفع الخطر فوق معدلاته الطبيعية، وأن تلك الزيادة ظلت تلاحق الجماعة لعقود.

الجزء الثالث: المطر الأسود والأجنة والخوف من لعنة وراثية

لم تنتهِ قصة الإشعاع عند اختفاء السحابة الفطرية. ففي هيروشيما بدأت زخات «المطر الأسود» بعد نحو عشرين إلى ثلاثين دقيقة من الانفجار وامتدت في مناطق مختلفة لساعات، حاملة مزيجاً من السخام والغبار وبخار الماء ومواد ناتجة من الانفجار والحرائق، مع مقدار من النشاط الإشعاعي اختلف بشدة من مكان إلى آخر. وفي ناغاساكي سُجل أيضاً سقوط رماد وغبار ومطر ملوث؛ ومن أشهر المناطق حي نيشياما، الواقع خلف الجبال على مسافة نحو 2.5 كيلومتر شرق مركز الانفجار، حيث بدأ المطر بعد نحو عشرين دقيقة. ولم تكن كل قطرة «جرعة قاتلة»، كما صوّرت بعض الروايات لاحقاً؛ فالجرعات اختلفت بحسب الموقع والرياح وكمية المطر ومسار الشخص بعد الانفجار. ولهذا ظل تقدير التعرض المتبقي موضوعاً طبياً وقانونياً لعقود. وفي تموز/يوليو 2021 حكمت محكمة هيروشيما العليا لمصلحة 84 شخصاً تعرضوا للمطر الأسود خارج الحدود الإدارية القديمة للاعتراف، وتخلت الحكومة عن الطعن، ثم توسع نظام منح بطاقات الهيباكوشا لمن يستطيع إثبات تعرضه في ظروف مماثلة ويستوفي الشروط الطبية المعتمدة. هكذا ظل رسم المطر الذي تركته الرياح في سماء عام 1945 موضوع نزاع حتى القرن الحادي والعشرين.

أما أكثر الآثار الطبية إيلاماً من الناحية البيولوجية فكانت تلك التي أصابت بعض الأجنة الذين كانوا داخل أرحام أمهاتهم لحظة الانفجار. فالدماغ الجنيني ليس حساساً بالدرجة نفسها في كل مراحل الحمل؛ وقد أظهرت الدراسات أن الفترة الأشد حساسية تقريباً بين الأسبوعين الثامن والخامس عشر بعد الإخصاب، وهي مرحلة حاسمة من تكاثر الخلايا العصبية وهجرتها وتنظيم البنية القشرية للدماغ، مع حساسية أقل بين الأسبوعين السادس عشر والخامس والعشرين. وعند الجرعات الأعلى زادت حالات صغر الرأس والاضطرابات العصبية والإعاقة الذهنية الشديدة وانخفض متوسط الأداء المعرفي. لكن هذه النتائج كانت مرتبطة بالجرعة ومرحلة الحمل، ولم تكن مصيراً عاماً لأطفال المدينتين. العامل البيولوجي الحاسم لم يكن خطاً جغرافياً بسيطاً حول مركز الانفجار، بل مقدار الجرعة التي وصلت إلى الجنين والمرحلة التي كان يمر بها نموه حين وصلت.

وهنا يظهر تفريق علمي حاسم كثيراً ما يضيع في الكتابة العامة: التعرض داخل الرحم يختلف تماماً عن وراثة الضرر من أب أو أم تعرضا للقنبلة قبل حدوث الحمل. في الحالة الأولى تكون خلايا الجنين نفسه قد تعرضت للإشعاع، ولذلك فهذا ضرر جسدي مباشر. أما التأثير الوراثي فيفترض أن الإشعاع أحدث طفرات في الخلايا الجنسية للأب أو الأم ثم انتقلت إلى طفل حُبل به لاحقاً. وعلى الرغم من عقود من المتابعة لعشرات الآلاف من أبناء الهيباكوشا، لم تكشف الدراسات البشرية حتى الآن دليلاً واضحاً على زيادة وراثية سريرية مرتبطة بجرعة الوالدين في التشوهات الكبرى أو السرطان أو الوفيات المبكرة، مع استمرار الدراسات الجزيئية الحديثة. وهذه الحقيقة تجعل ما حدث اجتماعياً أكثر مأساوية: فقد تعرض الناجون للتمييز في الزواج والعمل لأن المجتمع خاف من «لعنة جينية» أقوى بكثير من الدليل العلمي على وجودها. وهكذا حمل الهيباكوشا فوق عبء الإشعاع عبئاً آخر صنعه الخوف من الإشعاع نفسه.

الجزء الرابع: حين أصبح الناجي موضوعاً للبحث

بعد الاستسلام، لم يُسمح لذاكرة القنبلة بأن تتشكل بحرية كاملة. ففي التاسع عشر من أيلول/سبتمبر 1945 فرض الاحتلال الأمريكي «قانون الصحافة» (Press Code for Japan) ضمن منظومة رقابة واسعة شملت الصحافة والنشر والبث والأفلام والمراسلات. ووقعت المواد المتعلقة بالقنبلة وآثارها الطبية تحت رقابة وتقييد شديدين؛ فتأخر نشر صور وشهادات وأبحاث يابانية، وظلت أجزاء مهمة من المعرفة التي جمعها الأطباء عن المرض الإشعاعي بعيدة عن التداول الحر في السنوات الأولى للاحتلال. لم يكن المنع مطلقاً لكل كلمة عن القنبلة، كما توحي بعض الروايات، لكن انتهاء الاحتلال في نيسان/أبريل 1952 فتح المجال بصورة أوسع لنشر الصور والمواد التي كان تداولها مقيداً، فبدأ الجمهور الياباني والعالم يرى وجهاً من المأساة كان قد بقي خلف ستار سياسي وأمني.

وفي السادس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 1946 وافق الرئيس هاري ترومان على توجيه إلى الأكاديمية الوطنية للعلوم لإطلاق دراسة طويلة الأمد للآثار الطبية والبيولوجية للقنبلتين. ومن هذا البرنامج تشكلت «لجنة ضحايا القنبلة الذرية» (Atomic Bomb Casualty Commission – ABCC)، التي أخذت صورتها المؤسسية التشغيلية عام 1947، ثم توسع تعاونها الرسمي مع المعهد الوطني الياباني للصحة ابتداءً من 1948. وكانت اللجنة في جوهرها مؤسسة بحثية لا علاجية، وهنا بدأت المعضلة الأخلاقية. بالنسبة إلى كثير من الهيباكوشا، كان المشهد بالغ المرارة: تأتي سيارة اللجنة، يُنقل الناجي إلى الفحص، تؤخذ عينات دمه وتُقاس آثار القنبلة في جسده، ثم يعود إلى بيته وهو ما يزال مريضاً. ولذلك ترسخت بينهم عبارة قاسية: لقد جعلونا «فئران تجارب». وقد بين مؤرخون درسوا أرشيف اللجنة أن إبقاء مهمتها بعيدة عن العلاج ارتبط أيضاً برفض تحويل البرنامج إلى مشروع تعويض أو «تكفير» أمريكي عن استخدام القنبلة، لكن بالنسبة إلى المريض لم تكن الحدود المؤسسية بين «البحث» و«الرعاية» ذات معنى كبير.

إقرأ على موقع 180  بحر الصين الجنوبي.. الجغرافيا تعيد تشكيل موازين القوة الدولية

ومع ذلك، فإن اختزال (ABCC) في صورة علماء أشرار يسيء إلى التاريخ بقدر ما يسيء تبرئة التجربة من مشكلتها الأخلاقية. فقد أنتجت الدراسات التي بدأت هناك أهم قاعدة بيانات بشرية طويلة الأمد تقريباً عن مخاطر الإشعاع، وأسهمت لاحقاً في بناء معايير الحماية الإشعاعية وفهم السرطان والوراثة والتعرض الجنيني. لكن هذه المعرفة نشأت داخل علاقة قوة غير متكافئة، في بلد محتل، بين مؤسسة مدعومة من الدولة التي أسقطت القنبلة وبين أجساد أشخاص كانوا يحتاجون إلى العلاج بقدر حاجتهم إلى الدراسة. وفي الأول من نيسان/أبريل 1975 حلّت «مؤسسة أبحاث تأثيرات الإشعاع» (RERF) محل (ABCC) بوصفها مؤسسة يابانية أمريكية مشتركة. وهكذا بقيت المفارقة قائمة: حتى معرفة ما فعله السلاح بالإنسان وُلد جزء منها من أجساد الذين أُصيبوا به.

الجزء الخامس: أسماء خرجت من الأرقام

تستطيع الإحصاءات أن تقول لنا إن خطر اللوكيميا ارتفع، وإن السرطان ازداد مع الجرعة، وإن مرحلة معينة من نمو الجنين أكثر حساسية من أخرى. لكنها لا تستطيع أن تخبرنا ماذا يعني أن تكون طفلة في الثانية من عمرها تحت القنبلة، ثم تكبر لسنوات تبدو سليمة، ثم يأتي المرض بعد عقد تقريباً. لهذا أصبحت قصة ساداكو ساساكي واحدة من أشهر الجسور بين الإحصاء والذاكرة. ولدت في السابع من كانون الثاني/يناير 1943، وكانت في الثانية عندما تعرضت للقصف على مسافة تقارب 1.6 كيلومتر من مركز الانفجار. وفي أواخر 1954 بدأت علامات المرض، ثم شُخّصت في شباط/فبراير 1955 باللوكيميا اللمفاوية وأدخلت مستشفى الصليب الأحمر في هيروشيما. هناك أخذت تطوي طيور الكركي الورقية المرتبطة في الثقافة اليابانية بأمنيات الشفاء وطول العمر، مستخدمة ما يقع تحت يدها من ورق، وتجاوز عدد ما طوته الألف طائر قبل أن تتوفى في الخامس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 1955 وهي في الثانية عشرة. ولعل أكثر ما يكشف أنها كانت تفهم من مرضها أكثر مما ظن الكبار أنها تعرفه ورقة صغيرة لم تظهر إلا بعد موتها؛ فقد كان الأطباء والأسرة قد تجنبوا إخبارها صراحة باسم مرضها، لكنها كانت تسجل سراً نتائج تحاليل دمها، وبعد وفاتها عُثر على السجل مخبأً تحت فراشها. كانت الطفلة التي تطوي طيور الكركي طلباً للحياة تراقب في الوقت نفسه، بالأرقام، المرض وهو يتحرك في دمها. وفي الخامس من أيار/مايو 1958 افتتح «نصب سلام الأطفال» في هيروشيما، لا بوصفه نصباً لساداكو وحدها، بل رمزاً للأطفال الذين قتلهم السلاح والحرب.

وعلى الجانب الآخر من الخبرة الإنسانية ترك الطبيب ميتشيهيكو هاتشيا «يوميات هيروشيما»، وهي شهادة طبية وشخصية عن مستشفى منهار استقبل المصابين بينما كان العاملون فيه أنفسهم مصابين ومصدومين. وفي ناغاساكي أصبح الطبيب وعالم الأشعة الكاثوليكي تاكاشي ناجاي واحداً من أشهر أصوات المدينة. وهنا تظهر دقة تاريخية كثيراً ما تضيع: ناجاي لم يُصب باللوكيميا نتيجة القنبلة وحدها، بل شُخّص بها في حزيران/يونيو 1945، قبل القصف بشهرين، ويرتبط مرضه بتعرضه المهني الطويل للأشعة السينية. وعندما انفجرت القنبلة كان في كلية ناغاساكي الطبية على مسافة نحو 700 متر من مركزها، فأصيب إصابة خطيرة ثم واصل المشاركة في إغاثة الجرحى. وعندما عاد إلى أنقاض منزله وجد ما بقي من زوجته ميدوري في المطبخ وجمع بقاياها من الرماد؛ وتروي سيرته أنه عثر معها على مسبحتها الوردية مشوهة بحرارة الحريق. أنهى ناجاي كتابة «أجراس ناغاساكي» عام 1946، ثم أمضى سنواته الأخيرة في كوخ «نيوكودو» الصغير، الذي انتقل إليه عام 1948، يكتب كتباً ومقالات أخرى ويدعو إلى السلام والمصالحة.

ولاحقاً ظهرت العبارة الثقافية «هيروشيما تغضب، وناغاساكي تصلي»، في إشارة إلى حضور النشاط السياسي المناهض للسلاح في ذاكرة هيروشيما وإلى البعد المسيحي والروحي في ذاكرة أوراكامي وناغاساكي. لكنها تخفي بقدر ما تكشف. ففي ناغاساكي كان هناك ناجون، بينهم يامادا كان والطبيب تاتسويشيرو أكيزوكي، رفضوا القراءات التي تحول الكارثة إلى قربان ديني أو قدر يجب التسليم به، وطالبوا بذاكرة أكثر نقداً ومسؤولية. وفي هيروشيما نفسها لم يكن الغضب نقيضاً للصلاة؛ فقد امتزج النشاط السياسي بطقوس التأبين البوذية والفوانيس التي تطفو على نهر موتوياسو كل عام. المدينتان لم تكونا «غضباً» و«صلاة»، بل بشراً حاولوا بطرق مختلفة أن يعيشوا مع ما لا يمكن استيعابه.

الجزء السادس: من «فئران التجارب» إلى ضمير العالم

على مدى العقود، تحولت كلمة «هيباكوشا» من هوية كان بعض الناجين يخفونها خوفاً من التمييز إلى واحدة من أقوى المرجعيات الأخلاقية في الحركة العالمية المناهضة للأسلحة النووية. وفي العاشر من آب/أغسطس 1956 تأسست في ناغاساكي «نيهون هيدانكيو»، الاتحاد الياباني لمنظمات ضحايا القنبلتين الذرية والهيدروجينية، لتدافع عن حقوق الناجين وتنقل شهاداتهم إلى العالم. وبعد ثمانية وستين عاماً، مُنحت المنظمة جائزة نوبل للسلام لعام 2024 تقديراً لجهودها من أجل عالم خالٍ من الأسلحة النووية ولإثباتها، من خلال شهادة الناجين، أن هذه الأسلحة يجب ألا تستخدم مرة أخرى. وقبل ذلك بسبع سنوات كانت جائزة نوبل للسلام لعام 2017 قد ذهبت إلى الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN) بسبب عملها في إبراز العواقب الإنسانية الكارثية لأي استخدام نووي ودورها في الدفع نحو حظر هذه الأسلحة. ولم تكن هاتان الجائزتان مجرد تكريم لمنظمتين؛ بل عكستا تحولاً عميقاً في خطاب نزع السلاح، من لغة الرؤوس والكيلوطنات ومديات الصواريخ إلى لغة العواقب الإنسانية: ماذا يحدث للمدينة والمستشفى والطفل والجسد عندما يتحول الردع النظري إلى انفجار حقيقي؟

لكن العالم الذي وصل إليه صوت الهيباكوشا لم يتخل عن القنبلة. ففي كانون الثاني/يناير 2026 قدّر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن العالم ما يزال يمتلك نحو 12,187 رأساً نووياً؛ منها نحو 9,745 رأساً في المخزونات العسكرية المخصصة للاستخدام المحتمل، ونحو 4,012 رأساً منشوراً مع الصواريخ والطائرات، وكان ما بين 2,100 و2,200 منها في حالة تأهب عملياتي عالٍ على الصواريخ الباليستية، معظمها في الترسانتين الأمريكية والروسية. والأخطر أن هذه الترسانات ليست متاحف للحرب الباردة؛ فالدول التسع المسلحة نووياً تواصل تحديثها وتطوير منصات حملها وأنظمتها، وتعيد في بعض الحالات زيادة الوزن السياسي والعسكري للسلاح النووي في استراتيجياتها الأمنية. وبعد أكثر من ثمانين عاماً على هيروشيما، لم تعد البشرية تجهل ما يستطيع السلاح النووي فعله؛ إنها تعرف، ومع ذلك ما تزال تحتفظ بآلاف الرؤوس القادرة على فعله من جديد.

وإذا كنت قد جادلت في المقالة الثانية من هذه السلسلة بأن تدمير هيروشيما وناغاساكي لم يكن، في تقديري، ضرورة عسكرية محتومة، وأن استعراض القوة أمام ستالين كان جزءاً مركزياً من المشهد، فإن مأساة الهيباكوشا تمنح ذلك الجدل بعده الأخلاقي الأخير. فالمسألة ليست أن نعيد محاكمة رجال ماتوا منذ عقود، بل أن نرفض تحويل البشر مرة أخرى إلى متغير في معادلة تقول إن موت هذه المدينة قد يمنع موت مدينة أخرى، أو إن إبادة عشرات الآلاف قد تكون «رسالة» مفيدة إلى خصم سياسي. لأن اللحظة التي نقبل فيها هذه اللغة بسهولة هي اللحظة التي نبدأ فيها بالنظر إلى المدينة لا بوصفها بيوتاً وأطفالاً ومستشفيات وذكريات، بل بوصفها «هدفاً».

خاتمة السلسلة: المشكلة أننا نعرف

بدأت هذه السلسلة بمدينتين لهما تاريخ وجغرافيا وذاكرة قبل أن تتحولا إلى اسمين مرادفين للقنبلة. رأينا في المقالة الأولى كيف انتقلت الفيزياء من اكتشاف الانشطار إلى مشروع مانهاتن وترينيتي، وكيف تحولت العبقرية العلمية إلى قدرة على تحرير طاقة النواة فوق مدينة. ثم انتقلنا في المقالة الثانية إلى بوتسدام وترومان وستالين والسباق السوفيتي والجدل حول «الضرورة العسكرية». وهنا، في المقالة الأخيرة، وصلنا إلى الطرف الآخر من المعادلة: إلى الإنسان الذي كانت كل تلك المعادلات تنتهي في جسده.

والمغزى الذي أخرج به من هذه السيرة ليس أن العلم شر في ذاته. لقد قلت في المقالة الأولى إن عبارة «العلوم الشيطانية» لا تعني اتهام المعرفة نفسها بالشر، بل اللحظة التي تنفصل فيها العبقرية التقنية عن سؤالها الأخلاقي. ولم يكن هذا السؤال غريباً عن بعض الرجال الذين صنعوا السلاح. ففي الحادي عشر من حزيران/يونيو 1945، قبل هيروشيما بنحو ثمانية أسابيع، حذر علماء «تقرير فرانك» من أن الاستخدام المفاجئ للقنبلة ضد مدينة قد يطلق سباقاً نووياً ويقوض فرص الرقابة الدولية، واقترحوا استعراض السلاح في منطقة غير مأهولة أمام ممثلي الدول. وبعد الحرب وصف روبرت أوبنهايمر مسؤولية الفيزيائيين عن ولادة القنبلة بأنها مسؤولية «حميمة وخاصة»، ثم صاغ عام 1947 عبارته القاسية: لقد عرف الفيزيائيون الخطيئة، وهذه معرفة لا يستطيعون فقدانها. لم تكن البشرية تجهل كل المخاطر؛ بعض الذين صنعوا القنبلة رأوا جزءاً من المستقبل قبل أن يقع.

ومنذ ذلك الحين تعلمنا أكثر بكثير مما عرفه علماء عام 1945. تعلمنا كيف يترك الإشعاع كسوراً وإعادة ترتيب في الصبغيات، وكيف تتحول الجرعة إلى زيادة قابلة للقياس في خطر السرطان، وكيف يمكن للحظة تعرض واحدة في مرحلة حرجة من الحمل أن تغير بنية دماغ يتشكل. وتعلمنا أيضاً حدود ما نعرفه: لم نجد حتى الآن الدليل البشري الواضح على «لعنة جينية» تنتقل حتماً إلى أبناء الهيباكوشا، ولم نستطع دائماً فصل الأذى العضوي عن الصدمة النفسية والاجتماعية في كل عرض طويل الأمد. العلم هنا لم يجعل المأساة أبسط؛ جعله أكثر قدرة على وصفها، وأكثر مسؤولية عن ألا يسمح بتكرارها.

والهيباكوشا، واحداً بعد آخر، يغادرون العالم. ولهذا فالذاكرة نفسها أصبحت مورداً ينفد. سيأتي يوم لا يبقى فيه شاهد يستطيع أن يقول: «كنت هناك عندما أضاءت السماء». وعندئذ لن تنتقل إلينا ذكرياتهم فحسب، بل مسؤوليتهم أيضاً. كانت جائزة نوبل لنيهون هيدانكيو عام 2024 اعترافاً بهذه اللحظة التاريخية: ذاكرة الكارثة تتحول من شهادة حية إلى أمانة محفوظة لدى أجيال لم تر الوميض ولم تسمع «بيكا-دون»، لكنها ورثت الأسلحة التي ولدت منه.

وربما لا نستطيع إعادة المعرفة النووية إلى صندوقها. فالانشطار لا يمكن «إلغاء اكتشافه»، والمعادلات لا تنسى نفسها، والفيزياء لا تعود إلى الوراء. لكن ما يستطيع الإنسان أن يقرره هو ما إذا كانت المعرفة التي لا يمكن محوها يجب أن تتحول بالضرورة إلى سلاح لا يمكن ضبطه. وكان جيمس يامازاكي، طبيب الأطفال الأمريكي الياباني الأصل الذي قاد ابتداءً من عام 1949 دراسات أطفال ناغاساكي المتعرضين للإشعاع، قد قضى عقوداً يقرأ في أجسادهم ما لم يكن العالم يعرفه كاملاً عام 1945. وعندما سُئل لاحقاً عن استخدام القنبلة، كان جوهر إجابته أن معرفتنا الحالية بعواقب السلاح تجعل تبرير استخدامه أشد صعوبة بكثير.

وهنا تكمن المفارقة الأخيرة للعصر النووي. ففي عام 1945 كان من الممكن، ولو جزئياً، الاحتماء وراء المجهول. أما نحن فلا نملك ذلك العذر. لقد رأينا الحروق، ودرسنا اللوكيميا، وقسنا السرطان، وتتبعنا الاختلالات الصبغية، ورأينا أثر الإشعاع في دماغ الجنين، واستمعنا ثمانين عاماً إلى الذين كانوا تحت القنبلة.

ليست المشكلة أننا لا نعرف ماذا تفعل القنبلة النووية.

المشكلة أننا نعرف.

Print Friendly, PDF & Email
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  هاريس وترامب.. حيرة الأمتار الأخيرة!